من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَهُوَ من شَوَاهِد س: أتغضب إِن أذنا قُتَيْبَة حزتا على أَنه قد يسْتَعْمل الْمَاضِي فِي الشَّرْط مُتَحَقق الْوُقُوع وَإِن كَانَ بِغَيْر لفظ كَانَ لكنه قَلِيل.
وَهُوَ هُنَا مَحْذُوف مُفَسّر بِالْفِعْلِ الْمَذْكُور وَالتَّقْدِير: إِن حزت أذنا قُتَيْبَة. فحز أُذُنَيْهِ قد وَقع فِيمَا مضى من الزَّمَان وَتحقّق مَعْنَاهُ.
وَقدر المُصَنّف فِي شرح الْمفصل بِمَا نَقله الشَّارِح عَنهُ ورده. وَيشْهد لما قَالَه الشَّارِح الْمُحَقق مَا نَقله سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل قَالَ: سَأَلت الْخَلِيل ﵀ عَن قَول الفرزدق:
أتغضب إِن أذنا قُتَيْبَة حزتاجهاراً وَلم تغْضب لقتل ابْن خازم
فَقَالَ: لِأَنَّهُ قَبِيح أَن تفصل بَين أَن وَالْفِعْل كَمَا قبح أَن تفصل بَين كي وَالْفِعْل فَلَمَّا قبح ذَلِك وَلم يجز حملوه على إِن لِأَنَّهُ قد يقدم فِيهَا الْأَسْمَاء قبل الْأَفْعَال. اه.
يُرِيد الْخَلِيل أَن إِن فِي الْبَيْت لَا يَصح فتح همزتها للقبح الْمَذْكُور وَإِنَّمَا هِيَ
إِن الْمَكْسُورَة الْهمزَة لجَوَاز الْفَصْل بَينهَا وَبَين الْفِعْل باسم على شريطة التَّفْسِير نَحْو قَوْله تَعَالَى: وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك.
وَفِي الْمسَائِل القصرية لأبي عَليّ: اعْترض أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد على إنشاد هَذَا الْبَيْت بِالْكَسْرِ فَقَالَ: قتل قُتَيْبَة قد مضى وَإِن للجزاء وَالْجَزَاء يكون لما يَأْتِي فَلَا يَسْتَقِيم أَن تَقول: إِن قُمْت قُمْت وَقد مضى قِيَامه.
قَالَ أَبُو عَليّ: إِنَّمَا يُرِيد: أفتغضب كلما وَقع هَذَا الْفِعْل أَي: مثل هَذَا الْفِعْل وَإِن كَانَ التَّأْوِيل على هَذَا صَحَّ الْكسر. اه.)
وَأَرَادَ بِتَقْدِير الْمثل كَون الْفِعْل مُسْتَقْبلا.
وَظَاهر نقل أبي عَليّ أَنه لَا يجوز الْكسر عِنْد الْمبرد وَلَكِن صَرِيح كَلَام ابْن السَّيِّد أَن الْمبرد يجوزه قَالَ فِي شرح كَامِل الْمبرد: وَأَجَازَ أَبُو الْعَبَّاس فتح أَن فِي هَذَا الْبَيْت وَجعلهَا أَن المخففة من الثَّقِيلَة وأضمر اسْمهَا كَأَنَّهُ قَالَ: أَنه أذنا قُتَيْبَة حزنا.
وَمن روى إِن بِكَسْر الْهمزَة وَهُوَ رَأْي سِيبَوَيْهٍ فوجهه أَنه وضع السَّبَب فِي مَوضِع الْمُسَبّب كَأَنَّهُ قَالَ: أتغضب إِن افتخر مفتخر بحزه أُذُنِي قُتَيْبَة كَمَا قَالَ الآخر:
إِن يَقْتُلُوك فَإِن قَتلك لم يكنعاراً عَلَيْك وَرب قتل عَار
الْمَعْنى: إِن افْتَخرُوا بقتلك. فَذكر الْقَتْل الَّذِي هُوَ سَبَب ذَلِك. اه.
وَقد صرفه ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي إِلَى الْمُسْتَقْبل بتأويلين: أَحدهمَا: مَا ذكره ابْن السَّيِّد من إِقَامَة السَّبَب مقَام الْمُسَبّب.
وَالثَّانِي: أَنه على معنى التبين أَي: أتغضب إِن تبين فِي الْمُسْتَقْبل أَن أُذُنِي قُتَيْبَة حزنا فِيمَا مضى.
ثمَّ قَوْله: وَقَالَ الْخَلِيل والمبرد: الصَّوَاب: أَن أذنا بِفَتْح الْهمزَة أَي: لِأَن أذنا هُوَ خلاف مَا نَقله سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل وَخلاف منا نَقله ابْن السَّيِّد عَن الْمبرد. وَذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن أنْ فِي هَذَا الْبَيْت لَيست للشّرط لمضيه وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنى إِذْ.
قَالَ إمَامهمْ فِي سُورَة الزخرف من تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: أفنضرب عَنْكُم الذّكر صفحاً إِن كُنْتُم قَرَأَ الْأَعْمَش بِالْكَسْرِ وَقَرَأَ عَاصِم وَالْحسن بِفَتْح أَن كَأَنَّهُمْ أَرَادوا شَيْئا مَاضِيا.
وَأَنت تَقول فِي الْكَلَام: أأسبك أنْ تحرمني.
وَمثله: لَا يجرمنكم شنآن قوم أَن صدوكم تكسر إنْ وتفتح. وَمثله: فلعلك باخع نَفسك على آثَارهم إنْ لم يُؤمنُوا وأَن لم يُؤمنُوا.
وَالْعرب تنشد قَول الفرزدق: أتجزع إِن أذنا قُتَيْبَة حزتا
وأنشدوني:
وتجزع إِن بَان الخليط الْمُودعوحبل الصَّفَا من عزة المتقطع
وَفِي كل وَاحِد من الْبَيْتَيْنِ مَا فِي صَاحبه من الْكسر وَالْفَتْح. انْتهى كَلَامه.)
وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للفرزدق مدح بهَا سُلَيْمَان بن عبد الْملك وهجا جَرِيرًا.
وَقَبله هَذِه الأبيات:...
فَإِن تَكُ قيس فِي قُتَيْبَة أغضبتفَلَا عطست إِلَّا بأجدع راغم
وَهل كَانَ إِلَّا باهلياً مجدعاًطَغى فسقيناه بكأس ابْن خازم
لقد شهِدت قيس فَمَا كَانَ نصرهاقُتَيْبَة إِلَّا عضها بالأباهم
فَإِن تقعدوا تقعد لئام أَذِلَّةوَإِن عدتم عدنا بأبيض صارم
أتغضب إِن أذنا قُتَيْبَة............... الْبَيْت تذبذب فِي المخلاة تَحت بطونها محذفة الأذناب جلح المقادم
ستعلم أَي الواديين لَهُ ثرىقَدِيما وَأولى بالبحور الخضارم
وَمَا أَنْت من قيس فتنبح دونهَاوَلَا من تَمِيم فِي الرؤوس الأعاظم
قَوْله: فَإِن تَكُ قيس... إِلَخ قيس: أَبُو قَبيلَة وَهُوَ قيس بن عيلان بن مُضر.
وقبيلة باهلة: فَخذ من قيس بن عيلان. وَأَرَادَ الْقَبِيلَة. ولجرير خؤولة فِي قيس. وقتيبة: هُوَ ابْن مُسلم الْبَاهِلِيّ وَسَتَأْتِي حكايته. وأغضبت: بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول.
وَقَوله: فَلَا عطست... إِلَخ جملَة دعائية: وَقعت جَزَاء للشّرط فَلِذَا قرنت بِالْفَاءِ. وأجدع: صفة مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: أنف أجدع أَي: مَقْطُوع.
والراغم: الذَّلِيل أَو الكاره وَهُوَ على النِّسْبَة أَي: ذِي الرغام وَهُوَ التُّرَاب يُقَال: أرْغم الله أَنفه أَي: ألصقه بالرغام وَهُوَ التُّرَاب وَهُوَ كِنَايَة عَن الإذلال.
وَقَوله: وَهل كَانَ إِلَّا باهلياً اسْم كَانَ ضمير قُتَيْبَة ومجدعاً يدعى عَلَيْهِ بالجدع وَهُوَ قطع الْأنف. وباهلة: قَبيلَة منحطة بَين الْعَرَب.
وَلذَا قيل:
وَمَا ينفع الأَصْل من هَاشمإِذا كَانَت النَّفس من باهله
رُوِيَ أَن قُتَيْبَة هَذَا مازح أَعْرَابِيًا جَافيا فَقَالَ: أَيَسُرُّك أَن تكون باهلياً فَقَالَ: لَا وَالله. قَالَ: فَتكون باهلياً خَليفَة قَالَ: لَا وَالله وَلَو أَن لي مَا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس قَالَ: فيسرك أَن تكون باهلياً وَتَكون فِي الْجنَّة فَأَطْرَقَ ثمَّ قَالَ: بِشَرْط أَن لَا يعلم أهل الْجنَّة أَنِّي باهلي فَضَحِك من قَوْله.)
وَقَوله: أتغضب إِن أذنا قُتَيْبَة... إِلَخ فَاعل تغْضب ضمير قيس الْمُتَقَدّم وأنث فعله لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقَبِيلَة. والاستفهام للتعجب والتوبيخ. وَيجوز أَن يكون فَاعله مستتراً فِيهِ تَقْدِيره أَنْت وَهُوَ خطاب مَعَ جرير بِدَلِيل مَا بعده من الْبَيْتَيْنِ.
والحز بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُشَدّدَة: الْقطع. وحز الْأُذُنَيْنِ كِنَايَة عَن الْقَتْل لِأَن الْقَتِيل قد تقطع أُذُنه للتشويه.
وجهاراً أَي: حزاً جهاراً أَو غَضبا جهاراً. وَابْن خازم: بِالْخَاءِ والزاء المعجمتين.
يُرِيد أَن قيسا غضِبت من أَمر يسير وَلم تغْضب لأمر عَظِيم. وَقد أنكر هَذَا مِنْهَا على سَبِيل الِاسْتِهْزَاء.
وَأما قُتَيْبَة بِالتَّصْغِيرِ فَهُوَ قُتَيْبَة بن مُسلم بن عَمْرو بن حُصَيْن بن ربيعَة بن خَالِد ابْن أسيد الْخَيْر بن كَعْب بن قضاعي بن هِلَال الْبَاهِلِيّ.
نَشأ فِي الدولة المروانية وترقى وَتَوَلَّى الْإِمَارَة وَفتح الفتوحات الْعَظِيمَة وَعبر مَا وَرَاء النَّهر مرَارًا وأبلى فِي الْكفَّار. وَكَانَ شجاعاً جواداً دمث الْأَخْلَاق ذَا رَأْي افْتتح بُخَارى.
وخوارزم وسمرقند وفرغانة وَالتّرْك. وَولي خُرَاسَان ثَلَاث عشرَة سنة.
وَهَذَا خير مَقْتَله من تَارِيخ النويري قَالَ: قتل قُتَيْبَة بن مُسلم الْبَاهِلِيّ فِي سنة سِتّ وَتِسْعين فِي خُرَاسَان. وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَنه أجَاب الْوَلِيد إِلَى خلع سُلَيْمَان فَلَمَّا أفضت الْخلَافَة إِلَى سُلَيْمَان خشِي قُتَيْبَة أَن سُلَيْمَان يسْتَعْمل يزِيد بن الْمُهلب على خُرَاسَان فَكتب قُتَيْبَة إِلَى سُلَيْمَان كتابا يهنئه بالخلافة وَيذكر بلاءه وطاعته لعبد الْملك والوليد وَأَنه لَهُ على مثل ذَلِك إِن لم يعزله عَن خُرَاسَان.
وَكتب إِلَيْهِ كتابا آخر يُعلمهُ فِيهِ بفتوحه ونكايته وعظيم قدره عِنْد مُلُوك الْعَجم وهيبته فِي صُدُورهمْ ويذم آل الْمُهلب وَيحلف بِاللَّه: لَو اسْتعْمل يزِيد على خُرَاسَان ليخلعنه.
وَكتب كتابا ثَالِثا فِيهِ خلعه. وَبعث الْكتب مَعَ رجل من باهلة وَقَالَ لَهُ: ادْفَعْ الْكتاب الأول إِلَيْهِ فَإِن كَانَ يزِيد حَاضرا فقرأه ثمَّ أَلْقَاهُ إِلَيْهِ. فادفع إِلَيْهِ الثَّانِي. فَإِن قَرَأَهُ وَدفعه إِلَيْهِ فادفع إِلَيْهِ الثَّالِث. وَإِن قَرَأَ الأول وَلم يَدْفَعهُ إِلَى يزِيد فاحبس الْكِتَابَيْنِ عَنهُ.
فَقدم رَسُول قُتَيْبَة فَدخل على سُلَيْمَان، وَعِنْده يزِيد بن الْمُهلب، فَدفع إِلَيْهِ الْكتاب الأول، فقرأه، وألقاه إِلَى يزِيد، فَدفع إِلَيْهِ الثَّانِي، فقرأه، وَدفعه إِلَى يزِيد، فَأعْطَاهُ الثَّالِث فقرأه، وتمعر لَونه وختمه، وأمسكه بِيَدِهِ. فَقيل: كَانَ فِيهِ " إِن لم تقرني على مَا أَنا عَلَيْهِ وتؤمنني لأخلعنك، ولأمأنها عَلَيْك خيلاً ورجلاً ". ثمَّ أَمر سُلَيْمَان بإنزال رَسُول قُتَيْبَة، وأحضره لَيْلًا وَأَعْطَاهُ دَنَانِير وعهد قُتَيْبَة على خُرَاسَان، وسير مَعَه رَسُولا. فَلَمَّا كَانَا بحلوان، بلغهما خلع قُتَيْبَة، فَرجع رَسُول سُلَيْمَان. فَلَمَّا خلعه قُتَيْبَة، دَعَا النَّاس إِلَى خلعه، فَلم يجبهُ أحد. فَغَضب وسبهم طَائِفَة طَائِفَة، وقبيلة قَبيلَة، فَغَضب النَّاس واجتمعوا على خلع قُتَيْبَة، وَكَانَ أول من تكلم فِي ذَلِك الأزد، فَأتوا حضين بن الْمُنْذر، فَقَالُوا: إِن هَذَا قد خلع الْخَلِيفَة، وَفِيه فَسَاد الدَّين وَالدُّنْيَا، وَقد شَتمنَا فَمَا ترى؟ فَأَشَارَ أَن يَأْتُوا وَكِيع بن حسان بن قيس الغداني. وغدانة هُوَ ابْن يَرْبُوع بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. وَكَانَ وَكِيع مقدما، لرياسته على بني تَمِيم، وَكَانَ قُتَيْبَة عَزله، فحقد عَلَيْهِ وَكِيع فَلَمَّا أَتَوْهُ وسألوه أَن يَلِي أَمرهم فعل، فَبلغ أمره لقتيبة، فَأرْسل إِلَيْهِ يَدعُوهُ.
أَرْسَالًا، وَاجْتمعَ إِلَى قُتَيْبَة أهل بَيته، وخواص أَصْحَابه، فكبروا وهاجوا، فَقتل عبد الرَّحْمَن أَخُو قُتَيْبَة، وَجَاء الناسحتى بلغُوا فسطاط قُتَيْبَة، فَقطعُوا أطنابه، وجرح قُتَيْبَة جراحات كَثِيرَة.
نزل سعد وشق الْفسْطَاط واحتز رَأس قُتَيْبَة وَقتل مَعَه من أَهله وَإِخْوَته أحد عشر رجلا.
فَأرْسل وَكِيع إِلَى سُلَيْمَان بِرَأْسِهِ ورؤوس أَهله.
وَأما ابْن خازم فَهُوَ عبد الله بن خازم السّلمِيّ. وَيَنْتَهِي نسب سليم إِلَى قيس عيلان. وَهُوَ أحد غربان الْعَرَب فِي الْإِسْلَام. وَكَانَ من أَشْجَع النَّاس وقتلته بَنو تَمِيم بخراسان فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَكَانَ الَّذِي ولي قَتله وَكِيع بن الدورقية القريعي.
وَكَانَ ابْن خازم أَمِير خُرَاسَان من قبل ابْن الزبير وَكَانَ أَولا اسْتَعْملهُ ابْن عَامر على خُرَاسَان فِي أَيَّام عُثْمَان. وَكَانَ أحد الْأَبْطَال الْمَشْهُورين وَقد حضر مَوَاقِف مَشْهُورَة وأبلى فِيهَا.
وَهَذَا خبر مَقْتَله من تَارِيخ النويري قَالَ: وَلما قتل مُصعب بن الزبير كَانَ ابْن خازم يقتل بجير بن وَرْقَاء التَّمِيمِي بنيسابور فَكتب عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى ابْن خازم يَدعُوهُ إِلَى الْبيعَة ويطعمه خُرَاسَان سبع سِنِين فَامْتنعَ وَأطْعم كِتَابه لرَسُوله.
وَكتب عبد الْملك إِلَى بكير بن وساج وَكَانَ خَليفَة ابْن خازم على مرو وتعهده على خُرَاسَان ووعده ومناه فَخلع بكير ابْن خازم ودعا إِلَى عبد الْملك فَأَجَابَهُ أهل مرو.)
وَبلغ ابْن خازم فخاف أَن يَأْتِيهِ بكير فيجتمع عَلَيْهِ أهل مرو وَأهل نيسابور
فَنزل بجيراً وَأَقْبل إِلَى مرو فَاتبعهُ بجير فَلحقه بقرية على ثَمَانِيَة فراسخ من مرو فقاتله فَقتل ابْن خازم وَكَانَ الَّذِي قَتله وَكِيع بن عَمْرو القريعي اعتوره وَكِيع وبجير بن وَرْقَاء وعمار بن عبد الْعَزِيز فطعنوه فصرعوه وَقعد وَكِيع على صَدره فَقتله وَبعث بشيراً بقتْله إِلَى عبد الْملك وَلم يبْعَث بِرَأْسِهِ وَأَقْبل بكير فِي أهل مرو فوافاهم حِين قتل ابْن خازم فَأَرَادَ أَخذ الرَّأْس وإنفاذه إِلَى عبد الْملك فَمَنعه بجير.
كَذَا قَالَ النويري. وَهُوَ خلاف قَول الفرزدق: فَمَا مِنْهُمَا إِلَّا بعثنَا بِرَأْيهِ إِلَى الشَّام............. الْبَيْت وَالله أعلم.
وَكَانَ بَين قتل ابْن خازم وَقتل قُتَيْبَة أَربع وَعِشْرُونَ سنة.
وَقَوله: فَوق الشاحجات يَعْنِي البغال. والرسيم: ضرب من السّير وَإِنَّمَا عَنى هَاهُنَا بغال الْبَرِيد بقوله: محذفة الأذناب جلح القوادم وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.
وَأنْشد بعده:
لم تدر مَا جزع عَلَيْك فتجزع وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الموفي السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
وَقَالَ رائدهم أرسوا نزاولهافَكل حتف امْرِئ يجْرِي بِمِقْدَار
على أَن قَوْله: نزاولها اسْتِئْنَاف وَلِهَذَا وَجب رَفعه.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول: ائْتِنِي آتِك فتجزم على مَا وَصفنَا وَإِن شِئْت رفعت على أَن لَا تَجْعَلهُ مُعَلّقا بِالْأولِ وَلَكِنَّك تبتدئه وَتجْعَل الأول مستغنياً عَنهُ كَأَنَّهُ يَقُول: ائْتِنِي أَنا آتِيك.
وَمثل ذَلِك قَول الأخطل: وَقَالَ رائدهم أرسوا نزاولها الْبَيْت
اه.
وَأَجَازَ الشَّارِح الْمُحَقق كَون نزاولها حَالا.
فَإِن قلت: الْحَال قيد لعاملها فَكيف يكون الإرساء فِي حَال المُزاوَلة والمزاولة إِنَّمَا تكون بعد الإرساء وَهَذَا الْبَيْت أورد فِي علم الْمعَانِي مِثَالا لكَمَال الِانْقِطَاع باخْتلَاف الجملتين خَبرا وإنشاء لفظا وَمعنى وَلِهَذَا لم يتعاطفا. فَإِن أرسوا إنْشَاء لفظا وَمعنى ونزاولها خبر كَذَلِك فَوَجَبَ ترك الْعَطف.
وَلم يَجْعَل نزاولها مَجْزُومًا جَوَابا لِلْأَمْرِ لِأَن الْغَرَض تَعْلِيل الْأَمر بالإرساء بالمزاولة وَالْأَمر فِي الْجَزْم بِالْعَكْسِ أَعنِي يصير الإرساء عِلّة المزاولة كَمَا فِي أسلم تدخل الْجنَّة. كَذَا قَرَّرَهُ التَّفْتَازَانِيّ.
وَبِه يعرف مَا فِي قَول الأعلم وَتَبعهُ ابْن يعِيش: وَلَو أمكنه الْجَزْم على الْجَواب لجَاز من الضعْف.
وَتَبعهُ أَيْضا ابْن المستوفي فَقَالَ: وَيجوز أَن يجْزم إِذا جعلته عِلّة للْأولِ ومحتاجاً إِلَيْهِ.
وَإِنَّا اسْتشْهدُوا بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمكن جزم نزاولها.
والرائد: الَّذِي يتَقَدَّم الْقَوْم ليطلب المَاء والكلأ من الرود وَهُوَ التَّرَدُّد فِي طلب الشَّيْء بِرِفْق.
وأرسوا بِفَتْح الْهمزَة أَمر من الإرساء أَي: أقِيمُوا من أرسيت السَّفِينَة إرساء أَي: حبستها بالمرساة.
وَلم يصب الْعَبَّاس فِي معاهد التَّنْصِيص فِي قَوْله: وَهُوَ من رست السَّفِينَة ترسو رسواً إِذا وقفت على الأنجر مُعرب لنكر وَهُوَ مرساة السَّفِينَة وَهِي خشبات
يفرغ بَينهَا الرصاص الْمُذَاب)
فَتَصِير كصخرة إِذا رست رست السَّفِينَة.
أَو هُوَ من رست أَقْدَامهم فِي الْحَرْب أَي: ثتبت. نزاولها: زاول الشَّيْء أَي: حاوله وعالجه. والحتف: الْهَلَاك.
قَالَ السعد: الضَّمِير فِي نزاولها للحرب أَي:
قَالَ رائد الْقَوْم ومقدمهم: أقِيمُوا نُقَاتِل. فَإِن موت كل نفس يجْرِي بِمِقْدَار الله وَقدره لَا الجبين ينجيه وَلَا الْإِقْدَام يرديه.
وَقيل: الضَّمِير للسفينة وَقيل: للخمر. وَالْوَجْه مَا ذكرنَا. اه.
وَيشْهد لما اخْتَار مَا أوردهُ الْكرْمَانِي فِي الموشح وَتَبعهُ العباسي من بَيت بعده وَهُوَ:
إِمَّا نموت كراماً أَو نفوز بهَالنسلم الدَّهْر من كد وأسفار
وَالْعجب من الْكرْمَانِي فِي قَوْله: وصف الشَّاعِر جمَاعَة اللُّصُوص لما رَأَوْا السَّفِينَة طمعوا فِي أَخذهَا فَأمر سيد الْقَوْم الملاحين بإرساء السَّفِينَة. ويعضد هَذَا الْوَجْه مَا بعده: إِمَّا نموت كراماً.................... الْبَيْت وَقَالَ الأعلم وَتَبعهُ ابْن يعِيش: وصف شرباً قدمُوا أحدهم يرتاد لَهُم حمراً فظفر بهَا فَقَالَ لَهُم: أسوا أَي: انزلوا نشربها. وَمعنى نزاولها: نخاتل صَاحبهَا عَنْهَا.
وَقَوله: فَكل حتف... إِلَخ أَي: لَا بُد من الْمَوْت فَيَنْبَغِي أَن نبادر بإنفاق المَال فِيهَا وَفِي نَحْوهَا إِلَى اللَّذَّات. هَذَا كَلَامه.
وَأنْشد بعده
(الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّانِي بعد السبعمائة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(مَتى
تأته تعشو إِلَى ضوء ناره... تَجِد خطباً جزلاً وَنَارًا تأججا)
على أَن جملَة: تعشو جَاءَت حَالا بعد صَرِيح الشَّرْط وَهُوَ تأته وَصَاحب الْحَال الضَّمِير الْمُخَاطب فِي الشَّرْط.
وَالْمعْنَى: مَتى تأته عاشياً أَي: فِي الظلام.
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَيجوز فِي مثله الْبَدَل. أَرَادَ مَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ وَهَذَا نَصه فِي بَاب مَا يرْتَفع بَين الجزمين ونيجزم بَينهمَا: أما مَا يرْتَفع بَينهمَا فقولك: إِن تأتني تَسْأَلنِي أعطك وَإِن تَسْأَلنِي تمشي أمش مَعَك. وَذَلِكَ لِأَنَّك أردْت ن تَقول إِن تأتني سَائِلًا يكن ذَلِك وَإِن تأتني مَاشِيا فعلت.
وَقَالَ زُهَيْر:
وَمن لَا يزل يستحمل النَّاس نَفسهوَلَا يغنها يَوْمًا من الدَّهْر يسأم
إِنَّمَا أَرَادَ: من لَا يزل مستحملاً يكون من أمره ذَلِك. وَلَو رفع يغنها جَازَ وَكَانَ حسنا كَأَنَّهُ قَالَ: من لَا يزل لَا يُغني نَفسه. وَمِمَّا جَاءَ أَيْضا مرتفعاً قَول الحطيئة:
مَتى تأته تعشو إِلَى ضوء نارهتَجِد حطباً جزلاً وَنَارًا تأججا
وَسَأَلت الْخَلِيل ﵀ عَن قَوْله وَهُوَ عبيد الله بن الْحر:
مَتى تأتنا تلمم بِنَا فِي دِيَارنَاتَجِد حطباً جزلاً وَنَارًا وتأججا
قَالَ: تلمم بدل من الْفِعْل. وَنَظِيره فِي الْأَسْمَاء:
مَرَرْت بِرَجُل عبد الله فَأَرَادَ أَن يُفَسر الْإِتْيَان بالإلمام كَمَا فسر الِاسْم الأول بِالِاسْمِ الآخر.
وَمثل ذَلِك قَوْله أنشدنيهما الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو لبَعض بني أَسد:
إِن يبخلوا أَو يجبنواأَو يغدروا لَا يحفلوا
يغدوا عَلَيْك مرجلين كَأَنَّهُمْ لم يَفْعَلُوا
فَقَوله: يغدوا بدل من لَا يحفلوا. وغدوهم مرجلي يُفَسر أَنهم لم يحفلوا.
وَسَأَلته ﵀: هَل يكون إِن تأتنا تسألنا نعطك فَقَالَ: هَذَا يجوز على غير أَن يكون مثل الأول لِأَن الْفِعْل الآخر تَفْسِير لَهُ وَهُوَ هُوَ. وَالسُّؤَال لَا يكون الْإِتْيَان وَلكنه يجوز الْغَلَط)
وَالنِّسْيَان مِمَّن يتدارك كَلَامه. وَنَظِير ذَلِك فِي الْأَسْمَاء: مَرَرْت بِرَجُل حمَار كَأَنَّهُ نسي ثمَّ وَعلم من هَذَا أَن من أنْشدهُ الشَّارِح مركب من بَيْتَيْنِ سَهوا. فصدره للحطيئة وعجزه لِابْنِ الْحر.
وَرفع يستحمل النَّاس فِي الْبَيْت الأول لِأَنَّهُ خبر زَالَ النَّاقِصَة.
وَقَوله: تلمم بِنَا فِي الْبَيْت الثَّالِث بدل من تأتنا وَتَفْسِير لَهُ لِأَن الْإِلْمَام إتْيَان. وَلَو أمكنه رَفعه على تَقْدِير الْحَال لجَاز.
وَقَوله: يغدوا عَلَيْك فِي الْبَيْت الرَّابِع بدل من قَوْله: لَا يحفلوا لِأَن غدوهم مرجلين دَلِيل على أَنهم لم يحفلوا بقبيح مَا أَتَوْهُ فَهُوَ تَفْسِير لَهُ وتبيين. والترجيل: مشط الشّعْر وتليينه بالدهن. وحفلت بِكَذَا أَي: باليت بِهِ.
وَقَوله: مَتى تأته تعشو... إِلَخ قَالَ المرزوقي فِي شرح الفصيح: يُقَال: عشا يعشو إِذا سَار فِي ظلمَة تسمى عشوة مُثَلّثَة الْعين. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَالَ ابْن يعِيش: يُقَال: عشوته أَي: قصدته فِي الظلام ثمَّ اتَّسع فَقيل لكل قَاصد: عَاشَ.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: قَوْله: تعشو إِلَى ضوء ناره قَالَ الْأَصْمَعِي: تَأتيه على غير هِدَايَة. وَقَالَ غَيره: تَجِيء على غير بصر ثَابت فتهتدي بناره.
وَقَالَ القتبي: يُقَال: عشوت إِلَى نارك أعشو عشواً إِذا قصدنها بلَيْل ثمَّ سمي كل قَاصد قَالَ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن إِذا حصلت الآفة فِي الْبَصَر قيل: عشي كفرح وَإِذا نظر نظر الْعشي وَلَا آفَة بِهِ قيل: عشا يعشو. وَنَظِيره: عرج لمن بِهِ الآفة وعرج لمن مَشى مشْيَة العرجان من غير عرج.
قَالَ الحطيئة:
مَتى تأته تعشو إِلَى ضوء ناره أَي: تنظر إِلَيْهَا نظر الْعشي لما يضعف بَصرك من عظم الْوقُود واتساع الضَّوْء.
وَهُوَ بَين فِي معنى قَول حَاتِم:
أعشو إِذا مَا جارتي برزتحَتَّى يواري جارتي الخدر
اه.
وَقَول الْعَيْنِيّ: تعشو من عشا إِذا أَتَى نَارا يَرْجُو عِنْدهَا خيرا أَو هدى لَيْسَ مَعْنَاهُ مَا ذكره.)
وَكَذَلِكَ قَول ابْن المستوفي: يُقَال: عشا إِلَى النَّار يعشو إِذا اسْتدلَّ عَلَيْهَا ليبصر. ضَعِيف.
قَالَ عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ فِي شرح نقد الشّعْر لقدامة: وَصفه بِأَن ناره موقدة بِاللَّيْلِ وَهَذَا عِنْد الْعَرَب غَايَة الْمَدْح بِالْكَرمِ وقرى الضيفان. ثمَّ دلّ بقوله: تعشو إِلَى ضوء ناره أَن السابلة تستضيء بهَا وتقصد نَحْوهَا. وَهَذَا صفة النَّار إِذا كَانَت على نشز وَلَا يفعل ذَلِك إِلَّا السَّيِّد وَقَوله: تَجِد خير نَار عِنْدهَا خير موقد أَي: مَتى أَتَيْته عاشياً إِلَى ضوء ناره وجدت خير نَار أَي: أَنْفَع نَار للدفء وَالْأكل عِنْدهَا خير موقد يحْتَمل مَعْنيين.
أَحدهمَا: أَن يُرِيد بِمن عِنْدهَا من يوقدها من الغلمان والخول.
وَيُرِيد بقوله: خير موقد كَثْرَة كرمهم واحتفالهم بالوارد عَلَيْهِم وَحسن الْقيام عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ.
وَالثَّانِي: يُرِيد بِهِ الممدوح وَوَصفه بالإيقاد وَإِن كَانَ سيداً لِأَنَّهُ آمُر بِهِ فَكَأَنَّهُ فَاعله. وَيُرِيد بقوله: خير موقد أكْرم موقد وأسخى موقد وَأفضل موقد.
فعلى هَذَا يكون قد وَصفه فِي هَذَا الْبَيْت بجماع الْفَضَائِل. وعَلى التَّأْوِيل الأول إِنَّمَا وَصفه بالسخاء فَقَط لَكِن ذكره أَولا مفصلا وَهنا مُجملا فاعرف ذَلِك. اه.
ويروى أَن هَذَا الْبَيْت لما أنْشد لعمر بن الْخطاب قَالَ: كذب تِلْكَ نَار مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه.
وَالْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة للحطيئة مدح بهَا بغيض بن عَامر بن شماس بن لأي بن أنف النَّاقة
فَمَا زَالَت الوجناء تجْرِي ضفورهاإِلَيْك ابْن شماس تروح وتغتدي
تزور امْرأ يُؤْتِي على الْحَمد مَالهوَمن يُعْط أَثمَان المحامد يحمد
يرى الْبُخْل لَا يبقي على الْمَرْء مَالهوَيعلم أَن الشُّح غير مخلد
كسوب ومتلاف إِذا مَا سَأَلتهتهلل واهتز اهتزاز المهند
مَتى تأته تعشو.................... الْبَيْت
تزور امْرأ إِن يعطك الْيَوْم نائلاًبكفيه لَا يمنعك من نائل الْغَد
هُوَ الْوَاهِب الكوم الصفايا لجارهيروحها العبدان فِي عَازِب ندي
) وَهَذَا آخر القصيدة.
وَقَوله: فَمَا زَالَت الوجناء... إِلَخ النَّاقة الوجناء: الغليظة. وضفورها: أتساعها وَإِنَّمَا تجْرِي لِأَنَّهَا قلقت من الضمر. وَابْن شماس: منادى.
وَقَوله: تززور امْرأ.... إِلَخ قَالَ عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ فِي شرح نقد الشّعْر لقدامة: فِيهِ صنفان من الْمَدْح:
أَحدهمَا: أَنه يُؤْتِي مَاله لاكتسب الْحَمد فخلص بِهِ من رذيلة التبذير الَّذِي هُوَ إِنْفَاق لَا لغَرَض صَحِيح.
وَالثَّانِي: أَنه ينْفق مَاله لطلب الْحَمد لَا لعوض آخر فخلص بِهِ من رذيلة التقتير وَهُوَ أَخذ الْعِوَض المحسوس فِيمَا يُنْفِقهُ فَحِينَئِذٍ تمحض الْوسط للفضيلة.
وَقَوله: وَمن يُعْط... إِلَخ أَتَى بقضية كُلية مَشْهُورَة تَقْتَضِي اسْتِحْقَاقه للحمد.
وَقَوله: يرى الْبُخْل لَا يبقي.... إِلَخ. دلّ بِهِ على أَن كرمه لَيْسَ لمُجَرّد الطَّبْع فَقَط بل عَن فكرة وروية واعتقاد صَحِيح وَنظر فِي العواقب مُسْتَقِيم.
قَالَ أفلاطون فِي هَذَا الْمَعْنى: نعم الْبُخْل لَو كَانَ المَال لَا يُؤْتى عَلَيْهِ إِلَّا من جِهَة الْبَذْل. وَلَكِن لما كَانَ المَال معرضًا للتلف بالحوادث الْخَارِجَة الَّتِي لَا يُمكن الاحتراس مِنْهَا كَانَ إِتْلَافه على يَدي مَالِكه أفضل لِأَنَّهُ يحوز بِهِ الْحَمد.
وَقَوله: كسوب ومتلاف.... إِلَخ قَالَ عبد اللَّطِيف: وَصفه بالشجاعة والسخاء جَمِيعًا.
فبالشجاعة يكْتَسب وبالسخاء يبْذل ويتلف.
وَيجوز أَن يُرِيد بكسوب أَنه يكْتَسب الْحَمد وَبِقَوْلِهِ متلاف الْبَذْل فَلَا يخرج إِذن عَن وَصفه بالسخاء بل يَصح أَن يُقَال إِنَّه وَصفه مَعَ السخاء بِالْعقلِ لِأَن السَّعْي فِي كسب الْحَمد من أَفعَال الْعُقَلَاء.
وَقَوله: إِذا مَا سَأَلته تهلل أَي: استبشر واستنار محياه. وَهَذَا إِنَّمَا يكون عِنْد تناهي الْجُود.
وَقَوله: اهتز اهتزاز المهند وَصفه مَعَ البشاشة بالجمال والشهامة واعتدال الحركات فَإِن اهتزاز المهند مِمَّا يُوصف بِهِ الشهم الشجاع. وَأما اهتزاز الْقَضِيب والغصن الرطيب فمما يُوصف بِهِ النِّسَاء والمترفون.
وَقَوله: هُوَ الْوَاهِب الكوم... إِلَخ الكوم: جمع كوماء وَهِي النَّاقة
الْعَظِيمَة السنام. والصفايا:)
جمع صَفِيَّة وَهِي النَّاقة الغزيرة اللَّبن. والعبدان بِالْكَسْرِ: جمع عبد.
والعازب: النبت الْبعيد عَن النَّاس فَلم يرع فَهُوَ أتم لَهُ. وَهُوَ بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة. وَقد حرف الْعَيْنِيّ هَذِه الْكَلِمَة لفظا وَمعنى فَقَالَ: وَالْغَارِب بالغين الْمُعْجَمَة وَالرَّاء: مَا بَين السنام والعنق.
والحطيئة تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة.
وَأما الْبَيْت الآخر وَهُوَ:
مَتى تأتنا تلمم بِنَا فِي دِيَارنَاتَجِد حطباً جزلاً وَنَارًا تأججا
فَإِن تلمم فِيهِ بدل من تأتنا لِأَن الثَّانِي من جنس الأول فَإِنَّهُ يُقَال: ألم الرجل بالقوم إلماماً: أَتَاهُم فَنزل بهم. وَمِنْه قيل: ألم بِالْمَعْنَى إِذا عرفه وألم بالذنب: فعله. كَذَا فِي الْمِصْبَاح.
كَمَا أَن تعشو من جنس الْإِتْيَان فلولا أَنه فِي شعر لجازم جزمه.
وَيدل عَلَيْهِ كَلَام سِيبَوَيْهٍ الْمُتَقَدّم وَكَلَام الشَّارِح الْمُحَقق فَإِنَّهُ لَو كَانَ مُرَاده بالمثلية فِي قَوْله: وَيجوز فِي مثله الْبَدَل وُقُوع الْمُضَارع بَين الشَّرْط وَالْجَزَاء فَقَط لقَالَ: إِذا كَانَ الثَّانِي من جنس الأول وَلم يقل لِأَن الثَّانِي إِلَخ.
وَكَذَا قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل قَالَ: وَلَو كَانَ تعشو فِي مَوضِع يقوم بِالْجَزْمِ فِيهِ وزن الْفِعْل لجَاز أَن يُبدل من تأته لِأَن مَعْنَاهُمَا وَاحِد لِأَنَّهُ كثر فِي كَلَامهم حَتَّى صَار كل قَاصد عاشياً. والحطب الجزل بِفَتْح الْجِيم: الغليظ مِنْهُ.
يُرِيد أَنهم يوقدون الجزل من الْحَطب لتقوى نارهم فَينْظر إِلَيْهَا الضيوف على بعد ويقصدونها.
والتأجج: توقد النَّار. وتأججا فِي الْبَيْت مَاض وَالْألف للإطلاق وفاعله ضمير النَّار.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي كتاب النَّبَات: النَّار تذكر وَهُوَ قَلِيل وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَيشْهد لَهُ قَول الشمرذل:
أناخوا فصالوا بِالسُّيُوفِ وأوقدوابعلياء نَار الْحَرْب حَتَّى تأججا
وَقَالَ بَعضهم: النَّار مُؤَنّثَة لَا غير وَإِنَّمَا رد الضَّمِير مذكراً لِأَنَّهُ أَرَادَ بهَا الشهَاب وَهُوَ مُذَكّر.
وَقيل: لِأَن تَأْنِيث النَّار غير حَقِيقِيّ فَيكون على طَريقَة:
وَلَا أَرض أبقل وَقيل: الضَّمِير رَاجع للحطب لِأَنَّهُ أهم إِذْ النَّار إِنَّمَا تكون بِهِ. وَقيل: لَيست الْألف للإطلاق)
وَإِنَّمَا هِيَ ضمير الِاثْنَيْنِ: الْحَطب وَالنَّار وَإِنَّمَا ذكر الضَّمِير لتغليب الْحَطب على النَّار.
وَكَذَا فِي قَوْله:
من يأتنا يَوْمًا يقص طريقنايجد حطباً جزلاً وَنَارًا تأججا
قَالَ أَبُو عَليّ: قَالَ أَبُو الْحسن: يَعْنِي النَّار والحطب.
وَقَالَ بَعضهم: تأججا فعل مضارع مَحْذُوف من أَوله التَّاء وَالْألف مبدلة من نون التوكيد الْخَفِيفَة وَالْأَصْل تتأججن فَالضَّمِير الْمُسْتَتر للنار المؤنثة وَلِهَذَا أنث الْفِعْل.
وَالْبَيْت من قصيدة تزيد على ثَلَاثِينَ بَيْتا لِعبيد الله بن الْحر قَالَهَا وَهُوَ فِي حبس مُصعب بن الزبير فِي الْكُوفَة.
وَكَانَ ابْن الْحر لشهامته لَا يُطِيع أحدا فَقَالَ النَّاس لمصعب: إِن عبيد الله بن الْحر كَانَ قد أَبى على الْمُخْتَار غير مرّة وَخَالفهُ وقاتله وَفعل مصل ذَلِك بعبيد الله ابْن زِيَاد من قبل فَلَيْسَ لأحد عَلَيْهِ طَاعَة وَنحن نتخوف أَن يثور فِي السوَاد فيكسر عَلَيْك الْخراج كَمَا كَانَ يفعل وَقد أظهر طرفا من الْخلاف فألطف لَهُ حَتَّى تحبسه.
فَلم يزل مُصعب يتلطف بِهِ ويعده يمنيه الْأَمَانِي حَتَّى أَتَاهُ فَلَمَّا أَتَاهُ أَمر بِهِ فحبس فَقَالَ فِي ذَلِك قصائد وَقَالَ هَذِه القصيدة وَهُوَ فِي السجْن لرجل من أَصْحَابه وَكَانَ حبس مَعَه وَيُقَال لَهُ عَطِيَّة بن عَمْرو الْبكْرِيّ وَذَلِكَ أَن عَطِيَّة جزع فِي السجْن.
ومطلعها:
أَقُول لَهُ صبرا عطي فَإِنَّمَاهُوَ السجْن حَتَّى يَجْعَل الله مخرجا
إِلَى أَن قَالَ:
ومنزلة يَا ابْن الزبير كريهةشددت لَهَا من آخر اللَّيْل أسرجا
لفتيان صدق فَوق جرد كَأَنَّهَاقداح براها الماسخي وسحجا
(إِذا خَرجُوا من غمرة رجعُوا لَهَا... بِأَسْيَافِهِمْ والطعن حَتَّى تفرجا
)
مَتى تأتنا تلمم بِنَا فِي دِيَارنَا............. الْبَيْت وَالْقَصِيدَة بِتَمَامِهَا فِي كتاب اللُّصُوص.
وعطي: منادى مرخم عَطِيَّة. وَالْوَاو فِي قَوْله: ومنزلة وَاو رب. وَابْن الزبير هُنَا مُصعب.
وأسرج: جمع سرج. والجرد: جمع أجرد وَهُوَ الْقصير الشّعْر من الْخَيل.)
والقداح: جمع قدح بِكَسْر الْقَاف فيهمَا وَهُوَ عود السهْم قبل أَن يَجْعَل لَهُ نصل. والماسخي بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: الَّذِي يصنع السِّهَام. وسحجا بتَشْديد الْحَاء الْمُهْملَة وَقبلهَا سين مُهْملَة أَي: نحته والغمرة بِفَتْح الْمُعْجَمَة: الشدَّة. والطعن مَعْطُوف على الأسياف وتفرجا أَصله تتفرجن بنُون توكيد خَفِيفَة فقلبت ألفا وحذفت التَّاء من أَوله وَمَعْنَاهُ تتكشف. والفرجة: الثلمة. وفاعله ضمير الغمرة.
وَقَوله: مَتى تأتنا فَاعله مستتر فِيهِ رَاجع لفتيان. وَكَذَلِكَ الْحَال فِي تلمم وتجد وَلَيْسَت التَّاء فِيهَا للخطاب.
وَرَوَاهُ صَاحب كتاب اللُّصُوص:
(مَتى تأتني فِي منزل قد نزلته... تَجِد حطباً جزلاً... الْبَيْت) وترجمة ابْن الْحر تقدّمت مفصلة فِي الشَّاهِد التَّاسِع بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع