من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْخَامِس وَالتِّسْعُونَ بعد الستمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(على حِين من تلبث عَلَيْهِ ذنُوبه... يجد فقدها إِذْ فِي الْمقَام تدابر )
على أَن جزم أدوات الشَّرْط الْمُضَاف إِلَى جُمْلَتهَا ظرف خَاص بالشعر كَمَا فِي الْبَيْت فَإِنَّهُ جازى بِمن مَعَ إِضَافَة حِين إِلَى جملَة الشَّرْط ضَرُورَة وَحكمهَا أَن لَا تُضَاف إِلَّا إِلَى جملَة خبرية وَجَاز هَذَا فِي الشّعْر تَشْبِيها لجملة الشَّرْط بجملة الِابْتِدَاء وَالْخَبَر وَالْفِعْل وَالْفَاعِل.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد يجوز فِي الشّعْر أَن يجازى بعد هَذِه الْحُرُوف فَتَقول: أَتَذكر إِذْ من يأتنا نأته فَإنَّا أجازوه لِأَن إِذْ لَا تغير مَا دخلت عَلَيْهِ عَن حَاله قبل أَن تَجِيء بهَا وَلَا تغير الْكَلَام كأنا قُلْنَا: من يأتنا نأته كَمَا أَنا إِذا قُلْنَا: إِذْ عبد الله منطلق فكأنا قُلْنَا: عبد الله منطلق لِأَن إِذْ لم تحدث شَيْئا قبل أَن تذكرها.
قَالَ لبيد: على حِين من تلبث عَلَيْهِ............ الْبَيْت وَلَو اضْطر شَاعِر فَقَالَ: أَتَذكر إِذْ إِن تأتنا نأتك جَازَ لَهُ كَمَا جَازَ فِي من. وَتقول: أَتَذكر إِذْ نَحن من يأتنا نأته فَنحْن فصلت بَين إِذْ وَمن.
وَتقول: مَرَرْت بِهِ فَإِذا من يَأْتِيهِ يُعْطِيهِ وَإِن شِئْت جزمت لِأَن الْإِضْمَار يحسن هُنَا.
أَلا ترى أَنَّك تَقول: مَرَرْت بِهِ فَإِذا أجمل النَّاس ومررنا بِهِ فَإِذا أَيّمَا رجل. فَإِذا أردْت الْإِضْمَار فكأنك قلت: فَإِذا هُوَ من يَأْته يُعْطِيهِ فَإِن لم تضمر فَهِيَ بِمَنْزِلَة إِذْ لَا يجوز فِيهَا الْجَزْم.
وَالْبَيْت من قصيدة للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ وَكَانَ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة جَار من بني
الْقَيْن قد لَجأ إِلَيْهِ فَضَربهُ عَمه عَامر بِالسَّيْفِ فَغَضب لذَلِك لبيد وَقَالَ هَذِه القصيدة يعدد على عَمه بلاءه وينكر فعله بجاره.
وَقد تقدم شرح أَبْيَات مِنْهَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث عشر بعد الْخَمْسمِائَةِ.
وَقبل هَذَا الْبَيْت:
ودافعت عَنْك الصَّيْد من آل دارموَمِنْهُم قبيل فِي السرادق فاخر
وذدت معداً والعباد وطيئاًوكلباً كَمَا ذيد الخماس البواكر
)
على حِين من تلبث................. الْبَيْت الصَّيْد: الرؤساء المتكبرون. يُقَال للسَّيِّد المتعاظم أصيد لميله رَأسه من الْكبر وَالْعَظَمَة تَشْبِيها بالجمل الأصيد وَهُوَ الَّذِي بِهِ دَاء يَأْخُذ الْبَعِير فيرم أَنفه فيشمخ ويميل رَأسه لذَلِك الوجع.
والقبيل: الْجَمَاعَة من قوم شَتَّى. والسرادق: مَا يدار حول الْخَيْمَة من شقق بِلَا سقف وَقيل: هُوَ الْفسْطَاط وَقيل: هُوَ كل بَيت من قطن.
وفاخر يُرِيد يفخرون عَلَيْك.
وَقَوله: وذدت معداً... إِلَخ الذود الطَّرْد. ومعد: أَبُو قَبيلَة أَرَادَ من ينْسب إِلَيْهِ من أَوْلَاده.
والعباد: بِالْكَسْرِ: قبائل شَتَّى من بطُون الْعَرَب اجْتَمعُوا على النَّصْرَانِيَّة بِالْحيرَةِ وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم عبَادي.
وطيئ بِهَمْزَة الآخر على وزن فيعل هُوَ الْقَبِيلَة الْمَشْهُورَة بِلَا همز. وكلب أَيْضا: قَبيلَة.
والخماس بِالْكَسْرِ: الْإِبِل الَّتِي لَا تشرب أَرْبَعَة أَيَّام. والبواكر: الَّتِي تبكر غَدَاة الْخمس.
وَقَوله: على حِين من تلبث على مُتَعَلقَة بقوله: ذدت وَحين يجوز جرها بالكسرة وَيجوز بناؤها على الفتحة لِأَن الظروف المضافة إِلَى الْجمل يجوز إعرابها وبناؤها على الفتحة.
واللبث: البطء.
والذنُوب بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: هِيَ الدَّلْو الْعَظِيمَة.
قَالُوا: وَلَا تسمى ذنوباً حَتَّى تكون مَمْلُوءَة مَاء. وتذكر وتؤنث. وَقَالَ الزّجاج: مُذَكّر لَا غير. اه.
وَيرد عَلَيْهِ حصره هَذَا الْبَيْت فَإِن الضَّمِير فِي فقدها مؤنث وَهُوَ عَائِد إِلَى الذُّنُوب. والتدابر: التقاطع. وَأَصله أَن يولي كل وَاحِد من المتقاطعين صَاحبه دبره. يَقُول لِعَمِّهِ عِنْد قِيَامه فِي مقَام النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة مَعَ خصومه: أَنا دافعت عَنْك بلساني فِي مجمع.
يَقُول: قُمْت بفخرك وأيامك على حِين من لَا يقوم بحجته. وَهَذَا على الْمثل. يَعْنِي أَنه نَصره فِي وَقت إِن تبطئ فِيهِ الْحجَّة عَن المحتج يهْلك وَلَا يُمكنهُ أَن يتلافى مَا فرط مِنْهُ.
وَقَوله: يجد فقدها مَعْنَاهُ يؤلمه فقدها كَمَا يُقَال: وجد فلَان فقد فلَان إِذا انْقَطع عَنهُ نَفعه فأثر ذَلِك فِي حَاله.
وروى: تداثر بِالْمُثَلثَةِ بدل تدابر بِالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ التزاحم وَالتَّكَاثُر.
)
جعل الْجمع الَّذين عِنْد الْملك بِمَنْزِلَة المزدحمين على المَاء ليسقوا إبلهم. وأصل الدثر المَال الْكثير.
وَأَرَادَ بالْمقَام الْمجْلس الَّذِي جمعهم للخصام.
وَرُوِيَ فِي ديوانه: يجد فقدها وَفِي الذناب تداثر بِالْمُثَلثَةِ. والذناب بِالْكَسْرِ: جمع ذنُوب الْمَذْكُورَة. قَالَ شَارِح ديوانه: يَقُول: ذدت عَنْك فِي ذَلِك الْوَقْت. تلبث: تبطئ. والذنُوب: الدَّلْو. يجد فقدها إِذا لم تخرج إِلَيْهِ. وَإِنَّمَا هَذَا مثل ضربه.
وَفِي الذناب تداثر يَقُول: وَفِي ذَلِك تكاثر. وَإِنَّمَا هَذَا مثل أَرَادَ الألسن الَّتِي كثرت عَلَيْهِ. اه.
وروى سِيبَوَيْهٍ المصراع الثَّانِي كَذَا: يَرث شربه إِذْ فِي الْمقَام تدابر قَالَ الأعلم: وصف مقَاما فاخر فِيهِ غَيره وَكَثُرت الْمُخَاصمَة والمحاجة فِيهِ. وَضرب الذُّنُوب وَهِي الدَّلْو مَمْلُوءَة مَاء مثلا لما نزل بِهِ من الْحجَّة. وَالشرب بِالْكَسْرِ: الْحَظ من المَاء. والريث: وترجمة لبيد تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع