من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد الثَّمَانمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
ورث السِّيَادَة كَابِرًا عَن كَابر على أَن تَقْدِيره: كَابِرًا متجاوزاً فِي الْفضل كَابِرًا عَن كَابر آخر. وَقَالَ بَعضهم: أَي بعد كَابر.
وَالْأولَى إبْقَاء الْحُرُوف على مَعْنَاهَا مَا أمكن. وَذكر متجاوزاً للْإِشَارَة إِلَى أَن عَن مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف لَا بكابر لما يَأْتِي. وَأَشَارَ بِذكر الْفضل إِلَى أَن تجَاوز أَحدهمَا عَن الآخر إِنَّمَا هُوَ بِالْفَضْلِ فأحدهما
أفضل من الآخر وهم متشاركون فِي الْفضل. وَلَا يخفى أَنه لَيْسَ الْمَعْنى على التَّفْضِيل وَإِنَّمَا الْمَعْنى تساويهم فِي الْفَضَائِل وتناسقهم فِيهَا وَاحِدًا بعد وَاحِد كَقَوْل البحتري:
شرف تتَابع كَابِرًا عَن كَابركالرمح أنبوباً على أنبوب
وأماتنا أكْرم بِهن عجائزاًورثن الْعلَا عَن كَابر بعد كَابر
وَأنْشد أَبُو تَمام فِي الحماسة:
بَقِيَّة قدر من قدور تورثتلآل الجلاح كَابِرًا بعد كَابر
وَكَذَا قَول حسان بن ثَابت: ورثت الفعال وبذل التلا د وَالْمجد عَن كَابر كَابر وَالْمعْنَى عَن كَابر بعد كَابر كَقَوْلِهِم: تعلمت الْحساب بَابا بَابا وَمَعْنَاهُ: بَابا بعد بَاب. وَإِلَى مَا)
قُلْنَا ذهب ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة قَالَ عِنْد بَيت الحماسة: هَذَا الْبَيْت يُسْتَفَاد مِنْهُ أَن عَن فِي قَول الْأَعْشَى:
سَاد وألفى قومه سادةًوكابراً سادوك عَن كَابر
لَيست مُتَعَلقَة بِنَفس كَابر على حد قَوْلك: كَبرت عَنهُ أَي: ارْتَفَعت عَنهُ وَإِنَّمَا هِيَ: بِمَعْنى كَابر بعد كَابر.
أَلا ترَاهُ قد ظهر فِي بَيت النَّابِغَة كَابِرًا بعد كَابر. ف عَن فِي قَول الْأَعْشَى كعن فِي قَوْله تَعَالَى: لتركبن طبقًا عَن طبق أَي: بعد طبق. وَهُوَ كَقَوْل الكافة فِي مخاطباتهم: فعلت ذَلِك عوداً عَن بَدْء أَي: بعد بَدْء. وَلَو كَانَت عَن مُتَعَلقَة بِنَفس كَابر لَكَانَ فِي ذَلِك تشنع على الْقَوْم لَا تمدح لَهُم وَذَلِكَ إِذا كبر بَعضهم عَن بعض فَكَانَ ذَلِك غضاً من الْمَفْضُول. وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يُقَال: إِنَّهُم متتابعو الشّرف متشابهو الْفضل. وَهَذَا كَقَوْل الآخر:
من تلق مِنْهُم تقل لاقيت سيدهممثل النُّجُوم الَّتِي يسري بهَا الساري
انْتهى كَلَامه.
وَلَا فرق بَين أَن تعلق عَن بكابر أَو بمتجاوز بَاقِيَة على أَصْلهَا فَإِنَّهُ يلْزم التَّفْضِيل فِي كل مِنْهُمَا.
وكابر اخْتلف فِي مَعْنَاهُ على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه بِمَعْنى كَبِير قَالَه صَاحب الصِّحَاح وَابْن الشجري وَغَيرهمَا وَهُوَ الْمَشْهُور.
ثَانِيهمَا: أَنه اسْم جمع. قَالَ ابْن جني وَمثله للمرزوقي: قَالَ أَبُو عَليّ: كَابر هُنَا لَيْسَ باسم الْفَاعِل كقائم وقاعد لكنه من أَسمَاء الْجمع بِمَنْزِلَة الجامل والباقر والسامر فَكَأَنَّهُ قَالَ: وكبراء سادوك بعد كبراء. فَعَن مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف هُوَ فِي الأَصْل صفة لكبراء مثلهمَا فِي قَوْله:
لآل الجلاح كَابِرًا بعد كَابر أَي: لآل الجلاح مُتَتَابعين فِي الْفضل متشابهين فِي السودد. انْتهى.
ثَالِثهَا: أَنه للمغالبة. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الأساس: إِنَّه من كابرته فكبرته أَي: غلبته فِي الْكبر فَأَنا كَابر. انْتهى.
وكابر مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض وَالتَّقْدِير: من كَابر لِأَن ورث يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد وَهُوَ الْمَوْرُوث مِنْهُ وَتَأْتِي بالموروث بعده بدل اشْتِمَال تَقول: ورثت أبي مَاله ومالاً مِنْهُ. فَإِن عديته إِلَى الْمَوْرُوث جِئْت بالموروث مِنْهُ مجروراً بِمن أَو عَن تَقول: ورثت المَال من أبي ومالاً عَن)
أبي. قَالَ صَاحب الصِّحَاح: ورثت أبي وورثت الشَّيْء من أبي. وَمِثَال عَن مَا أنْشدهُ أَبُو حنيفَة: ورثن الْعلَا عَن كَابر بعد كَابر وَقَول حسان الْمُتَقَدّم. وَكَذَلِكَ من محذوفة من قَوْله: لآل الجلاح كَابِرًا بعد كَابر وَكَذَا تقدر من فِي قَوْله: شرف تتَابع كَابِرًا عَن كَابر وتتابع غير مُتَعَدٍّ وَالْمعْنَى على من. وَكَذَا الْحَال فِي بَيت الْأَعْشَى.
وَمِمَّا قَررنَا يضمحل مَا تكلفه جمَاعَة من أَنه مَنْصُوب على الْحَال. ثمَّ اخْتلفُوا
فَمنهمْ من قَالَ: كَابِرًا عَن كَابر: جملَة حَالية نصب صدرها كَمَا فِي قَوْلهم: كَلمته فَاه إِلَى فِي وَأورد قَول الشَّاعِر:
فتذاكروا آخرا عَن أولوتوارثوها كَابِرًا عَن كَابر
وَمِنْهُم من قَالَ: كَابِرًا مُفْرد وَقع حَالا أَي: ورثوه كابرين أَو صاغرين وأفرد لكَونه بِمَعْنى جمعا كَابِرًا.
قَالَ السَّيِّد فِي حَاشِيَة الْكَشَّاف: وَفِيه أَن هَذِه الْعبارَة كَمَا لَا تخْتَلف جمعا وإفراداً لَا تخْتَلف تأنيثاً وتثنية. انْتهى.
وَلَا يخفى إِن الحالية لَا تتمشى فِي كل مَوضِع وَلَيْسَ فِي هَذِه الأبيات مَا هُوَ حَال. ومنشأ هَذَا التَّكَلُّف ظن أَن كَابِرًا الأول: هُوَ الْوَارِث وَالثَّانِي: هُوَ الْمَوْرُوث مِنْهُ. وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا الأول هُوَ الْمَوْرُوث مِنْهُ.
وَهَذَا المصراع من شعر كَعْب بن زُهَيْر إِلَّا أَنه بضمير جمع. وَالشَّارِح الْمُحَقق أوردهُ لَا على أَنه شعر وَلذَا قَالَ: وَكَذَا قَوْلهم.
وَقد ورد فِي شعر الفرزدق مَا مثل بِهِ إِلَّا أَن فِيهِ المكارم بدل السِّيَادَة وَهُوَ:
كم من أَب لي يَا جرير كَأَنَّهُقمر المجرة أَو سراج نَهَار
ورث المكارم كَابِرًا عَن كَابرضخم الدسيعة كل يَوْم فخار
وَأما شعر كَعْب بن زُهَيْر فَهُوَ من قصيدة مدح بهَا الْأَنْصَار ﵃ وَهِي ثَلَاثُونَ بَيْتا مدحهم فِي ثَمَانِيَة عشر بَيْتا مِنْهَا. وسببها أَن كَعْبًا لما مدح النَّبِي ﷺ َ بقصيدة)
بَانَتْ سعاد أطرى فِيهَا بمدح الْمُهَاجِرين ﵃ وَعرض فِي آخرهَا بِذكر الْأَنْصَار بِأَنَّهُم سود صغَار القامات لَا يثبتون فِي الحروب فَغَضب الْأَنْصَار فمدحهم بهَا.
قَالَ ابْن هِشَام فِي السِّيرَة: وَيُقَال إِن النَّبِي ﷺ َ قَالَ لَهُ بعد إنشاد القصيدة: لَوْلَا ذكرت الْأَنْصَار بِخَير فَإِن الْأَنْصَار لذَلِك أهل.
وَهَذِه بيات من أَولهَا على رِوَايَة شَارِح ديوانه:
من سره كرم الْحَيَاة فَلَا يزلفِي مقنب من صالحي الْأَنْصَار
ورثوا السِّيَادَة كَابِرًا عَن كَابرإِن الْخِيَار هم بَنو الأخيار
المكرهين السمهري بأذرعكسوافل الْهِنْدِيّ غير قصار
والناظرين بأعين محمرةكالجمر غير كليلة الإبصار
والذائدين النَّاس عَن أديانهمبالمشرفي وبالقنا الخطار
والباذلين نُفُوسهم لنبيهميَوْم الْهياج وقبة الْجَبَّار
يتطهرون كَأَنَّهُ نسك لَهُمبدماء من عَلقُوا من الْكفَّار
والمقنب بِكَسْر الْمِيم: مَا بَين الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعين.
قَالَ شَارِح ديوانه: السِّيَادَة: مصدر سَاد يسود سُودًا وسيادة. وَالْمَشْهُور فِي مصدره السِّيَادَة.
والسود مصدر غَرِيب. وَأما السودد بدالين فقد قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: سَاد يسود سيادة وَالِاسْم السودد وَهُوَ الْمجد والشرف.
وَقَالَ أَيْضا: ورثوا الْمجد كَابِرًا عَن كَابر أَي: كَبِيرا شريفاً عَن كَبِير شرِيف. وَقَالَ المرزوقي فِي شرح الحماسة: لم يُوجد كَابر بِمَعْنى كَبِير إِلَّا فِي هَذَا الْمَكَان. وَقَالَ: أَبُو عَليّ يَقُول: كَابر لَيْسَ باسم فَاعل إِنَّمَا هُوَ صِيغَة للْجمع كالباقر. وَالْمرَاد كبراء بعد كبراء.
والسمهري: الرمْح قَالَ شَارِح ديوانه: الْهياج: الْحَرْب وَأَصله الْحَرَكَة فِي الشَّرّ.
وَقَوله: وقبة الْجَبَّار أَرَادَ بَيت الله الْحَرَام. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الْوَاو للقسم. وَالْمَشْهُور فِي هَذَا المصراع:
الباذلين نُفُوسهم لنبيهميَوْم اللقا بتعانق وكرار
وَهِي رِوَايَة ابْن هِشَام. وترجمة كَعْب بن زُهَيْر تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع عشر بعد السبعمائة.
وَأنْشد بعده:)
لاه ابْن عمك لَا أفضلت فِي حسبعني وَلَا أَنْت دياني فتخزوني
على أَن أفضلت ضمن معنى تجاوزت فِي الْفضل فَلهَذَا تعدى بعن وَلَوْلَا التَّضْمِين لقَالَ: أفضلت عَليّ من قَوْلهم: أفضلت على الرجل إِذا أوليته فضلا.
وَأفضل هَذِه تتعدى بعلى لِأَنَّهَا بِمَعْنى الإنعام أَو أَنه من قَوْلهم: أعْطى وَأفضل إِذا زَاد على الْوَاجِب. وَأفضل هَذِه أَيْضا تتعدى بعلى يُقَال: أفضل على كَذَا أَي: زَاد عَلَيْهِ فضلَة.
وَمرَاده من ذكر التَّضْمِين أَن عَن لَيست بِمَعْنى على خلافًا لِابْنِ السّكيت وَلابْن قُتَيْبَة وَمن تبعهما فَإِنَّهُم قَالُوا: عَن نائبة عَن على.
وَالْأولَى أَن يكون أفضل من قَوْلهم: أفضل الرجل إِذا صَار ذَا فضل فِي نَفسه فَيكون مَعْنَاهُ: لَيْسَ لَك فضل تنفرد بِهِ عني وتحوزه دوني. فَيكون لتَضَمّنه معنى الِانْفِرَاد تعدى بعن. فَتَأمل.
وَالديَّان: الْقيم بِالْأَمر الْمجَازِي بِهِ. وتخزوني: تسوسني سياسة.
يَقُول: لله ابْن عمك الَّذِي ساواك فِي الْحسب وماثلك فِي الشّرف فَلَيْسَ لَك فضل تنفرد بِهِ عَنهُ وَلَا أَنْت مَالك أمره فتتصرف بِهِ على حكمك. وَمرَاده بِابْن الْعم نَفسه فَلذَلِك رد الْإِخْبَار بِلَفْظ الْمُتَكَلّم.
وَقد تقدم شَرحه بِمَا لَا مزِيد عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع