من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الطَّوِيل يرى كل من فِيهَا وحاشاك فانيا
وَهَذَا عجز وصدره: وتحتقر الدُّنْيَا احتقار مجرب وَالْبَيْت فِيهِ من أَنْوَاع البديع التَّكْمِيل وَهُوَ أَن يَأْتِي الشَّاعِر أَو الْمُتَكَلّم بِمَعْنى من مَعَاني الْمَدْح أَو غَيره من فنون الشّعْر وأغراضه ثمَّ يرى مدحه بالاقتصار على ذَلِك الْمَعْنى فَقَط غير كَامِل فيكمل بِمَعْنى آخر كمن أَرَادَ مدح إِنْسَان بالشجاعة وَرَأى مدحه بالاقتصار عَلَيْهَا دون الْكَرم مثلا غير كَامِل فيكمله بِذكر الْكَرم أَو بالبأس دون الْحلم وَمَا أشبهه.
قَالَ ابْن أبي الإصبع فِي تَحْرِير التحبير: وَمِمَّا وهم فِيهِ المؤلفون فِي هَذَا الْموضع أَنهم خلطوا التَّكْمِيل بالتتميم إِذْ ساقوا فِي بَاب التتميم شَوَاهِد التَّكْمِيل لأَنهم ذكرُوا قَول عَوْف:
إِن الثَّمَانِينَ وبلغتهاقد أحوجت سَمْعِي إِلَى ترجمان
من شَوَاهِد التتميم.
وَمعنى الْبَيْت تَامّ بِدُونِ لَفْظَة وبلغتها. وَإِذا لم يكن الْمَعْنى نَاقِصا فيكف يُسمى هَذَا تتميماً وَإِنَّمَا هُوَ تَكْمِيل. وَمَا غلطهم إِلَّا من كَونهم لم يفرقُوا بَين تتميم الْأَلْفَاظ وتتميم الْمعَانِي.
وَكَذَلِكَ أَتَوا بقول المتنبي:)
وتحتقر الدُّنْيَا احتقار مجرب الْبَيْت فِي بَاب التتميم وَهُوَ مثل الأول وَإِن زَاد على الأول أدنى زِيَادَة لما فِي لَفْظَة حاشاك بعد ذكر الفناء من حسن الْأَدَب مَعَ الممدوح. وَرُبمَا سومح بِأَن يَجْعَل هَذَا الْبَيْت فِي شَوَاهِد التتميم بِهَذِهِ اللَّفْظَة. وَأما الأول فمحض التَّكْمِيل وَلَا مدْخل
لَهُ فِي التتميم. اه.
وَقد ذكر التتميم فِي أول كِتَابه وَقَالَ: سَمَّاهُ ابْن المعتز اعْتِرَاض كَلَام فِي كَلَام لم يتم مَعْنَاهُ ثمَّ يعود الْمُتَكَلّم فيتمه. وَشرح حَده: أَنه الْكَلِمَة الَّتِي إِذا طرحت من الْكَلَام نقص حسن مَعْنَاهُ أَو مبالغته مَعَ أَن لَفظه يُوهم بِأَنَّهُ تَامّ. ومجيئه على وَجْهَيْن: للْمُبَالَغَة وَالِاحْتِيَاط. وَيَجِيء فِي المقاطع كَمَا يَجِيء فِي الحشو. هَذَا كَلَامه.
وَلَا يخفى أَن هَذَا الْحَد منطبق على الْبَيْت.
وَأما أَنا فالبيت عِنْدِي من الاحتراس وَهُوَ أَن يَأْتِي الْمُتَكَلّم بِمَعْنى يتَوَجَّه عَلَيْهِ دخل فيفطن لَهُ فَيَأْتِي بِمَا يلخصه من ذَلِك.
قَالَ ابْن أبي الإصبع: وَالْفرق بَين الثَّلَاثَة أَن الْمَعْنى قبل التَّكْمِيل صَحِيح تَامّ ثمَّ يَأْتِي التَّكْمِيل زِيَادَة يكمل بهَا حَسَنَة إِمَّا بفن زَائِد أَو بِمَعْنى.
والتتميم يَأْتِي ليتمم نقص الْمَعْنى. والاحتراس لاحْتِمَال دخل على الْمَعْنى وَإِن كَانَ تَاما كَامِلا.
وَالْبَيْت من قصيدة للمتنبي مدح بهَا كافوراً الإخشيدي
وَقد تهب الْجَيْش الَّذِي جَاءَ غازيالسائلك الْفَرد الَّذِي جَاءَ عافيا
يَقُول: إِذا غزاك جَيش أَخَذته فَوَهَبته لسائل وَاحِد أَتَاك يَسْأَلك.
وَقَوله: وتحتقر الدُّنْيَا... إِلَخ هُوَ بِالْخِطَابِ. وَجُمْلَة: يرى... إِلَخ صفة لمجرب.
يَقُول: أَنْت تحتقر الدُّنْيَا احتقار من جربها فعرفها وَعلم أَن جَمِيع مَا فِيهَا يفنى وَلَا يبْقى أَي: فَلذَلِك تهبها وَلَا تدخرها.
وَقَوله: وحاشاك اسْتثِْنَاء مِمَّا يفنى. وَذكر هَذَا الِاسْتِثْنَاء تحسيناً للْكَلَام واستعمالاً
للأدب فِي مُخَاطبَة الْمُلُوك وَهُوَ حسن الْموقع.
وترجمه المتنبي تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع