تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتُّونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ

فيه ٧ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

فَلَو أَنا على جحرٍ ذبحناجرى الدميان بالْخبر الْيَقِين

على أَنه جَاءَ دميان فِي تَثْنِيَة دم.

وَهُوَ شاذٌّ عِنْد الْجَوْهَرِي لِأَنَّهُ واوي. وَمَا أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق هُوَ كَلَام صَاحب الصِّحَاح إِلَى قَوْله: فَإِن قيل إِلَخ.

وَصدر كَلَامه: الدَّم أَصله دموٌ بِالتَّحْرِيكِ وَإِنَّمَا قَالُوا: دمي يدمى لحَال الكسرة

الَّتِي قبل الْيَاء كَمَا قَالُوا: رَضِي يرضى وَهُوَ من الرضْوَان. وَأنْشد الْبَيْت.

وَقَالَ ابْن السراج فِي الصول: وَأما دمٌ فَهُوَ فعل بِالتَّحْرِيكِ لِأَنَّك تَقول: دمي يدمى دَمًا فَهُوَ دم.

فَهَذَا مثل فرق يفرق فرقا فَهُوَ فرق. فدمٌ مصدر مثل بطر وحذر. وَهَذَا قَول أبي الْعَبَّاس الْمبرد.

وَلَيْسَ عِنْدِي فِي قَوْلهم: دمي يدمى حجَّة لمن ادّعى أَن دَمًا فعل لِأَن قَوْلهم: دمي يدمى دَمًا إِنَّمَا هُوَ فعلٌ ومصدرٌ اشتقا من الدَّم كَمَا اشتق ترب يترب ترباً من التُّرَاب.

فَقَوْلهم: دَمًا اسمٌ للْحَدَث وَالدَّم: الشَّيْء الَّذِي هُوَ جسم. وَلَكِن قَوْلهم: دميان دلّ على أَنه فعل.

قَالَ الشَّاعِر لما اضْطر: فَلَو أَنا على جحرٍ ذبحنا.............. الْبَيْت ثمَّ قَالَ: وَأما دم فقد استبان أَنه من الْيَاء لقَوْل بعض الْعَرَب دميان. وَقَالَ بَعضهم: دموان.

فمما دلّ على أَنه من الْوَاو أَكثر لأَنهم قد قَالُوا هنوان وَأَخَوَانِ وأبوان. انْتهى كَلَامه. وَهَذَا مَأْخَذ كَلَام الصِّحَاح.

وَقد رد ابْن جني بعض هَذَا فِي شرح تصريف الْمَازِني وأيد مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ قَالَ: وزن شَاة فعلة سَاكِنة الْعين. هَذَا هُوَ الصَّوَاب.

وَكلمت بعض الشُّيُوخ من أَصْحَابنَا بِمَدِينَة السَّلَام فِي الْعين مِنْهَا هَل هِيَ سَاكِنة أم متحركة فَادّعى أَنَّهَا متحركة فَسَأَلته عَن الدّلَالَة على ذَلِك فَقَالَ: انقلابها ألفا يدل على أَنَّهَا متحركة لِأَنَّهَا لَو كَانَت سَاكِنة لوَجَبَ إِثْبَاتهَا كَمَا ثبتَتْ فِي حَوْض وثوب. فَقلت لَهُ: أَنا وَأَنت مجمعان على)

أَن سُكُون الْعين هُوَ الأَصْل وَأَن الْحَرَكَة زَائِدَة وَحكم الزِّيَادَة أَن لَا تثبت إِلَّا بِدَلِيل.

فَأَما قَوْلك انقلابها دليلٌ على الْحَرَكَة فَغير لَازم لِأَن الْحَرَكَة الَّتِي فِيهَا إِنَّمَا دَخَلتهَا لمجاورتها تَاء التَّأْنِيث وَقد أجمعنا على أَن تَاء التَّأْنِيث يفتح مَا قبلهَا وَإِن سُكُون الْعين هُوَ الأَصْل حَتَّى تقوم دلالةٌ على الْحَرَكَة.

وَأما انقلاب الْعين فَإِنَّمَا هُوَ لما حدث فِيهَا من الْفَتْح عِنْد مجاورتها تَاء التَّأْنِيث فَوقف الْكَلَام هُنَاكَ. وَكَأَنَّهَا كَانَت شوهة فَلَمَّا حذفت الْهَاء بقيت شوةٌ ففتحوا الْوَاو لتاء التَّأْنِيث فَصَارَ شوة فَانْقَلَبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا.

فَإِن قيل: مَا تنكر أَن تكون فعلة لِأَن اللَّام لما ردَّتْ وأبدلت فِي شَاءَ همزَة بقيت الْألف بِحَالِهَا.

وَلَو كَانَت إِنَّمَا انفتحت الْعين لمجاورتها التَّاء لوَجَبَ إِذا رجعت اللَّام وزالت التَّاء أَن تعود إِلَى سكونها فَيُقَال: شوةٌ أَو شوءٌ إِذا أبدلت الْهمزَة قيل: هَذَا لَا يلْزم لِأَن الْعين لما تحركت لمجاورتها التَّاء ثمَّ ردَّتْ اللَّام بعد ذَلِك تركت الفتحة فِي الْعين بِحَالِهَا قبل الرَّد. وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ.

أَلا ترى أَنه لم يكن عِنْده فِي قَول الشَّاعِر: جرى الدميان بالْخبر الْيَقِين دلالةٌ على تحرّك الْعين من دم لِأَنَّهَا لما أجري عَلَيْهَا الْإِعْرَاب فِي قَوْلهم: دمٌ ودماً ودمٍ ثمَّ رد اللَّام فِي التَّثْنِيَة بقى الْحَرَكَة فِي الْعين على مَا كَانَت عَلَيْهِ قبل الرَّد كَمَا قَالَ الآخر: يديان بيضاوان عِنْد محلم وَقد أَجمعُوا على سُكُون الْعين من يَد. وَقد ترَاهُ قَالَ: يديان فحركها عِنْد الرَّد لِأَنَّهَا قد جرت محركة قبل الرَّد.

وَالْقَوْل فِيهِ مثله فِي الدميان. وَغَيره من أَصْحَابنَا وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس يذهب إِلَى ترك الْعين من دم لِأَنَّهُ مصدر دميت دَمًا مثل: هويت هوى. قَالَ أَبُو بكر بن السراج: وَلَيْسَ ذَلِك بِشَيْء.

ثمَّ أورد مَا نَقَلْنَاهُ من كَلَام ابْن السراج. وَحَاصِل كَلَامه أَن دَمًا أَصله سُكُون الْعين وَأَن لامه يَاء قَالَ: إِن الْأَخْفَش يخْتَار أَن يكون الْمَحْذُوف من ابْن الْوَاو لِأَن أَكثر مَا يحذف الْوَاو لثقلها وَالْيَاء تحذف أَيْضا لِأَنَّهَا تثقل. وَالدَّلِيل على هَذَا أَن يدا قد أَجمعُوا أَن الْمَحْذُوف مِنْهُ الْيَاء وَلَهُم دَلِيل)

قَاطع من الْإِجْمَاع. يُقَال: يديت إِلَيْهِ يدا. وَدم مَحْذُوف مِنْهُ الْيَاء يُقَال: دمٌ ودميان.

قَالَ الشَّاعِر: جرى الدميان بالْخبر الْيَقِين والبنوة لَيْسَ بشاهدٍ قاطعٍ فِي الْوَاو لأَنهم يَقُولُونَ: الفتوة والتثنية فتيَان فابنٌ يجوز أَن يكون الْمَحْذُوف مِنْهُ الْوَاو وَالْيَاء وهما عِنْدِي متساويان. اه.

وَقد حكى الْخلاف ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ فِي كَون الْعين محركة أَو سَاكِنة وَفِي كَون اللَّام يَاء أَو واواً وَرجح كَونهَا يَاء قَالَ: وَدم عِنْد بعض التصريفيين دميٌ سَاكن الْعين قَالُوا: لِأَن الأَصْل فِي هَذِه المنقوصات أَن تكون أعينها سواكن حَتَّى يقوم دليلٌ على الْحَرَكَة من حَيْثُ كَانَ السّكُون هُوَ الأَصْل وَالْحَرَكَة طارئة.

قَالُوا: وَلَيْسَ ظُهُور الْحَرَكَة فِي دميان دَلِيلا على أَن الْعين متحركة فِي الأَصْل لِأَن الِاسْم إِذا حذفت لامه واستمرت حركات الْإِعْرَاب على عينه ثمَّ أُعِيدَت اللَّام فِي بعض تصاريف الْكَلِمَة ألزموا الْعين الْحَرَكَة.

وَقَالَ من خَالف أَصْحَاب هَذَا القَوْل: أصل دمٍ دميٌ بِفَتْح الْعين لِأَن بعض الْعَرَب قلبوا لامه ألفا فألحقوه بِبَاب رَحا فَقَالُوا: هَذَا دمٌ ودماً كرحاً.

وَقَالَ بعض الْعَرَب فِي تثنيته دمان فَلم يردوا اللَّام كَمَا قَالُوا فِي تَثْنِيَة يدٍ يدان. وَالْوَجْه أَن يكون الْعَمَل على الْأَكْثَر. وَكَذَلِكَ حكى قومٌ دموان. والأعرف فِيهِ الْيَاء.

وَعَلِيهِ أنشدوا: جرى الدميان بالْخبر الْيَقِين قَالَ بعض أهل اللُّغَة: من الْعَرَب من يَقُول: الدَّم بِالتَّشْدِيدِ كَمَا تلفظ الْعَامَّة وَهِي لُغَة ردية.

وأنشدوا لتأبط شرا:

حَيْثُ الْتَقت بكرٌ وفهمٌ كلهَاوَالدَّم يجْرِي بَينهم كالجدول

والعامة تفعل مثل هَذَا فِي الْفَم. وَمن الْعَرَب من يشدد الْفَم أَيْضا. وَإِنَّمَا يكون ذَلِك فِي الشّعْر قَالَ: يَا ليتها قد خرجت من فَمه انْتهى.)

والجحر بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة: الشق فِي الأَرْض.

وَقَوله: جرى الدميان إِلَخ أَرَادَ بالْخبر الْيَقِين مَا اشْتهر عِنْد الْعَرَب من أَنه لَا يمتزج دم المتباغضين. وَهَذَا تلميحٌ فِي غَايَة الْحسن أَي: لما امتزجا وَعرف مَا بَيْننَا من الْعَدَاوَة.

قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: مَعْنَاهُ لم يخْتَلط دمي وَدَمه من بغضي لَهُ وبغضه لي بل يجْرِي دمي يمنةً وَدَمه يسرة. ويوضحه قَول المتلمس من قصيدة:

أحارث إِنَّا لَو تساط دماؤناتزايلن حَتَّى لَا يمس دمٌ دَمًا

وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمَة المتلمس من كتاب الشُّعَرَاء: هَذَا الْبَيْت من إفراطه. يَقُول: إِن دِمَاءَهُمْ تنماز من دِمَاء غَيرهم. وَهَذَا محالٌ لَا يكون أبدا.

وَكَذَا قَالَ ابْن عبد ربه فِي العقد الفريد. وتساط بِالسِّين الْمُهْملَة يَعْنِي: تخلط. وَمِنْه قَول الْعَامَّة: لَو خلط دمي بدمه لما اخْتَلَط أَي: لباينه من شدَّة الْعَدَاوَة وَلم يمازجه.

وَقَالَ الأندلسي: مَعْنَاهُ لَو ذبحنا على جحرٍ وَاحِد لامتزجت دماؤنا بدمائكم. يصف مَا بَينهمَا من الْعَدَاوَة. وَهَذَا خلاف الْمَعْنى وَالصَّوَاب: لما امتزجت دماؤنا.

وَنقل بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل أَن معنى الْبَيْت: لَو ذبحنا على جحرٍ لعلم من الشجاع منا من الجبان بجري دَمه وجموده لِأَن من زعمهم أَن دم الشجاع يجْرِي وَدم الجبان وَلَا يخفى أَن هَذَا الْمَعْنى غير صَحِيح هُنَا بِدَلِيل مَا قبله وَهُوَ:

لعمرك إِنَّنِي وَأَبا رياحٍعلى حَال التكاشر مُنْذُ حِين
ليبغضني وأبغضه وَأَيْضًايراني دونه واراه دوني
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «لعمرك إنني وأبا رياح»

فَلَو أَنا على جحرٍ ذبحنا............. الْبَيْت هَكَذَا روى الأبيات الثَّلَاثَة ابْن دُرَيْد فِي كِتَابه الْمُجْتَبى عَن عبد الرَّحْمَن عَن عَمه الْأَصْمَعِي ونسبها لعَلي بن بدال بن سليم. والتكاشر: المباسطة من الكشر وَهُوَ التبسم. وروى ابْن دُرَيْد بدله فِي الجمهرة: على طول التجاور. وعَلى بِمَعْنى مَعَ.

وَقد أَدخل هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة صَاحب الحماسة البصرية فِي قصيدة المثقب الْعَبْدي.

وَأنْشد بعْدهَا:

فإمَّا أَن تكون أخي بصدقٍفأعرف مِنْك غثي من سميني
وَإِلَّا فاطر حني واتخذنيعدوا أتقيك وتتقيني

وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده والعيني أَيْضا فِي شرح شَوَاهِد شُرُوح الألفية وَلم يوردها أحد فِي هَذِه القصيدة.

وَقد رجعت إِلَى ديوانه فَلم أَجدهَا فِي هَذِه القصيدة. وَرَوَاهَا الْمفضل فِي المفضليات عَارِية عَنْهَا وَلم يُنَبه عَلَيْهَا أحد من شراحهم كَابْن الْأَنْبَارِي وَغَيره.

وَقَالَ ابْن المستوفي: رَأَيْت هَذِه الأبيات فِي كتاب نحوٍ قديم منسوبةً للفرزدق. ووجدتها أَيْضا فِي نُسْخَة قديمَة ذكر كاتبها أَنَّهَا زيادات الحماسة كتبهَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحسن فِي ربيع الآخر سنة ثَمَان وَتِسْعين وثلثمائة ونسبها لمرداس بن عمرٍ و. وَقَالَ: وتروى للأخطل.

ووجدتها فِي نَوَادِر اللحياني أبي الْحسن عَليّ بن حَازِم قد أنشدها لأوس. انْتهى كَلَام ابْن المستوفي.

وَابْن دُرَيْد هُوَ الْمرجع فِي هَذَا الْأَمر فَيَنْبَغِي أَن يُؤْخَذ بقوله. وَالله أعلم. وعَليّ بن بدال بِفَتْح الْمُوَحدَة وَتَشْديد الدَّال وَآخره لَام.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»