من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الثَّمَانمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
وَإِنَّا لمما نضرب الْكَبْش ضَرْبَةعلى رَأسه تلقي اللِّسَان من الْفَم
على أَن من الجارة لما كفت بِمَا تغير مَعْنَاهَا وَصَارَت بِمَعْنى رُبمَا مفيدة للتكثير أَو للتقليل على خلاف فِي مدلولها.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب من أَبْوَاب أَن الَّتِي تكون وَالْفِعْل بِمَنْزِلَة مصدره مَا نَصه: وَتقول: إِنِّي مِمَّا أَن أفعل ذَاك كَأَنَّهُ قَالَ: أَنِّي من الْأَمر أَو من الشَّأْن أَن أفعل ذَاك. فَوَقَعت مَا فِي هَذَا الْموضع كَمَا تَقول الْعَرَب: بئْسَمَا يُرِيدُونَ بئس الشَّيْء. إِلَى أَن قَالَ: وَإِن شِئْت قلت: إِنِّي مِمَّا أفعل فَتكون مَا مَعَ من بِمَنْزِلَة كلمة وَاحِدَة نَحْو: رُبمَا. قَالَ أَبُو حَيَّة النميري: وَإِنَّا لمما نضرب الْكَبْش............. الْبَيْت انْتهى.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي قَوْله: لمما وَمَعْنَاهُ لربما وَهِي من زيدت إِلَيْهَا مَا وَجعلت مَعهَا على معنى رُبمَا فركبت تركيبها. انْتهى.
وَفِي البغداديات لأبي عَليّ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: إِن أَرَادَ سِيبَوَيْهٍ أَن مَا كَافَّة لمن أَنَّهَا كَافَّة لرب فَهُوَ كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ. وَإِن أَرَادَ أَنه للتقليل كَمَا أَن رُبمَا للتقليل كَانَ ذَلِك مسوغاً إِذا ثَبت مسموعاً.
وَيبعد ذَلِك فِي الْبَيْت فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَن يكون غير مقلل لضربه للكبش على رَأسه انْتهى. وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن رب وَرُبمَا عِنْده لَا تفِيد إِلَّا الْقلَّة. وَكَأن أَبَا حَيَّان لم يقف على مَا قدمْنَاهُ.
قَالَ فِي الارتشاف: وَزعم السيرافي والأعلم وَابْن طَاهِر وَابْن خروف
أَن من إِذا كَانَ بعْدهَا مَا كَانَت بِمَعْنى رُبمَا وَزَعَمُوا أَن سِيبَوَيْهٍ يُشِير إِلَى هَذَا الْمَعْنى فِي كَلَامه.
وَأنكر الْأُسْتَاذ أَبُو عَليّ وَأَصْحَابه ذَلِك وردوه وتأولوا مَا زعموه من ذَلِك. هَذَا كَلَامه.
وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي موضِعين من الْمُغنِي أَحدهمَا: فِي من قَالَ عِنْد مَعَانِيهَا: الْعَاشِر مرادفة رُبمَا وَإِنَّا لمما نضرب الْكَبْش الْبَيْت قَالَه السيرافي وَابْن خروف وَابْن طَاهِر والأعلم وَخَرجُوا عَلَيْهِ قَول سِيبَوَيْهٍ: إِنَّهُم مِمَّا يحذفون كَذَا. وَالظَّاهِر أَن من فيهمَا ابتدائية وَمَا مَصْدَرِيَّة وَأَنَّهُمْ جعلُوا كَأَنَّهُمْ خلقُوا من الضَّرْب والحذف مثل: خلق الْإِنْسَان من عجل. انْتهى.)
وَثَانِيهمَا: فِي مَا الكافة قَالَ: إِنَّهَا تتصل بأحرف فتكفها من عمل الْجَرّ. الرَّابِع: من كَقَوْل أبي حَيَّة: وَإِنَّا لمما نضرب الْكَبْش الْبَيْت قَالَه ابْن الشجري. وَالظَّاهِر أَن مَا مَصْدَرِيَّة وَأَن الْمَعْنى مثله فِي: خلق الْإِنْسَان من عجل وَقَوله:
وضنت علينا والضنين من الْبُخْل فَجعل الْإِنْسَان والبخيل مخلوقين من الْعجل وَالْبخل مُبَالغَة. انْتهى.
وَسِيَاق الْكَلَام مِنْهُمَا ظَاهر فِي أَن الْمَعْنى الأول لم يقل بِهِ سِيبَوَيْهٍ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْء استنبطه خدمَة كِتَابه من كَلَامه وَلَيْسَ كَذَلِك.
وَتَخْرِيج ابْن هِشَام فَاسد وَذَلِكَ أَن فعل الصِّلَة فِي المثالين الْأَوَّلين مُسْند إِلَى ضمير الْمُحدث عَنهُ فَيلْزم عِنْد السبك إِضَافَة الْمصدر إِلَى ذَلِك الضَّمِير فيؤول الْأَمر إِلَى جعلهم كَأَنَّهُمْ خلقُوا من ضَربهمْ وَمن حذفهم. وَذَلِكَ غير مُتَصَوّر الْبَتَّةَ. وَلَا يلْزم هَذَا فِي الْآيَة وَالْبَيْت الْأَخير.
والكبش هُنَا: الرئيس وَسيد الْقَوْم لِأَنَّهُ يقارع دونهم ويحميهم. قَالَ ابْن النّحاس: وَإِن شِئْت جعلت مَا بِمَعْنى الَّذِي وَرفعت الْكَبْش. انْتهى.
أَقُول: هَذَا لَا يَصح. فَتَأمل. وَمثل هَذَا الْبَيْت قَول الفرزدق:
وَإِنَّا لمما نضرب الْكَبْش ضَرْبَةعلى رَأسه وَالْحَرب قد لَاحَ نارها
وَالظَّاهِر أَن أَبَا حَيَّة ألم بِبَيْت الفرزدق فَإِنَّهُ قبل أبي حَيَّة وَأَبُو حَيَّة توفّي فِي بضع وَثَمَانِينَ وَمِائَة.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: وَكَانَ يروي عَن الفرزدق. وَهُوَ بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة. وصحفه ابْن الملا بِالْمُوَحَّدَةِ قَالَ: وَرَأَيْت من صحفه بمثناة تحتية. انْتهى.
واسْمه الْهَيْثَم بن الرّبيع وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى نمير بن عَامر بن صعصعة.
قَالَ صَاحب الأغاني: وَهُوَ شَاعِر مجيد مُتَقَدم من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. وَقد مدح الْخُلَفَاء فيهمَا جَمِيعًا. وَكَانَ فصيحاً مقصداً راجزاً من سَاكِني الْبَصْرَة. وَكَانَ أهوج جَبَانًا بَخِيلًا كذابا مَعْرُوفا بذلك أجمع. وَكَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يقدمهُ.
وَقيل: إِنَّه كَانَ يصرع. وَكَانَ من أكذب النَّاس: حدث يَوْمًا أَنه يخرج إِلَى الصَّحرَاء فيدعو)
الْغرْبَان فَتَقَع حوله فَيَأْخُذ مِنْهَا مَا شَاءَ. فَقيل: يَا أَبَا حَيَّة أَفَرَأَيْت إِن أخرجناك إِلَى الصَّحرَاء فدعوتها فَلم تأتك فَمَاذَا تصنع بك قَالَ: أبعدها الله إِذن وَحدث يَوْمًا قَالَ: عَن لي ظَبْي يَوْمًا فرميته فرَاغ عَن سهمي فعارضه السهْم ثمَّ راغ فعارضه فَمَا زَالَ وَالله يروغ ويعارضه حَتَّى صرعه بِبَعْض الجبانات.
وَإِلَى هَذَا السهْم لمح ابْن نباتة الْمصْرِيّ بقوله:
وبديع الْجمال لم ير طرفِيمثل أعطافه وَلَا طرف غَيْرِي
كلما حدت عَن هَوَاهُ أَتَانِيسهم ألحاظه كسهم النميري
وَقَالَ يَوْمًا: رميت وَالله ظَبْيَة فَلَمَّا نفذ سهمي عَن الْقوس ذكرت بالظبية حَبِيبَة لي فعدوت خلف السهْم حَتَّى قبضت على قذذة قبل أَن يُدْرِكهَا.
وَكَانَ لأبي حَيَّة سيف يُسَمِّيه: لعاب الْمنية لَيْسَ بَينه وَبَين الْخَشَبَة فرق. وَكَانَ أجبن النَّاس حدث جَار لَهُ قَالَ: دخل لَيْلَة إِلَى بَيته كلب فَظَنهُ لصاً فَأَشْرَفت عَلَيْهِ وَقد انتضى سَيْفه لعاب الْمنية وَهُوَ وَاقِف فِي وسط الدَّار وَهُوَ يَقُول: أَيهَا المغتر بِنَا والمجترئ علينا بئس وَالله مَا اخْتَرْت لنَفسك: خير قَلِيل وَسيف صقيل لعاب الْمنية الَّذِي سَمِعت بِهِ
مَشْهُور ضَربته لَا تخَاف نبوته اخْرُج بِالْعَفو عَنْك قبل أَن أَدخل بالعقوبة عَلَيْك. إِنِّي وَالله إِن أدع قيسا إِلَيْك لَا تقم لَهَا وَمَا قيس تملأ وَالله الفضاء خيلاً ورجلاً سُبْحَانَ الله مَا أَكْثَرهَا وأطيبها.
فَبينا هُوَ كَذَلِك إِذْ الْكَلْب قد خرج فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي مسخك كَلْبا وكفاني حَربًا وَنَظِير هَذِه الْحِكَايَة مَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق الحصري صَاحب زهر الْآدَاب فِي كتاب الْجَوَاهِر فِي الْملح والنوادر قَالَ: نزل أَعْرَابِي من بني نهشل يكنى أَبَا الْأَغَر على بني أُخْت لَهُ من قُرَيْش بِالْبَصْرَةِ وَذَلِكَ فِي شهر رَمَضَان فَخرج الرِّجَال إِلَى ضياعهم وَخرج النِّسَاء يصلين فِي الْمَسْجِد وَلم يبْق فِي الدَّار إِلَّا الْإِمَاء فَدخل كلب فَرَأى بَيْتا فدخله وانصفق الْبَاب فَسمع الْإِمَاء حَرَكَة فظنن أَن لصاً قد دخل الدَّار فَذَهَبت إِحْدَاهُنَّ إِلَى أبي الْأَغَر فَأَخْبَرته فَأخذ عَصا وَجَاء حَتَّى وقف على بَاب الْبَيْت فَقَالَ: أَيهَا اللص وَالله أما إِنِّي بك لعارف فَهَل أَنْت من لصوص بني مَازِن شربت نبيذاً حامضاً خبيثاً حَتَّى إِذا دارت الأقداح فِي رَأسك منتك نَفسك الْأَمَانِي. فَقلت: أطرق دور بني عَمْرو وَالرِّجَال خلوف وَالنِّسَاء يصلين فِي مسجدهن فأسرقهن سوءة لَك وَالله مَا يفعل هَذَا)
الْأَحْرَار بئْسَمَا منتك نَفسك فَاخْرُج بِالْعَفو عَنْك وَإِلَّا دخلت بالعقوبة عَلَيْك وَايْم الله لتخْرجن أَو لأهتفن هتفة
يلتقي فِيهَا الْحَيَّانِ: عَمْرو وحَنْظَلَة وتسيل عَلَيْك الرِّجَال من هُنَا وَلَئِن فعلت لتكونن أشأم مَوْلُود فِي بني تَمِيم فَلَمَّا رأى أَنه لَا يجِيبه أَخذه باللين فَقَالَ: اخْرُج بِأبي أَنْت مصوناً مَسْتُورا إِنِّي وَالله مَا أَرَاك تعرفنِي وَلَئِن عَرفتنِي لقد وثقت بِقَوْلِي واطمأننت إِلَيّ. أَنا أَبُو الْأَغَر النَّهْشَلِي وَأَنا خَال الْقَوْم وجلدة مَا بَين أَعينهم لَا يعصون لي رَأيا وَأَنا كَفِيل خفير أجعلك بَين شحمة أُذُنِي وعاتقي فَاخْرُج فَأَنت فِي ذِمَّتِي وَإِلَّا فعندي قوصرتان أهداهما إِلَيّ ابْن أُخْتِي الْبَار الْوُصُول فَخذ إِحْدَاهمَا فانتبذها حَلَالا من الله وَرَسُوله.
فَكَانَ الْكَلْب إِذا سمع هَذَا الْكَلَام أطرق وَإِذا سكت وثب ويروم الْخُرُوج. فتهاتف أَبُو الْأَغَر ثمَّ قَالَ: يَا ألأم النَّاس وأوضعهم أَرَانِي لَك اللَّيْلَة فِي وَاد وَأَنت فِي آخر وَالله لتخْرجن أَو لألجن فَلَمَّا طَال وُقُوفه جَاءَت جَارِيَة وَقَالَت: أَعْرَابِي مَجْنُون وَالله مَا أرى فِي الْبَيْت أحدا. وَدفعت الْبَاب فَخرج الْكَلْب مبادراً وَوَقع أَبُو الْأَغَر مُسْتَلْقِيا فَقُلْنَ لَهُ: قُم وَيحك فَإِنَّهُ كلب فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي مسخه كَلْبا وَكفى الْعَرَب حَربًا. انْتهى.
(تَتِمَّة)
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَقَالَ بَعضهم: إِن بِمَا تَجِيء أَيْضا بِمَعْنى رُبمَا نَحْو: إِنِّي بِمَا
أفعل أَي: رُبمَا.
هَذَا قَول ابْن مَالك قَالَ: إِن مَا الكافة أحدثت مَعَ الْبَاء معنى التقليل بِالْقَافِ كَمَا أحدثت فِي الْكَاف معنى التَّعْلِيل بِالْعينِ، فى قَوْله تَعَالَى واذكروه كَمَا هدَاكُمْ قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَالظَّاهِر أَن الْبَاء وَالْكَاف للتَّعْلِيل وَأَن مَا مَعَهُمَا مَصْدَرِيَّة: وَقد سلم أَن كلا من الْكَاف وَالْبَاء يَأْتِي للتَّعْلِيل مَعَ عدم مَا كَقَوْلِه تَعَالَى: فبظلم من الَّذين هادوا حرمنا عَلَيْهِم طَيّبَات. وَقُرِئَ: وي كَأَنَّهُ لَا يفلح الْكَافِرُونَ.
وَقَالَ: التَّقْدِير: أعجب لعدم فلاح الْكَافرين. ثمَّ الْمُنَاسب فِي الْبَيْت معنى التكثير لَا التقليل.
انْتهى. وَهَذَا مَأْخُوذ من شرح التسهيل لأبي حَيَّان. ومثاله مَا أنْشدهُ ابْن مَالك والمرادي فيشرح الألفية وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي:
فلئن صرت لَا تحير جَوَابالبما قد ترى وَأَنت خطيب
تحير: أحار بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: أجَاب. يُقَال: كَلمته فَلم يحر جَوَابا أَي: لم يردهُ. وَاللَّام فِي لَئِن موطئة للقسم لَا للتَّأْكِيد كَمَا وهم الْعَيْنِيّ.
وَقَوله: لبما اللَّام فِي جَوَاب الْقسم وَمَا بعْدهَا جَوَاب الْقسم لَا جَوَاب الشَّرْط كَمَا وهم الْعَيْنِيّ)
أَيْضا.
وَقد ترى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول. والرؤية بصرية لَا ظنية كَمَا زعم الْعَيْنِيّ. وَجُمْلَة وَأَنت خطيب: حَالية.
وَالْبَيْت فِي رثاء ميت يَقُول: إِن صرت الْآن لَا ترد جَوَابا لمن يكلمك فكثيراً مَا ترى وَأَنت خطيب بِلِسَان الْحَال فَإِن من نظر إِلَى قبرك وتذكر مَا كنت عَلَيْهِ وَمَا ألت الْآن إِلَيْهِ اتعظ بذلك.
وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد كثيرا مَا رئيت فِي حَال الْحَيَاة خَطِيبًا. إِلَّا أَنه عبر بالمضارع لاستحضار تِلْكَ الْحَالة.
قَالَ الْعَيْنِيّ: وَقَائِل الْبَيْت مَجْهُول.
أَقُول: قَالَ صَاحب تَهْذِيب الطَّبْع لما مَاتَ الاسكندر نَدبه أرسطاليس فَقَالَ: طالما كَانَ هَذَا الشَّخْص واعظاً بليغاً وَمَا وعظ بِكَلَامِهِ موعظة قطّ أبلغ من موعظة الْيَوْم بسكوته فَأَخذه صَالح بن عبد القدوس فَقَالَ:
وينادونه وَقد صم عَنْهُمثمَّ قَالُوا وللنساء نحيب
مَا الَّذِي عَاق أَن ترد جَوَاباأَيهَا الْمَقُول الْخَطِيب الأريب
إِن تكن لَا تطِيق رَجَعَ جَوَابفبمَا قد ترى وَأَنت خطيب
ذُو عظات وَمَا وعظت بِشَيْءمثل وعظ السُّكُوت إِذْ لَا تجيب
وَاخْتَصَرَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَة فِي بَيت فَقَالَ:
وَكَانَت فِي حياتك لي عظاتفَأَنت الْيَوْم خير مِنْك أمس
انْتهى. وَرَأَيْت فِي أمالي القالي: أنشدنا أَبُو عبد الله نفطويه أنشدنا ثَعْلَب لمطيع بن إِيَاس
وينادونه وَقد صم عَنْهُمثمَّ قَالُوا وللنساء نحيب
مَا الَّذِي غال أَن تحير جَوَاباأَيهَا المصقع الْخَطِيب الأديب
فِي مقَال وَمَا وعظت بِشَيْءمثل وعظ بِالصَّمْتِ إِذْ لَا تجيب
هَذَا مَا أوردهُ وَلم يذكر الْبَيْت الشَّاهِد.
وَأوردهُ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي كصاحب تَهْذِيب الطَّبْع وَقَالَ: مُطِيع بن إِيَاس بن أبي قزعة سلم بن نَوْفَل من بني الدول ابْن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة.
وَقيل: من بني لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة. والدؤل وَلَيْث أَخَوان لأم وَأب وَأم أمهما أم خَارِجَة)
وَهِي الَّتِي يضْرب بهَا الْمثل فَيُقَال: أسْرع من نِكَاح أم خَارِجَة. ويكنى مُطِيع أَبَا سليم. أدْرك الدولتين. وَكَانَ شَاعِرًا ظريفاً حُلْو الْعشْرَة مليح النادرة. وَكَانَ مُتَّهمًا بالزندقة.
وَكَانَ يحيى بن زِيَاد الْحَارِثِيّ وَحَمَّاد الراوية وَحَمَّاد عجرد وَابْن المقفع ووالية ابْن
الْحباب لَا يفترقون وَلَا يستأثر أحدهم على صَاحبه بِمَال وَلَا ملك شَيْء قل أَو كثر. وَكَانُوا جَمِيعًا مطعونين فِي دينهم. انْتهى بِاخْتِصَار.
وَأنْشد بعده: لَا تظلموا النَّاس كَمَا لَا تظلموا وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالْخمسين بعد الستمائة.
وَقد نقل ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْإِنْصَاف فِي مسَائِل الْخلاف اخْتِلَاف أهل البلدين فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَلَا بَأْس بإيراده هُنَا قَالَ: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن كَمَا تَأتي بِمَعْنى كَيْمَا وينصبون بهَا مَا بعْدهَا وَلَا يمْنَعُونَ جَوَاز الرّفْع. وَاسْتَحْسنهُ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد من الْبَصرِيين. وَذهب البصريون إِلَى أَن كَمَا لَا تَأتي بِمَعْنى كَيْمَا وَلَا يجوز نصب مَا بعْدهَا.
أما الْكُوفِيُّونَ فاحتجوا بِأَن قَالُوا: الدَّلِيل على أَن الْفِعْل ينصب بهَا أَنه قد جَاءَ ذَلِك كثيرا فِي كَلَامهم قَالَ صَخْر الغي:
جَاءَت كَبِير كَمَا أخفرهاوَالْقَوْم صيد كَأَنَّهُمْ رمدوا
أَرَادَ: كَيْمَا أخفرها وَلِهَذَا انتصب أخفرها.
وَقَالَ الآخر:
وطرفك إِمَّا جئتنا فاصرفنهكَمَا يحسبوا أَن الْهوى حَيْثُ تنظر
أَرَادَ: كَيْمَا يحسبوا. وَقَالَ رؤبة: لَا تظلموا النَّاس كَمَا لَا تظلموا راد: كَيْمَا لَا تظلموا. وَقَالَ عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ: وَقَالَ آخر:
يقلب عَيْنَيْهِ كَمَا لأخافهتشاوس رويداً إِنَّنِي من تَأمل
أَرَادَ: كَيْمَا أخافه إِلَّا انه أَدخل اللَّام توكيداً وَلِهَذَا الْمَعْنى كَانَ الْفِعْل مَنْصُوبًا. فَهَذِهِ الأبيات كلهَا تدل على صِحَة مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ. وَأما البصريون فاحتجوا بِأَن قَالُوا:)
إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه لَا يجوز النصب بهَا لِأَن الْكَاف فِي كَمَا كَاف التَّشْبِيه أدخلت عَلَيْهَا مَا وَجعلا بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد كَمَا أدخلت مَا على رب وَجعلا بِمَنْزِلَة حرف وَاحِد ويليها الْفِعْل كربما.
وكما أَنهم لَا ينصبون الْفِعْل بعد رُبمَا فَكَذَلِك هَاهُنَا.
وَأما الْجَواب عَن كَلِمَات الْكُوفِيّين: أما الْبَيْت الأول فَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَنَّهُ رُوِيَ: كَمَا أخفرها بالفرع لِأَن الْمَعْنى جَاءَت كَمَا أجيئها.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْفراء من أصحابكم وَاخْتَارَ الرّفْع فِي هَذَا الْبَيْت. وَهَذِه الرِّوَايَة الصَّحِيحَة.
وَأما الْبَيْت الثَّانِي فَلَا حجَّة فِيهِ أَيْضا لِأَن الرِّوَايَة: لكَي يحسبوا.
وَأما الْبَيْت الثَّالِث فَلَا حجَّة لَهُم فِيهِ أَيْضا لِأَن الرِّوَايَة فِيهِ بِالتَّوْحِيدِ: لَا تظلم النَّاس كَمَا لَا تظلم كالرواية الْأُخْرَى: وَأما الْبَيْت الرَّابِع فَلَيْسَ فِيهِ أَيْضا حجَّة لِأَن الروَاة اتَّفقُوا على أَن الرِّوَايَة كَمَا يَوْمًا تحدثه بِالرَّفْع كَقَوْل أبي النَّجْم:
قلت لشيبان ادن من لِقَائِهكَمَا تغدي الْقَوْم من شوائه
وَلم يروه أحد كَمَا يَوْمًا تحدثه بِالنّصب إِلَّا الْمفضل الضَّبِّيّ وَحده فَإِنَّهُ كَانَ يرويهِ مَنْصُوبًا وَإِجْمَاع الروَاة من نَحْويي الْبَصْرَة والكوفة على خِلَافه والمخالف لَهُ أقوم مِنْهُ بِعلم الْعَرَبيَّة.
وَأما الْبَيْت الْخَامِس فَفِيهِ تكلّف قَبِيح وَالْأَظْهَر فِيهِ: يقلب عَيْنَيْهِ لكيما أخافه على أَنه لَو صَحَّ مَا رَوَوْهُ من هَذِه الأبيات على مُقْتَضى مَذْهَبهم فَلَا يخرج ذَلِك عَن حد الشذوذ والقلة فَلَا يكون فِيهِ حجَّة. وَالله أعلم.
هَذَا مَا أوردهُ الْأَنْبَارِي.
وأنشده بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع