تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الثَّمَانمِائَة

فيه ٦ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

تَمَامه:.............. وتتقي بناظرة من وَحش وجرة مطفل

على أَن تبدي ضمن معنى تكشف فِي تعديته إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي ب عَن وَأما الْمَفْعُول الأول فَهُوَ مَحْذُوف كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّارِح الْمُحَقق.

وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى التَّضْمِين لِأَن تبدي فعل مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ إِلَى مفعول وَاحِد تَقول: أبداه إبداء أَي: أظهره إِظْهَارًا. فلولا التَّضْمِين لكَانَتْ عَن إِمَّا زَائِدَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى تبدي وَإِمَّا بِمَعْنى الْبَاء بِالنِّسْبَةِ إِلَى تصد فَإِنَّهُ يُقَال: صد عَنهُ بِكَذَا وَكِلَاهُمَا خلاف الأَصْل.

وَتكشف أَيْضا مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ إِلَى مفعول وَاحِد تَقول: كشفته أَي: أظهرته وأوضحته. وَحَقِيقَة الْكَشْف رفع السَّاتِر والحجاب. وَيَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُول الثَّانِي ب عَن.

وَهَذَا الْبَيْت من بَاب التَّنَازُع. وأعمل ابْن قُتَيْبَة الأول على مذْهبه فعلق عَن أسيل بتصد وَجعل عَن نائبة عَن الْبَاء لِأَن صد إِنَّمَا يتَعَدَّى بِالْبَاء تَقول: صد بِوَجْهِهِ عني.

وَيرد عَلَيْهِ أَنه يلْزمه أَن يُقَال: تصد وتبدي عَنهُ عَن أسيل لِأَنَّهُ إِذا أعمل الأول فِي الْمَفْعُول أضمر للثَّانِي على الْمُخْتَار بِاتِّفَاق من الْبَصرِيين والكوفيين. فَحذف مَعْمُول الثَّانِي خلاف الْمُخْتَار.

فعلى قَوْله فِيهِ إنابة حرف مَكَان حرف وَحذف على غير الْمُخْتَار.

وَالشَّارِح الْمُحَقق لما رأى وُرُود هذَيْن الْأَمريْنِ عدل إِلَى إِعْمَال الثَّانِي على مَذْهَب الْبَصرِيين بتضمينه معنى مَا ذكر فَفِيهِ مُخَالفَة للْأَصْل من وَجه وَاحِد وَهُوَ أسهل من مُخَالفَته من وَجْهَيْن.

والجيد أَن يكون أبدى هُنَا لَازِما يتَعَدَّى بعن كَمَا قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب إِن أبدى يعدى بعن قَالَ: لِأَنَّك تَقول: أبديت عَن الشَّيْء كَمَا قَالَ سحيم يصف ثوراً يحْفر فِي أصل شَجَرَة كناساً لَهُ:

يثير ويبدي عَن عروق كَأَنَّهَاأَعِنَّة خراز جَدِيدا وباليا
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

وَحِينَئِذٍ لَا تضمين فَيكون عَن على بَابه. وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي أَفعَال ابْن القطاع قَالَ: بدا الشَّيْء بدواً وَأبْدى: ظهر. انْتهى.

فَيكون أبدى جَاءَ مُتَعَدِّيا ولازماً.

وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة امْرِئ الْقَيْس وَبعده:

وجيد كجيد الريم لَيْسَ بفاحشإِذا هِيَ نضته وَلَا بمعطل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

)

وَفرع يزين الْمَتْن أسود فَاحمأثيث كقنو النَّخْلَة المتعثكل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»
غدائره مستشزرات إِلَى الْعلَايضل العقاص فِي مثنى ومرسل
وكشح لطيف كالجديل مخصروسَاق كأنبوب السَّقْي الْمُذَلل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

قَوْله: تصد وتبدي... إِلَخ الصد: الْإِعْرَاض. والأسيل: الخد المتطامن المستوي. والأسالة: وَرُوِيَ أَيْضا: عَن شتيت. قَالَ شرَّاح المعلقات: الشتيت: المتفرق وَتَقْدِيره عَن ثغر شتيت.

وَلم يفصحوا عَن المُرَاد وَالْمعْنَى عَن ثغر مفلج وَهُوَ أَن تكون الْأَسْنَان متباعدة غير متلاصقة.

يُرِيد: تظهر أسنانها بالتبسم بعد أَن تعرض عَنَّا استحياء. والاتقاء: الحجز بَين الشَّيْئَيْنِ يُقَال: اتقيته بترس أَي: صيرت الترس حاجزاً بيني وَبَينه.

قَالَ ابْن السَّيِّد: والناظرة فِيهَا قَولَانِ: قيل: أَرَادَ الْعين وَقيل: أَرَادَ بقرة ناظرة وَفِيه مُضَاف مَحْذُوف أَي: بِعَين بقرة ناظرة فَحذف الْمُضَاف وَأقَام الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه ثمَّ حذفه وَأقَام صفته مقَامه.

وَيجوز أَن يُرِيد: وتتقي من نَفسهَا ببقرة ناظرة فَيكون كَقَوْلِك: لقِيت يزِيد الْأسد أَي: لَقيته فَكَأَنِّي لقِيت الْأسد فَفِي هَذَا الْوَجْه حذف مَوْصُوف لَا غير وَفِي الأول حذف مَوْصُوف ومضاف.

والوحش واحده وَحشِي مثل: زنج وزنجي. وجرة بِفَتْح الْوَاو وَسُكُون الْجِيم قَالَ أَبُو عبيد فِي مُعْجم مَا استعجم: قَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ مَوضِع بَين مَكَّة وَالْبَصْرَة على ثَلَاث مراحل من مَكَّة طولهَا أَرْبَعُونَ ميلًا لَيْسَ فِيهَا منزل فَهِيَ مأوى الوحوش.

وَقَالَ الطوسي: وجرة فِي طرف السي وَهِي فلاة بَين مران وَذَات عرق وَهِي ثَلَاثُونَ ميلًا يجْتَمع وَقَالَ عمَارَة بن عقيل: السي: مَا بَين ذَات عرق إِلَى وجرة على ثَلَاث مراحل من مَكَّة إِلَى الْبَصْرَة.

وَزعم عمَارَة أَن وجرة مَاء لبني سليم على ثَلَاث مراحل من مَكَّة. وَقَالَ ابْن حبيب: وجرة من سَائِر وَسَائِر قريب من عين ملل. وَقَالَ غَيره: وجرة بِإِزَاءِ غمرة عَلَيْهَا طَرِيق حجاج الْكُوفَة وَالْبَصْرَة. انْتهى بِاخْتِصَار.

وَقَالَ ابْن السَّيِّد: وجرة: فلاة تألفها الوحوش وخصها بِالذكر لِأَنَّهَا قَليلَة المَاء فوحشها يجتزئ بالنبات الْأَخْضَر عَن شرب المَاء فتضمر بطونها ويشتد عدوها.)

ومطفل: ذَات طِفْل وَخص المطفل لِأَنَّهَا تحنو على وَلَدهَا وتخشى عَلَيْهِ القناص وَالسِّبَاع فتكثر التلفت والتشوف فَذَلِك أحسن لَهَا فِي المنظر وَأَصَح فِي تَشْبِيه الْمَرْأَة بهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا حذرة من الرقباء فَهِيَ متشوفة كتشوف هَذِه الْبَقَرَة.

وَمن جعل الناظرة الْبَقَرَة كَانَ مطفل صفة لَهَا وَمن جعل الناظرة الْعين جعل مطفلاً بَدَلا من ناظرة على تَقْدِير مُضَاف أَي: وتتقي بناظرة ناظرة مطفل. وَهُوَ بدل كل من كل.

وَذهب ابْن كيسَان إِلَى أَنه أَرَادَ بناظرة مطفل بِالْإِضَافَة فَلَمَّا فصل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ رد التَّنْوِين الَّذِي كَانَ سقط للإضافة كَقَوْلِه: وَهَذَا لقَوْل خطأ لَا يلْتَفت إِلَيْهِ لِأَن الْعَرَب إِذا فصلت بَينهمَا لم تنون.

وَقَوله: من وَحش وجرة صفة لناظرة. فَإِن كَانَت بِمَعْنى الْبَقَرَة فَفِيهِ حذف مَوْصُوف أَي: ببقرة ناظرة كائنة من وَحش وجرة.

وَإِن كَانَت بِمَعْنى الْعين فَفِيهِ مُضَاف مَحْذُوف أَي: من نواظر وَحش وجرة. ومطفل جَاءَ على النّسَب.

وَقَالَ الْفراء: لم يقل مطفلة لِأَن هَذَا لَا يكون إِلَّا للنِّسَاء فَهُوَ مثل حَائِض. وَالدَّلِيل على صِحَة قَول سِيبَوَيْهٍ أَنه يُقَال: مطفلة إِذا أردْت أَن تَأتي بِهِ على أطفلت فَهِيَ مطفلة.

وَلَو كَانَ مَا يَقع للمؤنث لَا يشركهُ فِيهِ الْمُذكر لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْهَاء مَا جَازَ مطفلة. قَالَ تَعَالَى: تذهل كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت.

وَقَالَ الإِمَام الباقلاني فِي إعجاز الْقُرْآن عِنْد معايب هَذِه الْمُعَلقَة: قَوْله: تصد وتبدي عَن أسيل إِنَّمَا يُرِيد خداً لَيْسَ بكز. وَهَذَا متفاوت لِأَن الْكَشْف عَن الْوَجْه مَعَ الْوَصْل دون الصد.

وَقَوله: تتقي بناظرة لَفْظَة مليحة يُقَال: اتَّقَاهُ بِحقِّهِ أَي: جعله بَينه وَبَينه. وَقد أوحشها بقوله: من وَحش وجرة وَكَانَ سَبيله أَن يضيف إِلَى عُيُون الظباء والمها دون إِطْلَاق الْوَحْش فَفِيهِ مَا وَحَاصِل الْمَعْنى: أَنَّهَا تعرض عَنَّا فتظهر فِي إعراضها خدأ أسيلاً وتستقبلنا بِعَين مثل عُيُون ظباء وجرة أَو مهاها الَّتِي لَهَا أَطْفَال. وخصهن لنظرهن إِلَى أَوْلَادهنَّ بالْعَطْف والشفقة. وَهن أحسن عيُونا فِي تِلْكَ الْحَال مِنْهُنَّ فِي سَائِر الْأَحْوَال.

وَقَوله: وجيد كجيد الريم مَعْطُوف على أسيل. والجيد: الْعُنُق. والريم: الظبي الْأَبْيَض. ونضته:)

رفعته ونصبته.

وَقَالَ العسكري فِي التَّصْحِيف: رَوَاهُ الْأَصْمَعِي: نصته بالصَّاد الْمُهْملَة مُشَدّدَة أَي: رفعته وَبِه سمي المنصة. وَرِوَايَة غَيره: نضته بالضاد الْمُعْجَمَة مُخَفّفَة وَمَعْنَاهُ أبرزته وكشفته.

وَفِي بَيته الآخر:

فَجئْت وَقد نضت لنوم ثِيَابهَالَدَى السّتْر إِلَّا لبسة المتفضل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

نضت: خلعت ونزعت. ونضا سَيْفه إِذا سَله من غمده. ونضا خضابه ينضو. انْتهى.

وَقَوله: وَلَا بمعطل أَي: من الْحلِيّ. يُقَال: جيد عطل بِضَمَّتَيْنِ ومعطل أَي: خَال من الْحلِيّ. وَإِذا ظرف لفاحش أَي: لَيْسَ بكريه المنظر.

قَالَ الباقلاني: لَيْسَ بفاحش فِي مدح الْأَعْنَاق كَلَام فَاحش مَوْضُوع وَإِذا نظرت فِي أشعار الْعَرَب رَأَيْت فِي وصف الْأَعْنَاق مَا يشبه السحر.

يَقُول: وتبدي عَن عنق كعنق الظبي غير متجاوز قدره الْمَحْمُود إِذا رفعت عُنُقهَا وَهُوَ غير معطل عَن الْحلِيّ. فَشبه عُنُقهَا بعنق الظبية فِي حَال رَفعهَا عُنُقهَا. وَذكر أَنه لَا يشبه عنق الظبية فِي التعطل عَن الْحلِيّ.

وَقَوله: وَفرع يزين الْمَتْن... إِلَخ هَذَا مَعْطُوف أَيْضا على أسيل. وَالْفرع: الشّعْر التَّام. والمتن والمتنة: مَا عَن يَمِين الصلب وشماله من العصب وَاللَّحم. والفاحم: الشَّديد السوَاد كَأَنَّهُ لون الفحم.

والأثيث: الْكثير النبت. والقنو بِكَسْر الْقَاف وَضمّهَا وَهُوَ العذق بِالْكَسْرِ. والمتعثكل: الَّذِي قد دخل بعضه فِي بعض لكثرته من العثكال والعثكول وَهُوَ الشمراخ. وَقيل المتعثكل: المتدلي.

يَقُول: وتبدي عَن شعر طَوِيل تَامّ يزين ظهرهَا إِذا أَرْسلتهُ عَلَيْهِ.

وَقَوله: غدائره مستشزرات إِلَى الْعلَا الغدائر: الذوائب جمع غديرة. وَالضَّمِير رَاجع للفرع.

قَالَ الزوزني: الاستشزار: الرّفْع والارتفاع جَمِيعًا فَيكون الْفِعْل مِنْهُ تَارَة لَازِما وَتارَة مُتَعَدِّيا.

فَمن روى بِكَسْر الزَّاي جعله من اللَّازِم وَمن روى بِفَتْحِهَا جعله من الْمُتَعَدِّي. وجمله غدائره مستشزرات صفة أُخْرَى لفرع.

قَالَ التبريزي: وأصل الشزر الفتل على غير جِهَة.

وَقَوله: إِلَى الْعلَا يُرِيد بِهِ شدها على الرَّأْس بخيوط. والعقاص: جمع عقيصة وَهُوَ مَا جمع من)

الشّعْر فَفَتَلَ تَحت الذوائب وَهِي مشطة مَعْرُوفَة يرسلون فِيهَا بعض الشّعْر ويثنون بعضه.

فَالَّذِي فتل بعضه على بعض هُوَ الْمثنى.

والمرسل: المسرح غير مفتول فَذَلِك قَوْله فِي مثنى ومرسل. ويروى: يضل العقاص بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّة على أَن العقاص وَاحِد.

قَالَ ابْن كيسَان: هُوَ المدرى فَكَأَنَّهُ يسْتَتر فِي الشّعْر لكثرته. ويروى: تضل المداري أَي: من كَثَافَة شعرهَا. والمدرى مثل الشَّوْكَة يصلح بهَا شعر الْمَرْأَة.

وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ صَاحب تَلْخِيص الْمعَانِي على أَن فِي مستشزرات تنافراً لثقلها على اللِّسَان وعسر النُّطْق بهَا.

وَقَوله: وكشح لطيف... إِلَخ هَذَا أَيْضا مَعْطُوف على أسيل. والكشح: الخصر وَأَرَادَ باللطيف الصَّغِير الْحسن. وَالْعرب إِذا وصفت الشَّيْء بالْحسنِ جعلته لطيفاً. والجديل: زِمَام يتَّخذ من السيور فَيَجِيء حسنا لينًا يتثنى وَهُوَ مُشْتَقّ من الجدل وَهُوَ شدَّة الْخلق.

والمخصر: الدَّقِيق. وسَاق أَيْضا مَعْطُوف على أسيل. والأنبوب: البردي. والسقي: النّخل المسقي. والمذلل فِيهِ أَقْوَال: وَقيل: هُوَ الَّذِي يفيئه أدنى الرِّيَاح لنعومته. وَقيل: الَّذِي قد عطف ثمره ليجتنى.

وَقيل:

المَاء الَّذِي قد خاضه النَّاس. شبه سَاقهَا ببردي قد نبت تَحت نخل فالنخل يظله من الشَّمْس وَذَلِكَ أحسن مَا يكون مِنْهُ.

قَالَ الزوزني: وتبدي عَن كشح ضامر يَحْكِي فِي دقته زماماً من الْأدم وَعَن سَاق يَحْكِي صفاء لون أنابيب بردي بَين نخل قد ذللت بِكَثْرَة الْحمل.

شبه ضمر بَطنهَا بالزمام وَشبه صفاء لون سَاقهَا ببردي بَين نخيل يظله أَغْصَانهَا ليَكُون أصفى لوناً وأنقى رونقاً. وَمِنْهُم من يَجْعَل السَّقْي نعتاً للبردي أَيْضا وَالْمعْنَى كأنبوب البردي المسقي الْمُذَلل بالإرواء.

وترجمة امْرِئ الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ من أَوَائِل الْكتاب.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»