تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد التِّسْعُونَ بعد الستمائة

فيه ٨ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وللخيل أَيَّام فَمن يصطبر لَهَاوَيعرف لَهَا أَيَّامهَا الْخَيْر تعقب
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»

على أَن الْخَيْر مفعول مقدم لتعقب وَتعقب مجزوم جَوَاب الشَّرْط وَإِنَّمَا كسرت الْبَاء لِأَن القصيدة مجرورة.

وَإِنَّمَا جَازَ الْكسر فِي المجزوم دون الْمَرْفُوع والمنصوب لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الْجَزْم فِي الْأَفْعَال نَظِير الْجَرّ فِي الْأَسْمَاء فَلَمَّا وَجب تحريكه للقافية حركوه بحركة النظير.

وَالثَّانِي: أَن الرّفْع وَالنّصب يدخلَانِ هَذَا الْفِعْل وَلَا يدْخل الْجَرّ فَلَو حركوه بِالضَّمِّ أَو الْفَتْح لالتبس حَرَكَة الْإِعْرَاب بحركة الْبناء بِخِلَاف الْكسر فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لبس.

قَالَ يَعْقُوب بن السّكيت فِي شرح ديوَان طفيل: أَرَادَ تعقبه الْخَيل الْخَيْر فَقدم وَأخر. اه.

وَأجَاب الدماميني عَن الْكُوفِيّين بِأَن الْخَيْر صفة أَيَّامهَا أَي: أَيَّامهَا الطّيبَة فَلَا فصل لِأَنَّهُ لَيْسَ بمفعول للجزاء فَجزم تعقب لعدم الْفَصْل.

وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْأَيَّام هُنَا عبارَة عَن الشدائد الْمُتَعَلّقَة برياضة الْخَيل ومقاساة أهوالها فَلَا طيب بالشدائد على النَّفس والقرينة اسْتِعْمَال الصَّبْر.

ثَانِيهمَا: أَن تعقب فعل مُتَعَدٍّ فَلَا بُد لَهُ من مفعول وَلَيْسَ هُنَا منزلا منزلَة الْفِعْل اللَّازِم. فَإِذا كَانَ الْخَيْر صفة أَيَّامهَا لَا يعلم مَا الَّذِي تعقبه الْخَيل.

وَيشْهد لما قُلْنَا مَا أنْشدهُ ابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَهُوَ قَول الشَّاعِر: وكل مفداة العلالة صلدم قَالَ: أَي: أعقبهم خيلهم هَذِه خيرا مِمَّا قَامُوا عَلَيْهَا وصنعوها. والأهوج: الَّذِي يركب رَأسه.

والمهرج بِكَسْر الْمِيم: الْكثير الجري.

وَقَوله: مفداة العلالة يُقَال لَهَا إِذا طلب علالتها وَهِي بَقِيَّة جريها: ويهاً فداً لَك وَمثله قَول طفيل: وللخيل أَيَّام الْبَيْت)

وَالْعرب لِكَثْرَة انتفاعها بِالْخَيْلِ تسميها الْخَيْر قَالَ الله تَعَالَى: إِنِّي أَحْبَبْت حب الْخَيْر عَن ذكر رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب. ذكرُوا أَنه لَهَا بِالْخَيْلِ وبالنظر إِلَيْهَا حَتَّى فَاتَتْهُ صَلَاة الْعَصْر.

وَقَالَ أَبُو مَيْمُون الْعجلِيّ: الزّجر وَالْخَيْل والخيرات كالقرينين وَقَوله: وللخيل أَيَّام مُبْتَدأ وَخير وَقَوله: وَيعرف لَا مَعْطُوف على يصطبر وَلِهَذَا جزم. وَتعقب أَي: تحدث الْخَيْر فِي الْعَاقِبَة. والماضي أعقب بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ لمفعولين كَمَا فهم من ابْن السّكيت.

وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة عدتهَا سِتَّة وَسَبْعُونَ بَيْتا قَالَهَا فِي غَارة أغارها على طَيئ أَكْثَرهَا فِي وصف الْخَيل.

وَبعده:

وَقد كَانَ حيانا عدوين فِي الَّذِيخلا فعلى مَا كَانَ فِي الدَّهْر فارتبي
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «بالعفر دار من جميلة هيجت»
إِلَى الْيَوْم لم تحدث إِلَيْكُم وَسِيلَةوَلم تجدوها عندنَا فِي التنسب
جزيناهم أمس الْعَظِيمَة إننامَتى مَا تكن منا الوسيقة نطلب

قَالَ ابْن السّكيت: قَوْله: فارتبي يُرِيد: فاثبتي أيتها الْعَدَاوَة.

وَقَوله: إِلَى الْيَوْم... إِلَخ يَقُول: لم تكن بَيْننَا مَوَدَّة وَلَا نسب فيستعطف بِهِ. والوسيقة: الطريدة. والعظيمة: الفظيعة.

وطفيل الغنوي شَاعِر جاهلي وَهُوَ طفيل بن عَوْف بن خلف بن ضبيس ابْن مَالك بن سعد بن عَوْف بن كَعْب بن جلان بِكَسْر الْجِيم وَتَشْديد اللَّام ابْن

غنم بِفَتْح فَسُكُون ابْن غَنِي بن أعصر. كَذَا فِي الجمهرة.

قَالَ الصولي فِي كتاب الْكتاب فِي خلال وصف الحبر: وَسموا طفيلاً الغنوي محبراً لتحسينه شعره.

وَقيل سمي بذلك لقَوْله يصف بردا:

سماوته أسمال برد محبروسائره من أتحمى معصب

وسماوة الْبَيْت: سقفه. والأتحمي: ضرب من البرود. اه.

وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: كَانَ طفيل الغنوي من أوصف الْعَرَب للخيل فَقَالَ عبد الْملك:)

من أَرَادَ ركُوب الْخَيل فليرو شعر طفيل. وَقَالَ مُعَاوِيَة: دعوا لي طفيلاً وَسَائِر الشُّعَرَاء لكم.

اه.

وَقَالَ الْأَصْمَعِي: كَانَ طفيل أحد نعات الْخَيل وَكَانَ أكبر من النابغتين وَلَيْسَ فِي قيس فَحل أقدم وَقد أورد الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف أَرْبَعَة شعراء كل مِنْهُم اسْمه طفيل أحدهم هَذَا.

وَأنْشد بعده:

يَا أَقرع بن حَابِس يَا أَقرعإِنَّك إِن يصرع أَخُوك تصرع
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة

على أَن الْكُوفِيّين استدلوا بِهِ على أَن رُتْبَة الْجَزَاء التَّقْدِيم فَرفع تصرع مُرَاعَاة لأصله وَلَو كَانَ رتبته التَّأْخِير لجزم.

وَأجَاب الشَّارِح عَنهُ بِأَنَّهُ ضَرُورَة كَمَا بَينه.

وَهَذَا مَأْخُوذ من كَلَام سِيبَوَيْهٍ وَهَذَا نَصه: وَقد تَقول: إِن أتيتني آتِيك أَي: آتِيك إِن أتيتني.

قَالَ زُهَيْر:

وَإِن أَتَاهُ خَلِيل يَوْم مَسْأَلَةيَقُول لَا غَائِب مَا لي وَلَا حرم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «قف بالديار التي لم يعفها القدم»

وَلَا يحسن إِن تَأتِينِي آتِيك من قبل أَن إِن هِيَ العاملة. وَقد جَاءَ فِي الشّعْر قَالَ جرير بن عبد الله البَجلِيّ:

(يَا أَقرع بن حَابِس يَا أَقرع... إِنَّك إِن يصرع أَخُوك تصرع )

أَي: إِنَّك تصرع إِن يصرع أَخُوك.

وَمثل ذَلِك قَوْله: أَي: والمرء ذِئْب إِن يلق الرشا. قَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ قديم أنشدنيه أَبُو عَمْرو.

وَقَالَ ذُو الرمة:

وَإِنِّي مَتى أشرف على الْجَانِب الَّذِيبِهِ أَنْت من بَين الجوانب نَاظر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لمية أطلال بحزوى دوائر»

أَي: إِنِّي نَاظر مَتى أشرف. فَجَاز هَذَا فِي الشّعْر وشبهوه بالجزاء إِذا كَانَ جَوَابه منجزماً لِأَن الْمَعْنى وَاحِد كَمَا شبه الله يشكرها جعله بِمَنْزِلَة يشكرها الله.

وكما قَالُوا فِي اضطرار: إِن تأتني أَنا صَاحبك تُرِيدُ معنى الْفَاء فتشبهه بِبَعْض مَا يجوز فِي الْكَلَام حذفه وَأَنت تعنيه.

وَقد يُقَال: إِن أتيتني آتِك وَإِن لم تأتني أجزك لِأَن هَذَا فِي مَوضِع الْفِعْل المجزوم وَكَأَنَّهُ قَالَ: إِن)

تفعل أفعل. وَتقول: إِن تأتني فأكرمك أَي: فَأَنا أكرمك فَلَا بُد من رفع فأكرمك إِذا سكت عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جَوَاب. وَإِنَّمَا ارْتَفع لِأَنَّهُ مَبْنِيّ على مُبْتَدأ. انْتهى كَلَام سِيبَوَيْهٍ.

فتخريج الشَّارِح الْمُحَقق فِي الْبَيْت خلاف مَا خرجه سِيبَوَيْهٍ فَإِن الشَّارِح جعل تصرع جَوَاب الشَّرْط مَعَ مُبْتَدأ مَحْذُوف مَعَ الْفَاء الرابطة وَالتَّقْدِير: فَأَنت تصرع وَالْجُمْلَة الشّرطِيَّة خير إِن.

وسيبويه جعل تصرع خير إِن وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ مَا قبله.

وَالرجز لعَمْرو بن الخثارم وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الْحَادِي والثمانين بعد الْخَمْسمِائَةِ.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»