من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد التَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الثَّمَانمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
وَلَقَد أَرَانِي للرماح دريةمن عَن يَمِيني مرّة وأمامي
على أَن عَن فِيهِ اسْم بِمَعْنى جَانب لدُخُول حرف الْجَرّ عَلَيْهَا. وَاسْتشْكل هَذَا بِأَن الْكَلِمَة إِنَّمَا تعد حرفا واسماً إِذا اتَّحد أصل معنييهما والجانب لَيْسَ بِمَعْنى الْمُجَاوزَة.
وَأجِيب بِأَن الزَّمَخْشَرِيّ بَين فِي مفصله أَن معنى: جلس عَن يَمِينه أَنه جلس متراخياً عَن بدنه فِي الْمَكَان الَّذِي بحيال يَمِينه. فَمَعْنَى جَلَست عَن يَمِينه: جَلَست من جَانب يَمِينه وَمَوْضِع متجاوز عَن بدنه فِي الْمَكَان الَّذِي بحيال يَمِينه. فَيكون المُرَاد بالجانب الْجِهَة الْمُجَاوزَة لبدنه لَا مُطلق الْجِهَة فيتحد أصل معنى عَن.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: اسمية عَن متعينة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: أَحدهَا: أَن تدخل عَلَيْهَا من وَهُوَ كثير. وَمن الدَّاخِلَة على عَن زَائِدَة عِنْد ابْن مَالك ولابتداء الْغَايَة عِنْد غَيره.
قَالُوا: فَإِذا قيل: قعدت عَن يَمِينه فَالْمَعْنى فِي جَانب يَمِينه وَذَلِكَ مُحْتَمل للملاصقة ولخلافها. فَإِن جِئْت بِمن تعين كَون الْقعُود ملاصقاً لأوّل النَّاحِيَة.
وَالثَّانِي: أَن تدخل عَلَيْهَا على وَذَلِكَ نَادِر وَالْمَحْفُوظ مِنْهُ بَيت وَاحِد وَهُوَ قَوْله:
على عَن يَمِيني مرت الطير سنحاًوَكَيف سنوح وَالْيَمِين قطيع
وَالثَّالِث: أَن يكون مجرورها وفاعل متعلقها ضميرين لمسمى وَاحِد قَالَه الْأَخْفَش كَقَوْل امْرِئ)
دع عَنْك نهباً صِيحَ فِي حجراتهوَلَكِن حَدِيثا مَا حَدِيث الرَّوَاحِل
وَذَلِكَ لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى تعدِي فعل الْمُضمر الْمُتَّصِل إِلَى ضَمِيره الْمُتَّصِل. وَتقدم الْجَواب عَنهُ. وَمِمَّا يدل على أَنَّهَا لَيست هُنَا اسْما أَنَّهَا لَا يَصح حُلُول الْجَانِب محلهَا. انْتهى.
وَالْبَيْت من أَبْيَات أَرْبَعَة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة لقطري بن الْفُجَاءَة وَهِي:
لَا يركنن أحد إِلَى الإحجاميَوْم الوغى متخوفاً لحمام
فَلَقَد أَرَانِي للرماح دريةً.................... الْبَيْت
حَتَّى خضبت بِمَا تحدر من دميأكناف سرجي أَو عنان لجامي
ثمَّ انصرفت وَقد أصبت وَلم أصبجذع البصيرة قارح الْإِقْدَام
قَوْله: لَا يركنن أحد... إِلَخ لَا: ناهية وركن إِلَى الشَّيْء: مَال إِلَيْهِ.
والإحجام بِتَقْدِيم الْمُهْملَة: التَّأَخُّر والنكوص. والمتخوف: الْخَائِف شَيْئا بعد شَيْء. وَالْحمام بسكر الْمُهْملَة: الْمَوْت.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ شرَّاح الألفية شَاهدا لمجيء الْحَال من النكرَة لوقوعها بعد النَّهْي.
وَأرَانِي: أعلمني ولكونه من أَفعَال الْقُلُوب صَحَّ أَن يَقع فَاعله ومفعوله لمسمىً وَاحِد. ودرية: مَفْعُوله الثَّانِي.
قَالَ ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ: الدريئة بِالْهَمْز: الْحلقَة الَّتِي يَرْمِي فِيهَا المتعلم ويطعن. والدرية بِلَا همز: النَّاقة الَّتِي ترسل مَعَ الْوَحْش لتأنس بهَا ثمَّ يسْتَتر بهَا ويرمى الْوَحْش. انْتهى.
وَقَالَ القالي فِي أَمَالِيهِ بعد إنشاد هَذِه الأبيات الْأَرْبَعَة: الدريئة مَهْمُوزَة: الْحلقَة الَّتِي يتَعَلَّم عَلَيْهَا الطعْن وَهِي فعلية بِمَعْنى مفعولة. من درأت أَي: دفعت. والدرية غير المهموز: دَابَّة أَو جمل يسْتَتر بِهِ الصَّائِد فَيَرْمِي الصَّيْد. وَهُوَ من دَريت أَي: ختلت.
قَالَ الشَّاعِر:
فَإِن كنت لَا أَدْرِي الظباء فإننيأدس لَهَا تَحت التُّرَاب الدواهيا
وَبَنوهُ على وزن خديعة إِذْ كَانَ فِي مَعْنَاهَا. انْتهى.
قَالَ شارحها أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: هَذَا الْبَيْت لعبد الله بن مُحَمَّد بن عباد الْخَولَانِيّ قَالَه الْهَمدَانِي فِي كتاب الإكليل. وكنى بالظباء عَن النِّسَاء.
والصيادون يدفنون للوحش فِي طرقها إِلَى المَاء حدائد أشباه الكلاليب فَإِذا جَازَت عَلَيْهَا)
قطعت قَوَائِمهَا. انْتهى.
قَالَ شرَّاح الحماسة: وَيُمكن حمل الْبَيْت عَلَيْهِمَا. فَالْمُرَاد على الأول: أَن الطعْن يَقع فِيهِ كَمَا يَقع فِي تِلْكَ الْحلقَة وعَلى الثَّانِي: أَنه يصير ستْرَة لغيره من الطعْن كَمَا تكون تِلْكَ الدَّابَّة ستْرَة
وَإِنَّمَا اقْتصر على الْيَمين والأمام أَي: القدام لِأَنَّهُ يعلم أَن الْيَسَار فِي ذَلِك كاليمين. وَأما الظّهْر فَإِن الْفَارِس لَا يُمكن مِنْهُ أحدا. وَمن على قَول ابْن مَالك زَائِدَة ومتعلقة بِمَحْذُوف على قَول غَيره. أَي: تَأتِينِي من هَذِه الْجِهَات.
وَقَوله: حَتَّى خضبت... إِلَخ أكناف السرج: جوانبه جمع كنف بِفتْحَتَيْنِ. وعنان اللجام: سيره الَّذِي تمسك بِهِ الدَّابَّة. وأو للتقسيم وَقَالَ القالي فِي أَمَالِيهِ: أَرَادَ وعنان لجامي.
وَالْمعْنَى: انتصبت للرماح حَتَّى خضبت بِمَا سَالَ من دمي جَوَانِب السرج وعنان فرسي وَذَلِكَ على حسب مواقع الطعْن فالعنان لما سَالَ من أعاليه وجوانب السرج لما سَالَ من أسافله.
وَقيل: إِنَّمَا أَرَادَ دم من قَتله فأضافه إِلَى نَفسه لِأَنَّهُ أراقه.
وَقَوله: وَقد أصبت وَلم أصب الأول بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل وَالثَّانِي للْمَفْعُول وجذع وقارح: حالان.
والجذع بِفَتْح الْجِيم والذال الْمُعْجَمَة: الشَّاب الْحَدث والقارح: المنتهي فِي السن.
قَالَ الْخَطِيب: هما مثلان وأصلهما فِي الْخَيل وَذَوَات الحوافر. وَذَلِكَ أَن الْمهْر يركب بعد حول سياسة ورياضة فَإِذا بلغ حَوْلَيْنِ فَهُوَ جذع فَحِينَئِذٍ يَسْتَغْنِي عَن الرياضة.
يَقُول: أَنا جذع البصيرة لَا أحتاج إِلَى تَهْذِيب كَمَا لَا يحْتَاج الْجذع إِلَى الرياضة وإقدامي قارح أَي: قد بلغ النِّهَايَة كَمَا أَن القروح نِهَايَة سنّ الْفرس.
وَهَذَا مَا ذكره الشُّرَّاح. وَمَعْنَاهُ كَمَا ذكره أَبُو الْعَلَاء المعري أَنه يُرِيد أَنه لم يزل شجاعاً فإقدامه قارح لِأَنَّهُ قديم.
وَيَعْنِي بجذع البصيرة أَنه كَانَ فِيمَا سلف لَا يرى رَأْي الْخَوَارِج ثمَّ تبصر فِي آخر أمره فَعلم أَنهم على لَاحق فبصيرته جَذَعَة أَي: محدثة. وَذَلِكَ أَنه كَانَ خارجياً سلم عَلَيْهِ بالخلافة ثَلَاث عشرَة سنة. انْتهى.
وَقَالَ القالي: أَي وَأَنا على بصيرتي الأولى. وقارح الْإِقْدَام أَي: متناه فِي الْإِقْدَام.
وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرحها قَالَ النمري: يُرِيد ثمَّ انصرفت وَقد قتلت وَلم أقتل بعد أَن خضبت سرجي ولجامي. يُرِيد أَن الْأَجَل حرز فَلَا يركنن أحد إِلَى الْجُبْن خوف الْمَوْت.)
وَقَوله: جذع البصيرة يُرِيد استبصاره الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي أول الْأَمر لم ينْتَقل عَنهُ لما ناله من الْجِرَاحَات وَلم يضعف فِيهِ قارح الْإِقْدَام أَي: قد بلغ إقدامه النِّهَايَة.
وَقَالَ قوم: إِنَّمَا يُرِيد بقوله: وَلم أصب لم ألف على هَذِه الْحَال وَلَكِنِّي قارح البصيرة جذع الْإِقْدَام أَي: رَأْيه رَأْي شيخ وإقدامه إقدام غُلَام.
وَيكون البصيرة على هَذَا الرَّأْي وَالتَّدْبِير كالاستبصار فِي الْأَمر وَهُوَ الأعرف فِي كَلَام الْعَرَب فَإِن البصيرة للقلب كالبصر للعين.
وَالْحجّة لهَذَا الْمَذْهَب: قَوْله وَلم أصب وَهُوَ قد قَالَ قبل هَذَا: حَتَّى خضبت بِمَا تحدر من دمي والإصابة قد تكون فِيمَا دون النَّفس وَهُوَ الْأَكْثَر. انْتهى.
وَبعد هَذِه الْأَرْبَعَة بيتان لم يوردهما أَبُو تَمام وهما:
متعرضاً للْمَوْت أضْرب معلمابهم الحروب مشهر الْإِعْلَام
أَدْعُو الكماة إِلَى النزال وَلَا أرىنحر الْكَرِيم على القنا بِحرَام
وقطري هُوَ رَأس الْخَوَارِج كَانَ أحد الْأَبْطَال الْمَذْكُورين خرج فِي مُدَّة
ابْن الزبير وَبَقِي يُقَاتل ويستظهر بضع عشرَة سنة وَسلم عَلَيْهِ بإمرة الْمُؤمنِينَ. وجهز عَلَيْهِ الْحجَّاج جَيْشًا بعد جَيش وَهُوَ يستظهر عَلَيْهِم ويكسرهم. وتغلب على نواحي فَارس وَغَيرهَا. وَوَقَائعه مَشْهُورَة.
وَقد ذكر الْمبرد كثيرا من أخباره فِي الْكَامِل. وَكَانَ مَعَ شجاعته من البلغاء وَله شعر جيد.
وَكَانَ آخر أمره أَن الْحجَّاج ندب لَهُ سُفْيَان بن الْأَبْرَد فِي جَيش كثيف وَاجْتمعَ مَعَه إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث فِي جَيش لأهل الْكُوفَة فَأَقْبَلَا فِي طلب قطري فأدركوه فِي شعب من شعاب طبرستان فقاتلوه فَتفرق عَنهُ أَصْحَابه وَسقط عَن دَابَّته فتدهده إِلَى أَسْفَل الشّعب.
وَأَتَاهُ علج من أهل الْبَلَد فحدر عَلَيْهِ حجرا من فَوْقه فَأصَاب وركه فأوهنه وَصَاح بِالنَّاسِ فَأَقْبَلُوا نَحوه وَجَاء نفر من أهل الْكُوفَة فَقَتَلُوهُ وَأَرْسلُوا رَأْيه إِلَى الْحجَّاج فسيره إِلَى عبد الْملك وقطري بِفَتْح الْقَاف والطاء وَتَشْديد الْيَاء قَالَ الْجَوْهَرِي: وقطري بن فجاءة الْمَازِني زعم بَعضهم أَن أصل الِاسْم مَأْخُوذ من قطري النِّعَال.
قَالَ الصّلاح الصَّفَدِي فِي حَاشِيَته على الصِّحَاح قلت: بل هُوَ مَنْسُوب إِلَى قطر بِالسَّيْفِ على مَا ذكره بَعضهم. انْتهى.
أَقُول: السَّيْف بِكَسْر السِّين: سَاحل الْبَحْر قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: قطر)
بِفَتْح أَوله وثانيه بعده رَاء مُهْملَة: مَوضِع بَين الْبَحْرين وعمان تنْسب إِلَيْهِ الْإِبِل الْجِيَاد وَهِي اكثر بِلَاد الْبَحْرين حمراً.
والفجاءة بِضَم الْفَاء وَالْمدّ قَالَ صَاحب الصِّحَاح: فاجأه الْأَمر مفاجأة وفجئاً وَكَذَلِكَ فجئه الْأَمر وفجأه الْأَمر بِالْكَسْرِ وَالنّصب فجاءة بِالضَّمِّ وَالْمدّ. وَمِنْه قطري بن فجاءة الْمَازِني.
قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي: اخْتلف فِي اسْم الْفُجَاءَة فَقيل:
اسْمه جَعونَة وَقيل: مَازِن بن يزِيد بن زِيَاد بن حنثر بن كابية بن حرقوص بن مَازِن بن مَالك بن عَمْرو بن تَمِيم.
وَسمي الْفُجَاءَة لِأَنَّهُ غَابَ دهراً بِالْيمن ثمَّ جَاءَهُم فجاءة. انْتهى.
وَجزم صَاحب الجمهرة أَن اسْمه جَعونَة بن مَازِن فَجعل مازناً وَالِد جَعونَة لَا وَالِد قطري.
وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين وَبعد الْوَاو نون. وحنثر الْمَشْهُور أَنه حبتر بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون قَالَ الْأَمِير الْحَافِظ أَبُو نصر عَليّ بن مَاكُولَا فِي إكماله: وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: قطري بن الْفُجَاءَة وَرفع فِي نسبه إِلَى حنثر بن كابية بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون بعْدهَا ثاء مُعْجمَة بِثَلَاث. ويروى حبتر وَالصَّوَاب بالنُّون والمثلثة. وَالله أعلم.
وكابية بموحدة بعْدهَا مثناة تحتية. وحرقوص بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَالْقَاف.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع