من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْخَامِس بعد السبعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
(يقْرَأن بالسور)
هُوَ قِطْعَة من بَيت وَهُوَ:
تِلْكَ الْحَرَائِر لَا ربات أحمرةسود المحاجر لَا يقْرَأن بالسور
على أَن الْبَاء زَائِدَة فِي الْمَفْعُول بِهِ.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَقيل ضمن يقْرَأن معنى يرقين ويتبركن وَأَنه يُقَال: قَرَأت بالسورة على هَذَا الْمَعْنى وَلَا يُقَال قَرَأَ بكتابك لفَوَات معنى التَّبَرُّك. قَالَه السُّهيْلي.
وَقَالَ أَيْضا فِي أول الْبَاب الثَّامِن: قد يعْطى النَّفْي حكم مَا أشبهه فِي مَعْنَاهُ وَمِنْه إِدْخَال الْبَاء فِي لَا يقْرَأن بالسور لما دخله من معنى لَا يتقربن بِقِرَاءَة السُّور.
وَلِهَذَا قَالَ السُّهيْلي: لَا يجوز أَن تَقول: وصل إِلَيّ كتابك فَقَرَأت بِهِ على حد
قَوْله: لَا يقْرَأن بالسور لِأَنَّهُ عَار عَن معنى التَّقَرُّب. اه.
وَلَا يخفاك أَن مَا نَقله عَن السُّهيْلي فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُخْتَلف وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَن مدَار التَّضْمِين لفظ يجوز أَن يتَعَدَّى بالحرف الْمَذْكُور أَي لفظ كَانَ. وكل من هَذِه الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة يتَعَدَّى بِالْبَاء وَلَكِن كَلَام السُّهيْلي مَبْنِيّ على أَن التَّضْمِين قياسي.
وَالْبَيْت وَقع فِي شعرين: أَحدهمَا: لِلرَّاعِي النميري وَالثَّانِي: لِلْقِتَالِ الْكلابِي.)
أما الأول فَهُوَ من قصيدة أَولهَا:
يَا أهل مَا بَال هَذَا اللَّيْل فِي صفريزْدَاد طولا وَمَا يزْدَاد فِي قصر
فِي إِثْر من قطعت عني قرينتهيَوْم الحدالى بِأَسْبَاب من الْقدر
كَأَنَّمَا شقّ قلبِي يَوْم فارقهمقسمَيْنِ: بَين أخي نجد ومنحدر
هم الْأَحِبَّة أبْكِي الْيَوْم إثرهمقد كنت أطرب إِثْر الجيرة الشّطْر
فَقلت والحرة الرجلاء دونهموبطن لجان لما اعتادني ذكري
صلى على عزة الرَّحْمَن وابنتهاليلى وَصلى على جاراتها الْأُخَر
هن الْحَرَائِر لَا ربات أحمرة................ الْبَيْت قَوْله: فِي صفر هُوَ اسْم الشَّهْر قَالُوا: خصّه لِأَن الْهم فِيهِ أَصَابَهُ.
وَقيل: كَانَ صفر صيفاً وليل الصَّيف قصير فَقَالَ: كَيفَ طَال عَليّ اللَّيْل فِي الصَّيف وَإِنَّمَا ذَلِك لما هُوَ فِيهِ من الْغم فَلذَلِك طَال عَلَيْهِ اللَّيْل. كَذَا قَالَ ابْن المستوفي.
وَقَوله: فِي إِثْر مُتَعَلق بيزداد وَأَرَادَ بِالْقَرِينَةِ: الحبيبة لِأَنَّهَا تشبه الْقَمَر. والحدالى بِفَتْح الْمُهْملَة وَالْقصر: مَوضِع.
والجيرة: جمع جَار بِالْجِيم. والشطر بِضَمَّتَيْنِ: جمع شطير وَهُوَ الْبعيد.
والحرة الرجلاء: مَوضِع فِي ديار جذام الأول بِالْمُهْمَلَةِ وَالثَّانِي بِالْجِيم. ويروى: والحرة السَّوْدَاء.
ولجان بِفَتْح اللَّام وَتَشْديد الْجِيم: وَاد قبل حرَّة بني سليم.
وَقَوله: صلى على عزة... إِلَخ الصَّلَاة: الرَّحْمَة. وَعزة بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُعْجَمَة: محبوبة كثير الشَّاعِر.
وَقَوله: تِلْكَ الْحَرَائِر... إِلَخ الْإِشَارَة بِتِلْكَ إِلَى النِّسَاء الْمَذْكُورَة. وإيثار اسْم الْإِشَارَة لتمييزهن أكمل تَمْيِيز وَكَونه بالبعيد للتعظيم.
وروى: هن الْحَرَائِر. وَتلك مُبْتَدأ والحرائر خَبره وَقَالَ بعض أفاضل الْعَجم: الْحَرَائِر صفته.
وَقَوله: لَا ربات هُوَ الْخَبَر. ويبطله رِوَايَة هن الْحَرَائِر وَهُوَ جمع حرَّة وَمَعْنَاهَا الْكَرِيمَة والأصيلة قَالَ الجواليقي فِي شرح أدب الْكَاتِب: والأحمرة: جمع حمَار بِالْحَاء الْمُهْملَة جمع قلَّة. وَخص الْحمير لِأَنَّهَا رذال المَال وشره يُقَال: شَرّ المَال مَا لَا يزكّى وَلَا يُذكى. اه.
وَكَذَا ضبط هَذِه الْكَلِمَة صَاحب كتاب اللُّصُوص وَابْن المستوفي. وَقد
صحف الدماميني فِي)
الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة هَذِه الْكَلِمَة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَقَالَ: والأحمرة: جمع خمار وَهُوَ مَا تستر بِهِ الْمَرْأَة رَأسهَا.
وَفِي الْقَامُوس: وكل مَا ستر شَيْئا فَهُوَ خمار. هَذَا كَلَامه وَتَبعهُ من بعده.
وَقَوله: سود المحاجر صفة ربات لِأَن إِضَافَة مَا بِمَعْنى اسْم الْفَاعِل المستمر تخفيفية لَا تفِيد تعريفاً كَقَوْلِهِم: نَاقَة عبر الهواجر أَي: عابرة فِيهَا. وَكَذَلِكَ سود المحاجر أَي: مسودة محاجرها وَهُوَ جمع محجر كمجلس ومنبر.
قَالَ الجواليقي: هُوَ من الْوَجْه حَيْثُ يَقع عَلَيْهِ النقاب وَمَا بدا من النقاب أَيْضا. اه. وَأَرَادَ بِهَذَا الْوَصْف الْإِمَاء السود.
قَالَ صَاحب أشعار اللُّصُوص: سود المحاجر من سَواد الْوُجُوه وَخص المحاجر دون الْوَجْه وَالْبدن كُله لِأَنَّهُ أول مَا يرى.
وَمن هَذَا قَول النَّابِغَة:
وَإِنَّمَا أَرَادَ سَواد الْجَسَد كُله.
وَجُمْلَة: لَا يقْرَأن صفة ثَانِيَة لربات.
قَالَ الجواليقي: يَقُول: هن خيرات كريمات يَتلون الْقُرْآن ولسن بإماء سود ذَوَات حمر يسقينها.
اه.
وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل: إِن تِلْكَ الْحَرَائِر لَيست أَرْبَاب أحمرة وَلَا يتسترن بهَا سود المحاجر لهزالها أَو لكبر أسنانها وجاهلات لَا يقْرَأن الْقُرْآن. هَذَا كَلَامه.
وَهَذَا لَا يقْضى مِنْهُ الْعجب.
وَعِنْده أَن أحمرة بِالْمُعْجَمَةِ وَهُوَ تَصْحِيف كَمَا مر.
وترجمة الرَّاعِي تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث والثمانين بعد الْمِائَة.
وَأما الشّعْر الثَّانِي فَهُوَ لِلْقِتَالِ الْكلابِي. قَالَ صَاحب كتاب اللُّصُوص: أخبرنَا أَبُو سعيد حَدثنِي أَبُو زيد حَدثنِي حميد بن مَالك أَنْشدني شَدَّاد بن عقبَة لِلْقِتَالِ فِي ابْنه عبد السَّلَام:
عبد السَّلَام تَأمل هَل ترى ظعناًإِنِّي كَبرت وَأَنت الْيَوْم ذُو بصر
لَا يبعد الله فتياناً أَقُول لَهُمبالأبرق الْفَرد لما فَاتَنِي نَظَرِي
)
صلى على عمْرَة الرَّحْمَن وابنتهاليلى وَصلى على جاراتها الْأُخَر
هن الْحَرَائِر................................ الْبَيْت وَعبد السَّلَام: منادى. وظعن: جمع ظَعِينَة وَهِي الْمَرْأَة فِي الهودج. والأبرق الْفَرد: مَوضِع وَكَذَلِكَ عاسم بالمهملتين وفحلين بإعراب الْمثنى وَذُو بقر: أَسمَاء مَوَاضِع. وَأَرَادَ بِهَذِهِ الظعن نِسَاءَهُ وحريمه.
قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: فحلين بِلَفْظ التَّثْنِيَة: مَوضِع فِي جبل أحد.
وَأنْشد هَذِه الأبيات.
والقتال الْكلابِي اسْمه عبد الله بن مُجيب بن المضرحي بن عَامر بن كَعْب ابْن عبد بن أبي بكر بن كلاب. وَقيل: اسْمه عبَادَة بن الْمُجيب. وَقيل: اسْمه عبيد بن الْمُجيب وكنيته أَبُو الْمسيب. كَذَا فِي كتاب اللُّصُوص.
وَهُوَ شَاعِر إسلامي كَانَ فِي الدولة المروانية فِي عصر الرَّاعِي والفرزدق وَجَرِير ولقب بِالْقِتَالِ لتمرده وفتكه. وَكَانَ شجاعاً شَاعِرًا. وَكَانَ فِي دناءة النَّفس كالحطيئة وَكَانَت عشيرته تبْغضهُ لِكَثْرَة جناياته وَمَا يلْحقهَا من أَذَاهُ وَلَا تَمنعهُ من مَكْرُوه يلْحقهُ.
وَأورد لَهُ صَاحب كتاب اللُّصُوص جنايات كَثِيرَة وَله فِيهَا أشعار.
وَأنْشد بعده: على أَن دون مَعْطُوف على مَحل الْجَار وَالْمَجْرُور أَعنِي من دون وَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِن لم تَجِد دون عدنان والداً وَدون معد.
وَقَوله: فلتزعك بِفَتْح الزَّاي: أَمر من زوعته أزعه وزعاً إِذا كففته.
وَقد تقدم شَرحه مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع