تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

باتت تنوش الْحَوْض نوشاً من علا

فيه ١٠ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَأنْشد بعده:

باتت تنوش الْحَوْض نوشاً من علانوشاً بِهِ تقطع أجواز الفلا

على أَن علا الاسمية لَا تلْزم الْإِضَافَة كَمَا هُنَا بِخِلَاف عَن فَإِنَّهَا تلزمها.

قَالَ أَبُو عَليّ فِي تَذكرته: بجوز أَن يكون علا مَبْنِيا معرفَة وَيجوز أَن يكون معرباً نكرَة. فَإِن كَانَ مَبْنِيا كَانَت الْألف منقلبة عَن الْوَاو لتحركها بالضمة. وَإِن كَانَ معرباً كَانَت منقلبة عَن الْوَاو لتحركها بِالْجَرِّ.

فَإِن قيل: لَا يكون إِلَّا مَبْنِيا لِأَنَّهُ معرفَة لتقدم الْحَوْض وَالْمعْنَى: من علا الْحَوْض. قيل: قد قَالَ الله تَعَالَى: لله الْأَمر من قبل وَمن بعد فهما نكرتان وَإِن كَانَ ذكر الْغَلَبَة قد تقدم وَكَانَ مَعْلُوما إِذْ معنى الْكَلَام من قبل الْغَلَبَة وَمن بعْدهَا. انْتهى.

وعَلى هَذَا يقْرَأ قَول الشَّارِح الْمُحَقق أَي: من فَوق بِضَم الْقَاف وَكسرهَا منونة.

وَقد أخل ابْن جني فِي شرح تصريف الْمَازِني فِي النَّقْل عَن أبي عَليّ فَإِنَّهُ قَالَ: قد كَانَ أَبُو عَليّ يَقُول فِي علا من هَذَا الرجز أَن الْألف فِي علا منقلبة عَن الْوَاو لِأَنَّهُ من عَلَوْت وَأَن الْكَلِمَة فِي)

مَوضِع مَبْنِيّ نَحْو: قبل وَبعد لِأَنَّهُ يُرِيد نوشاً من علاهُ. فَلَمَّا اقتطع الْمُضَاف من الْمُضَاف إِلَيْهِ وَجب بِنَاء الْكَلِمَة على الضَّم نَحْو: قبل وَبعد فَلَمَّا وَقعت الْوَاو مَضْمُومَة وَقبلهَا فَتْحة قلبت ألفا. وَهَذَا مَذْهَب حسن. انْتهى.

فَللَّه در الشَّارِح الْمُحَقق حَيْثُ لم يُقيد. لَكِن أنْشدهُ الشَّارِح فِي أول حُرُوف الْجَرّ على أَن عَلامَة علا فِيهِ مَبْنِيّ على الضَّم لحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ وَإِرَادَة مَعْنَاهُ.

وَأوردهُ ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ على أَنه يُقَال: من علو بِسُكُون اللَّام وَكسر الْوَاو مَعَ التَّنْوِين وعلو بِضَم الْوَاو وعلو بِفَتْحِهَا وَمن علونا بِضَم الْعين وَكسر الْوَاو وَمن عل وَمن عَال وَمن علا. وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ.

وَقَالَ: من قَالَ: من علا جعله مثل قفاً وعال مثل فَاعل وعل مثل عَم وَمن معال مثل مفاعل بِضَم الْمِيم وَمن علو مثل قبل وَبعد وَمن علو مثل لَيْت. انْتهى.

وَتقدم شَرحه بأبسط مِمَّا هُنَا فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالسبْعين بعد السبعمائة.

وَأنْشد بعده يضحكن عَن كَالْبردِ المنهم على أَن الْكَاف يتَعَيَّن اسميتها إِذا انجرت كَمَا هُنَا. فالكاف اسْم بِمَعْنى مثل صفة مَوْصُوف مَحْذُوف أَي: عَن ثغر مثل الْبرد. قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَاخْتلفُوا هَل تكون اسْما فِي الْكَلَام أَو يخْتَص ذَلِك بضرورة الشّعْر فَذهب الْأَخْفَش والفارسي فِي ظَاهر قَوْله وتبعهما ابْن مَالك أَنَّهَا تكون اسْما فِي الْكَلَام وَقد كثر جرها بِالْبَاء وعَلى وَعَن وأضيف إِلَيْهَا وَأسْندَ فاعلة ومبتدأة ومفعولة. لَكِن كل هَذَا فِي الشّعْر. وَذهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى أَن اسْتِعْمَالهَا اسْما إِنَّمَا يجوز فِي ضَرُورَة الشّعْر. انْتهى.

وَمِثَال جرها بِالْبَاء قَول امْرِئ الْقَيْس يصف فرسا:

ورحنا بكابن المَاء يجنب وَسطنَاتصوب فِيهِ الْعين طوراً وترتقي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا انعم صباحا أيها الربع وانطق»

وَابْن المَاء: طَائِر يُقَال لَهُ: الغرنيق شبه الْفرس بِهِ فِي سرعته وسهولة مَشْيه. ويجنب: يُقَاد.

وتصوب: تنحدر. وترتقي: ترْتَفع. يُرِيد أَن عين النَّاظر إِلَيْهِ تصعد فِيهِ النّظر وتصوبه إعجاباً بِهِ. وَمِثَال جرها بعلى قَول ذِي الرمة:

أَبيت على مي كئيباً وبعلهاعلى كالنقا من عالج يتبطح

)

وَمِثَال وُقُوعهَا فاعلة الْبَيْت الْآتِي. وَمِثَال وُقُوعهَا مُبتَدأَة قَول الْكُمَيْت: أَي: علينا مثل النهاء. وَمِثَال وُقُوعهَا مفعولة قَول النَّابِغَة:...

لَا يبرمون إِذا مَا الْأُفق جللهبرد الشتَاء من الإمحال كالأدم
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «لا يبعد الله جيراناً تركتهم»

فالكاف مفعول جلله. وَمِثَال وُقُوعهَا مُضَافا إِلَيْهَا قَوْله:

تيم الْقلب حب كالبدر لَا بلفاق حسنا من تيم الْقلب حبا

وَالْبَيْت الْآتِي وَهُوَ: فصيروا مثل كعصف مَأْكُول وَبَقِي عَلَيْهِ جرها بِالْكَاف وَسَيَأْتِي. وَمِثَال جرها بعن الْبَيْت الشَّاهِد. وَقَبله:

وَلَا تلمني الْيَوْم يَا ابْن عميعِنْد أبي الصَّهْبَاء أقْصَى همي
بيض ثَلَاث كنعاج جميضحكن عَن كَالْبردِ المنهم

تَحت عرانين أنوف شم أَبُو الصَّهْبَاء: كنية رجل. والهم بِالْفَتْح الهمة بِالْكَسْرِ: أول الْعَزْم وَهُوَ الْإِرَادَة وَقد يُطلق على الْعَزْم الْقوي فَيُقَال: لَهُ همة عالية.

قَالَ ابْن فَارس: الْهم: مَا هَمَمْت بِهِ إِذا أردته وَلم تَفْعَلهُ.

وبيض بِالرَّفْع: إِمَّا بدل من أقْصَى همي وَإِمَّا خبر لمبتدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ وَالْجُمْلَة جَوَاب سُؤال مُقَدّر. وَقيل: بيض بِالْجَرِّ بدل من همي

وَلَا وَجه لَهُ. وَقيل بيض ثَلَاث: مُبْتَدأ. وَجُمْلَة يضحكن خَبره وَقيل: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هن بيض وَقيل: مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف أَي: مِنْهُنَّ بيض. ذكر هَذِه الْأَوْجه الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة الْعَيْنِيّ تبعا لصَاحب التخمير. وَالْبيض: الحسان جمع بَيْضَاء وَهِي الْحَسْنَاء. والنعاج: جمع نعجة فِي الْمِصْبَاح: النعجة الْأُنْثَى من الضَّأْن. وَالْعرب تكنى عَن الْمَرْأَة بالنعجة. انْتهى.

وَنقل عَن أبي عبيد أَنه لَا يُقَال لغير بقر الْوَحْش نعاج. وتشبه النِّسَاء بهَا فِي الْعُيُون والأعناق.

والجم بِضَم الْجِيم: جمع جماء وَهِي الَّتِي لَا قرن لَهَا يُقَال: جمت الشَّاة جمماً من بَاب تَعب: إِذا لم يكن لَهَا قرن فالذكر أجم وَالْأُنْثَى جماء وجمعهما جم بِالضَّمِّ. وَفَائِدَة الْوَصْف بجم نفي مَا يكسبهن سماجة.

وَالْبرد: حب الْغَمَام وَهُوَ شَيْء ينزل من السَّحَاب يشبه الْحَصَى وَيُسمى حب المزن أَيْضا.)

والمنهم: الذائب.

قَالَ الْجَوْهَرِي: انهم الْبرد والشحم: ذاب. وهمه: أذابه. شبه ثغر النِّسَاء بالبرد الذائب فِي اللطافة والجلاء. والثغر أَصله المبسم وَيُطلق على الثنايا.

وَقَوله: تَحت العرانين مُتَعَلق بِمَحْذُوف على أَنه صفة ثَانِيَة للبرد. والعرانين: جمع عرنين وَهُوَ مَا والشمم: ارْتِفَاع قَصَبَة الْأنف مَعَ اسْتِوَاء أَعْلَاهُ. فَإِن كَانَ احديداب فَهُوَ القنا وَالْأنف وَالرجل أقنى وَالْأُنْثَى قنواء.

وَهَذَا الرجز للعجاج. وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.

وَأنْشد بعده:

أتنتهون وَلنْ ينْهَى ذَوي شططكالطعن يهْلك فِيهِ الزَّيْت والفتل

على أَنه يتَعَيَّن فِيهِ اسميتها أَيْضا إِذا طلبَهَا عَامل رفع كَمَا هُنَا فَإِنَّهَا اسْم بِمَعْنى مثل وَقعت عاملة لينهى.

وَقَوله: إِذا ارْتَفَعت مَعْطُوف على قَوْله: إِذا انجرت.

وَتقدم كَلَام ابْن السراج فِي تعين اسمية الْكَاف عِنْد الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسبْعين بعد السبعمائة.

وَقد بسط عَلَيْهَا الْكَلَام ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة وَجوز اسميتها فِي الِاخْتِيَار دون الضَّرُورَة بِخِلَاف ابْن عُصْفُور فِي كتاب ابْن الضرائر. وَلَا بَأْس بإيراد كَلَامهمَا. ولنقدم الثَّانِي فَإِنَّهُ أخصر وأجمل قَالَ: وَمِنْه اسْتِعْمَال الْحَرْف اسْما للضَّرُورَة كَقَوْل الْأَعْشَى: أتنتهون الْبَيْت

وَإنَّك لم يفخر عَلَيْك كفاخرضَعِيف وَلم يَغْلِبك مثل مغلب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

فَجعل الْكَاف فاعلة بيفخر. وَالدَّلِيل على أَنَّهَا فاعلة فِي الْبَيْتَيْنِ أَنه لَا بُد للْفِعْل من فَاعل فَلَا يجوز أَن يكون الْفَاعِل محذوفاً وَيكون تَقْدِيره فِي الْبَيْت الأول ناه كالطعن وَفِي الْبَيْت الثَّانِي فاخر كفاخر. لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو بعد الْحَذف أَن يُقَام الْمَجْرُور مقَامه أَو لَا يُقَام. فَإِن لم يقم مقَامه لم يجز ذَلِك لِأَن الْفَاعِل لَا يحذف من غير أَن يُقَام شَيْء مقَامه. وَإِن قدر لزم أَن يكون الْمَجْرُور فَاعِلا وَالْمَجْرُور الَّذِي حرف الْجَرّ فِيهِ غير زَائِد لَا يكون فَاعِلا.

فَلَمَّا تعذر حذف الْفَاعِل على التَّقْدِيرَيْنِ لم يبْق إِلَّا أَن تكون الْكَاف هِيَ الفاعلة عوملت)

مُعَاملَة مثل لِأَن مَعْنَاهَا كمعناه. وَحكم لَهَا بِحكمِهِ بَدَلا من حكمهَا للضَّرُورَة. وَمِمَّا اسْتعْملت أَيْضا الْكَاف فِيهِ اسْما قَول ذِي الرمة: وبعله على كالنقا.

وَقَول امْرِئ الْقَيْس: ورحنا بكابن المَاء وَالدَّلِيل على أَن الْكَاف فيهمَا لَيست بِحرف جر أَن حرف الْجَرّ لَا يدْخل على حرف الْجَرّ إِلَّا أَن يَكُونَا فِي معنى وَاحِد فَيكون أَحدهمَا تَأْكِيدًا للْآخر.

فَإِن قيل: لَعَلَّ الْكَاف حرف جر وَيكون الْمَجْرُور بعلى وَالْبَاء محذوفاً. وَالتَّقْدِير: على كفل كالنقا وبفرس كَابْن المَاء فَالْجَوَاب: أَن ذَلِك لَا يسوغ لِأَنَّك إِن لم تقدر الْمَجْرُور قَائِما مقَام الْمَحْذُوف لزم من ذَلِك أَن يكون الْحَرْف الَّذِي هُوَ الْكَاف مَعَ الِاسْم الْمَجْرُور بِهِ فِي مَوضِع خفض بعلى وَالْبَاء وَذَلِكَ لَا يجوز لِأَن حُرُوف الْجَرّ إِنَّمَا تجر الْأَسْمَاء وَحدهَا فَلَمَّا تعذر أَن تكون الْكَاف حرفا على التَّقْدِيرَيْنِ لم يبْق إِلَّا أَن تكون قد جعلت اسْما. انْتهى.

وَقَالَ ابْن جني: إِن قَالَ قَائِل: هَل يجوز أَن تكون الْكَاف فِي كالطعن حرف جر وَتَكون صفة قَامَت مقَام الْمَوْصُوف.

وَالتَّقْدِير: وَلنْ ينْهَى ذَوي شطط شَيْء كالطعن فَيكون الْفَاعِل الْمَحْذُوف الْمَوْصُوف حذف جَائِزا كَمَا حذف الْمَوْصُوف فِي قَوْله: ودانيةً عَلَيْهِم ظلالها أَي: جنَّة دانية وكقول الآخر:

كَأَنَّك من جمال بني أقيش أَي: جمل من جمال بني أقيش فَالْجَوَاب: أَن حذف الْمَوْصُوف وَإِقَامَة الْوَصْف مقَامه قَبِيح وَفِي بعض الْأَمَاكِن أقبح.

فَأَما دانية فَالْوَجْه أَن يكون حَالا معطوفة على متكئين فَهَذَا لَا ضَرُورَة فِيهِ. وَأما قَوْله: كَأَنَّك من جمال فَإِنَّمَا جَازَ فِي ضَرُورَة الشّعْر.

وَلَو جَازَ لنا أَن نجد من فِي بعض الْمَوَاضِع قد جعلت اسْما لجعلناها هُنَا اسْما وَلم نحمل الْكَلَام على إِقَامَة الصّفة.

فَأَما قَوْله: وَلنْ ينْهَى ذَوي شطط كالطعن فَلَو حَملته على إِقَامَة الصّفة مقَام الْمَوْصُوف لَكَانَ أقبح من تَأَول قَوْله تَعَالَى: ودانية على حذف الْمَوْصُوف لِأَن الْكَاف فِي بَيت الْأَعْشَى هِيَ)

الفاعلة فِي الْمَعْنى ودانية إِنَّمَا هِيَ مفعول وَالْمَفْعُول قد يكون غير اسْم صَرِيح نَحْو: ظَنَنْت زيدا يقوم وَالْفَاعِل لَا يكون إِلَّا اسْما صَرِيحًا مَحْضا.

فَإِن قلت: أَلَسْت تعلم أَن خبر كَأَن يجْرِي مجْرى الْفَاعِل وَقد قَالُوا: كَأَنَّك من جمال بني أقيش وَأَرَادُوا: جمل من جمال بني أقيش فَهَلا أجزت حذف الْفَاعِل وَإِقَامَة الصّفة مقَامه فِي قَول الْأَعْشَى فَالْجَوَاب: أَن بَينهمَا فرقا من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن خبر كَأَن وَإِن شبه بالفاعل فِي ارتفاعه فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَة فَاعِلا وجعلهم خَبَرهَا فعلا يدل على أَنه لَا يبلغ قُوَّة الْفَاعِل. وَالْآخر: أَن قَوْله: كَأَنَّك من جما لبني أقيش اضطررنا فِيهِ إِلَى إِقَامَة الصّفة مقَام الْمَوْصُوف وَبَيت الْأَعْشَى لم نضطر فِيهِ إِلَى ذَلِك لِأَنَّهُ قد قَامَت الدّلَالَة الْبَيِّنَة عندنَا على استعمالهم الْكَاف اسْما فِي نَحْو قَوْله: وبعلها على كالنقا فَهَذَا وَنَحْوه يشْهد بِكَوْن الْكَاف اسْما وَبَيت الْأَعْشَى أَيْضا يشْهد بِمَا قُلْنَا. ولسنا نخالف الشَّائِع المطرد إِلَى ضَرُورَة واستقباح إِلَّا بِأَمْر يَدْعُو إِلَى ذَلِك وَلَا ضَرُورَة هُنَا. فَنحْن على مَا يجب من لُزُوم الظَّاهِر ومخالفنا مُعْتَقد لما لَا قِيَاس يعضده. فقد صَحَّ بِمَا قدمنَا أَن كَاف الْجَرّ تكون مرّة اسْما وَمرَّة حرفا. فَإِذا رَأَيْتهَا فِي مَوضِع تصلح فِيهِ أَن تكون اسْما وَأَن تكون حرفا فجوز فِيهَا الْأَمريْنِ وَذَلِكَ كَقَوْلِك: زيد كعمرو فقد تصلح أَن تكون الْكَاف هُنَا اسْما كَقَوْلِك: زيد مثل عَمْرو وَيجوز أَن تكون حرفا كَقَوْلِك: زيد من الْكِرَام. فَكَمَا أَن من حرف جر وَقع خَبرا عَن الْمُبْتَدَأ كَذَلِك الْكَاف تصلح أَن تكون حرف جر.

فَإِذا قلت: أَنْت كزيد وَجعلت الْكَاف اسْما فَلَا ضمير فِيهَا كَمَا أَنَّك إِذا

قلت: أَنْت مثل زيد فَلَا ضمير فِي مثل كَمَا لَا ضمير فِي الْأَخ وَلَا الابْن إِذا قلت: أَنْت أَخُو زيد وَأَنت ابْن زيد.

هَذَا قَول أَصْحَابنَا وَإِن كَانَ قد أجَاز بعض البغداديين أَن يكون فِي هَذَا النَّحْو الَّذِي هُوَ غير مُشْتَقّ من الْفِعْل ضمير كَمَا يكون فِي الْمُشْتَقّ.

فَإِذا جعلت الْكَاف فِي: أَنْت كزيد حرفا فَفِيهَا ضمير كَمَا تَتَضَمَّن حُرُوف الْجَرّ الضَّمِير إِذا وَاعْلَم أَنه كَمَا جَازَ أَن تجْعَل هَذِه الْكَاف فاعلة فِي بَيت الْأَعْشَى وَغَيره فَكَذَلِك يجوز أَن تجْعَل)

مُبتَدأَة فَنَقُول على هَذَا: كزيد جَاءَنِي وَأَنت تُرِيدُ: مثل زيد جَاءَنِي. فَإِن أدخلت إِن على هَذَا قلت: إِن كبكر غُلَام لمُحَمد فَرفعت الْغُلَام لِأَنَّهُ خبر إِن وَالْكَاف فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهَا اسْم إِن. وَتقول: إِذا جعلت الْكَاف حرفا وخبراً مقدما: إِن كبكر أَخَاك.

وَاعْلَم أَن أَقيس الْوَجْهَيْنِ فِي أَنْت كزيد أَن تكون الْكَاف حرفا جاراً بِمَنْزِلَة الْبَاء وَاللَّام لِأَنَّهَا مَبْنِيَّة مثلهمَا وَلِأَنَّهَا أَيْضا على حرف وَاحِد وَلَا أصل لَهَا فِي الثَّلَاثَة فَهِيَ بالحروف أشبه. وَلِأَن اسْتِعْمَالهَا حرفا أَكثر من اسْتِعْمَالهَا اسْما.

هَذَا كَلَام ابْن جني وَهُوَ صَرِيح فِي جَوَاز اسميتها فِي الاختبار خلاف مَا نقل عَن سِيبَوَيْهٍ.

وَإِلَيْهِ ذهب صَاحب الْكَشَّاف أَيْضا قَالَ فِي: فأنفخ فِيهِ: إِن الضَّمِير للكاف من كَهَيئَةِ الطير أَي: فأنفخ فِي ذَلِك الشَّيْء المماثل فَيصير كَسَائِر الطُّيُور. انْتهى.

وجميعهم امْتَنعُوا فِيمَا ذَكرْنَاهُ من جعل الْكَاف حرفا تكون مَعَ مجرورها صفة لمَحْذُوف لِأَن شَرط جَوَازه أَن يكون بَعْضًا من مجرور بِمن أَو فِي نَحْو: منا ظعن وَمنا أَقَامَ. وَلم يلْتَفت أَبُو عَليّ فِي البغداديات إِلَى هَذَا الشَّرْط وخرجه على حذف

الْفَاعِل الْمَوْصُوف فَقَالَ: وَلَو قَالَ قَائِل إِن الْكَاف بِمَعْنى الْحَرْف الْجَار لم يكن مخطئاً وَيكون التَّقْدِير: وَلنْ ينْهَى ذَوي شطط شَيْء كالطعن وَنَظِيره من التَّنْزِيل: وَمن آيَاته يريكم الْبَرْق تَقْدِيره: وَمن آيَاته أَنه يريكم فِيهَا الْبَرْق فنصب الظّرْف على الاتساع نصب الْمَفْعُول بِهِ كَأَنَّهُ يريكموها الْبَرْق. مثل وَيَوْما شهدناه ثمَّ حذف الضَّمِير. وَنَظِير ذَلِك:...

وَمَا الدَّهْر إِلَّا تارتان فمنهماأَمُوت وَأُخْرَى أَبْتَغِي الْعَيْش أكدح
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

أَي: مِنْهُمَا تَارَة أَمُوت فِيهَا وَأُخْرَى أَبْتَغِي الْعَيْش.

وَمن هَذَا الْبَاب قَول أبي الْحسن: قَوْله تَعَالَى: أَو جاؤوكم حصرت صُدُورهمْ أَي: جاؤوكم قوما حصرت صُدُورهمْ.

فَكَذَلِك قَوْله: وَلنْ ينْهَى ذَوي شطط يحْتَمل أَن يكون على هَذَا الَّذِي وَصفنَا من حذف الْمَوْصُوف وَلَكِن يدل على كَونهَا اسْما فِي الشّعْر قَول الْقَائِل:

فصيروا مثل كعصف مَأْكُول لِأَن الِاسْم لَا يُضَاف إِلَى الْحَرْف. وَكَذَلِكَ: وصاليات ككما يؤثفين)

تدل الْكَاف الأولى على أَن الثَّانِيَة اسْم إِذْ لَا يدْخل حرف خفض على مثله انْتهى كَلَامه.

وَقد رَجَعَ عَنهُ فِي الْمسَائِل البصريات وَهَذَا نَصه: لَا تَخْلُو الْكَاف من أَن تكون اسْما أَو حرفا.

لَا يجوز أَن تكون حرفا لِأَنَّك إِن جَعلتهَا حرفا لزم أَن تجعلها صفة لمَحْذُوف كَأَنَّك قلت: شَيْء كالطعن وَالْفَاعِل لَا يحذف.

أَلا ترى إِلَى أَن قَول من قَالَ: ضَرَبَنِي وَضربت زيدا إِن الْفَاعِل مِنْهُ مَحْذُوف خطأ عندنَا.

وَكَذَلِكَ إِن جعلت الْكَاف حرفا كَانَ وَصفا وَإِذا صَار وَصفا فالموصوف مَحْذُوف.

وَإِذا جعلته وصف مَحْذُوف بَقِي الْفِعْل لبلا فَاعل وَذَلِكَ غير جَائِز عندنَا. فَإِذا كَانَ كَذَلِك جعلت الْكَاف نَفسهَا فاعلة وموضعها رفع كَمَا أَن موضعهَا جر فِي قَوْله: ككما يؤثفين وكما أَن موضعهَا جر فِي قَوْله:

على كالقطا الْجونِي فَإِن قلت: فَهَلا حذفت الْمَجْرُور فِي قَوْله: على كالقطا الْجونِي لِأَنَّهُ لَيْسَ بفاعل قُلْنَا: يفْسد كَمَا يفْسد حذف الْفَاعِل فَإنَّك إِذا حذفته قدرت الْكَاف وَصفا لَهُ وَإِذا كَانَت وَصفا لَهُ كَانَت حرفا وَإِذا كَانَت حرفا أدخلت حرف جر على حرف جر.

وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يجز فَمن ثمَّ لزمك أَن تحكم بِأَن الْكَاف فِي قَوْله: على كالقطا اسْم فِي مَوضِع جر بعلى كَمَا أَنَّهَا اسْم فِي مَوضِع رفع بِأَنَّهَا فاعلة فِي بَيت الْأَعْشَى. انْتهى كَلَامه.

وعَلى هَذَا مَشى فِي التَّذْكِرَة القصرية وَفِي كتاب الشّعْر. وَمن جَمِيعه تعلم أَن اسميتها عِنْده خَاصَّة بالشعر خلافًا لما نقل عَنهُ. وَمعنى الْبَيْت: لَا يمْنَع الجائرين عَن الْجور مثل طعن نَافِذ إِلَى الْجوف يغيب فِيهِ الزَّيْت مَعَ فَتِيلَة الْجراح.

وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالسبْعين بعد السبعمائة.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»