تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الثَّمَانمِائَة

فيه ١٤ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

فَمن يَك أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلهفَإِنِّي وقيار بهَا لغريب

على أَن قَوْله: قيار مُبْتَدأ: حذف خَبره وَالْجُمْلَة اعتراضية بَين اسْم إِن وخبرها وَالتَّقْدِير: فَإِنِّي وقيار بهَا كَذَلِك لغريب.

وَإِنَّمَا لم يَجْعَل الْخَبَر لقيار وَيكون خبر إِن محذوفاً لِأَن اللَّام لَا تدخل فِي خبر الْمُبْتَدَأ حَتَّى يقدم نَحْو: لقائم زيد. وَكَذَلِكَ الصابئون فِي الْآيَة مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف الْجُمْلَة اعْتِرَاض كَذَلِك كَمَا قَرَّرَهُ الشَّارِح.

وَهَذَا تَخْرِيج لَهُ خلاف مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فَإِن الْجُمْلَة عِنْده فِي نِيَّة التَّأْخِير وَهِي معطوفة لَا مُعْتَرضَة كَمَا تقدم نَصه وإيضاحه فِي كَلَام الْكَشَّاف. وَكَأَنَّهُ عدل عَنهُ لِئَلَّا يلْزم تَقْدِيم الْجُمْلَة المعطوفة على بعض الْجُمْلَة الْمَعْطُوف عَلَيْهَا كَمَا أوردهُ عَلَيْهِ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي.

وَجوز السيرافي أَن يكون الْخَبَر للصائبين وَيكون خبر إِن محذوفاً كَمَا تقدم عَنهُ. وَأورد عَلَيْهِ أَيْضا ابْن هِشَام بِأَن فِيهِ الْحَذف من الأول لدلَالَة الثَّانِي وَإِنَّمَا الْكثير الْعَكْس.

وَذهب الْفراء إِلَى أَن الصابئون مَعْطُوف على اسْم إِن فيشاركه فِي الْخَبَر فَهُوَ من عطف مُفْرد على مُفْرد وَهَذَا نَصه فِي تَفْسِير الْآيَة وَقَالَ: وَأما الصابئون فَإِن رَفعه على أَن عطف على الَّذين وَالَّذين حرف على جِهَة وَاحِدَة فِي رَفعه ونصبه وخفضه فَلَمَّا كَانَ إعرابه وَاحِدًا وَكَانَ نصب إِن ضَعِيفا وَضَعفه أَنه يَقع على الِاسْم وَلَا يَقع على خَبره جَازَ رفع الصابئين.

وَلَا أستحب أَن أَقُول: إِن عبد الله وَزيد قائمان لتبين الْإِعْرَاب فِي عبد الله. وَقد كَانَ الْكسَائي يُجِيزهُ لضعف غن.

وَقد أنشدوا هَذَا الْبَيْت رفعا ونصباً:

فَمن يَك أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْلهفَإِنِّي وقياراً بهَا لغريب

وقيار. وَلَيْسَ هَذَا بِحجَّة للكسائي فِي إِجَازَته: إِن عمرا وَزيد قائمان لِأَن قياراً قد عطف على اسْم مكني عَنهُ والمكني لَا إِعْرَاب لَهُ فسهل ذَلِك كَمَا سهل فِي الَّذين إِذا عطفت عَلَيْهِ الصابئون.

وَهَذَا أقوى فِي الْجَوَاز من الصابئون لِأَن المكني لَا يتَبَيَّن فِيهِ الرّفْع فِي حَال. وَالَّذين قد يُقَال)

وأنشدني:...

وَإِلَّا فاعلموا أَنا وَأَنْتُمبغاة مَا حيينا فِي شقَاق
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «أهمت منك سلمى بانطلاق»

وَقَالَ آخر:

يَا لَيْتَني وَأَنت يَا لميسبِبَلَد لَيْسَ بِهِ أنيس
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

وأنشدني بَعضهم:

يَا لَيْتَني وهما نخلو بِمَنْزِلَةحَتَّى يرى بَعْضنَا بَعْضًا ونأتلف

قَالَ الْكسَائي: نرفع الصابئون على إتباعه الِاسْم الَّذِي فِي هادوا ونجعله من قَوْله: إِنَّا هدنا إِلَيْك لَا من الْيَهُودِيَّة.

وَجَاء التَّفْسِير بِغَيْر ذَلِك لِأَنَّهُ وصف الَّذين آمنُوا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم ثمَّ ذكر الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَقَالَ: من آمن مِنْهُم فَلهُ كَذَا فجعلهم يهوداً ونصارى. انْتهى كَلَام الْفراء.

قَالَ الزّجاج فِي تَفْسِير الْآيَة بعد أَن نقل مَذْهَب الْكسَائي وَالْفراء: هَذَا التَّفْسِير إقدام عَظِيم على كتاب الله وَذَلِكَ أَنهم زَعَمُوا أَن نصب إِن ضَعِيف لِأَنَّهَا إِنَّمَا تغير الِاسْم وَلَا تغير الْخَبَر.

وَهَذَا غلط لِأَن إِن قد عملت عملين: الرّفْع وَالنّصب وَلَيْسَ فِي الْعَرَبيَّة ناصب لَيْسَ مَعَه مَرْفُوع لِأَن كل مَنْصُوب مشبه بالمفعول وَالْمَفْعُول لَا يكون بِغَيْر فَاعل إِلَّا فِيمَا لم يسم فَاعله.

وَكَيف يكون نصب إِن ضَعِيفا وَهِي تَتَخَطَّى الظروف فتنصب مَا بعْدهَا نَحْو: إِن فِيهَا قوما جبارين وَنصب إِن من أقوى المنصوبات.

وَقَالَ الْكسَائي: الصابئون نسق على مَا فِي هادوا كَأَنَّهُ قَالَ: هادوا هم والصابئون.

وَهَذَا القَوْل خطأ من جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا: أَن الصَّابِئ لَا يُشَارك الْيَهُودِيّ فِي الْيَهُودِيَّة. وَإِن ذكر أَن هادوا فِي معنى تَابُوا فَهَذَا خطأ فِي هَذَا الْموضع أَيْضا لِأَن معنى الَّذين آمنُوا هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ إِيمَان بأفواههم لِأَنَّهُ يعْنى بِهِ المُنَافِقُونَ.

وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ والخليل وَجَمِيع الْبَصرِيين: إِن الصابئين مَحْمُول على التَّأْخِير ومرفوع بِالِابْتِدَاءِ الْمَعْنى: إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا خوف عَلَيْهِم والصابئون وَالنَّصَارَى كَذَلِك أَيْضا.

وأنشدوا فِي ذَلِك قَول الشَّاعِر: وَإِلَّا فاعلموا أَنا وَأَنْتُم الْبَيْت)

الْمَعْنى: أَنا بغاة وَأَنْتُم أَيْضا كَذَلِك.

وَزعم سِيبَوَيْهٍ أَن قوما من الْعَرَب يغلطون فَيَقُولُونَ: إِنَّهُم أَجْمَعُونَ ذاهبون وَإنَّك وَزيد ذاهبان.

فَجعل سِيبَوَيْهٍ هَذَا غَلطا وَجعله كَقَوْل الشَّاعِر: انْتهى كَلَام الزّجاج.

وَمُرَاد سِيبَوَيْهٍ بالغلط توهم عدم ذكر إِن لَا حَقِيقَة الْغَلَط. كَيفَ وَهُوَ الْقَائِل إِن الْعَرَب لَا تطاوعهم ألسنتهم فِي اللّحن وَالْخَطَأ كَمَا نقل عَنهُ فِي الْمَسْأَلَة الزنبورية.

قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية: يَعْنِي سِيبَوَيْهٍ أَنهم توهموا أَن لَيْسَ ثمَّ إِن حَتَّى كَأَنَّهُمْ قَالُوا: هم أَجْمَعُونَ ذاهبون وَأَنت وَزيد ذاهبان. وَأنس بِهَذَا عدم ظُهُور الْإِعْرَاب فِي اسْم إِن فِي الْمَوْضِعَيْنِ.

وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا أَنه لم يَجِيء فِيمَا ظهر فِيهِ الْإِعْرَاب نَحْو: إِن زيدا وَعَمْرو

قائمان إِذْ لَو كَانَ الرّفْع على غير التَّوَهُّم لَكَانَ خليقاً أَن يَجِيء مَعَ ظُهُوره. فَلَمَّا لم يكن كَذَلِك دلّ على أَنهم اعتقدوا أَن الْمَنْصُوب مَرْفُوع فَعَطَفُوا على اللَّفْظ كَمَا قَالَ الشَّاعِر: وَلَا سَابق شَيْئا بالخفض مُتَوَهمًا أَنه قَالَ: لست بمدرك مَا مضى فَلذَلِك جعله سِيبَوَيْهٍ من بَاب الْغَلَط. وَالله أعلم.

انْتهى.

وَكَذَا فِي الْمُغنِي لِابْنِ هِشَام قَالَ: أُجِيب عَنهُ بأمرين: أَحدهمَا: أَنه عطف على توهم عدم ذكر إِن.

وَالثَّانِي: أَنه تَابع لمبتدأ مَحْذُوف أَي: إِنَّك أَنْت وَزيد ذاهبان. وَعَلَيْهِمَا خرج قَوْلهم: إِنَّهُم أَجْمَعُونَ ذاهبون. انْتهى.

وَفِي أمالي الزجاجي الصُّغْرَى: أخبرنَا أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن رستم الطَّبَرِيّ قَالَ: أخبرنَا أَبُو عُثْمَان الْمَازِني قَالَ: قَرَأَ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي وَهُوَ أَمِير الْبَصْرَة على الْمِنْبَر: إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي بِالرَّفْع فَعلم أَنه قد لحن فَبعث إِلَى النَّحْوِيين وَقَالَ لَهُم: خَرجُوا لَهُ وَجها. فَقَالُوا: نعطف بِهِ على مَوضِع إِن لِأَنَّهَا دَاخِلَة على الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. فَأحْسن صلتهم وَلم يرجع عَنْهَا لِئَلَّا يُقَال: لحن الْأَمِير.

وَأخْبرنَا أَبُو إِسْحَاق الزّجاج قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد عَن الْمَازِني قَالَ: حَدثنِي الْأَخْفَش قَالَ: كَانَ أَمِير فِي الْبَصْرَة يقْرَأ على الْمِنْبَر: إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي بِالرَّفْع فصرت إِلَيْهِ ناصحاً لَهُ ومنبهاً فتهددني وأوعدني وَقَالَ: تلحنون أمراءكم ثمَّ عزل وتقلد مُحَمَّد بن)

سُلَيْمَان الْهَاشِمِي فَكَأَنَّهُ تلقنها من فِي الْمَعْزُول فَقلت: هَذَا هاشمي نصيحته وَاجِبَة فجبنت عَنهُ وخشيت أَن يتلقاني بِمثل مَا تَلقانِي بِهِ الأول.

ثمَّ حملت على نَفسِي فَأَتَيْته فَإِذا هُوَ فِي غرفَة لَهُ وَعِنْده أَخُوهُ والغلمان على رَأسه فَقلت: هَذَا. وأومأت إِلَى أَخِيه فَنَهَضَ أَخُوهُ وتفرق الغلمان فَقلت: أصلح الله الْأَمِير أَنْتُم أهل بَيت النُّبُوَّة ومعدن الرسَالَة والفصاحة وتقرأ: إِن الله وَمَلَائِكَته بِالرَّفْع وَهُوَ لحن وَلَا وَجه لَهُ فَقَالَ: جَزَاك الله خيرا قد نبهت وَنَصَحْت فَانْصَرف مشكوراً. فَانْصَرَفت فَلَمَّا صرت فِي نصف الدرجَة إِذا قَائِل يَقُول لي: قف. فوقفت وَخفت أَن يكون أَخُوهُ أغراه بِي فَإِذا بغلة سفواء وَغُلَام وبدرة وتخت ثِيَاب وَقَائِل يَقُول: هَذَا لَك قد أَمر بِهِ الْأَمِير. فَانْصَرَفت مغتبطاً.

انْتهى كَلَامه.

هَذَا وَقد أنْشد سِيبَوَيْهٍ الْبَيْت بِنصب قيار وَأوردهُ فِي بَاب التَّنَازُع من أول الْكتاب مستشهداً بِهِ لتقوية مَا جَازَ من حذف الْمَفْعُول الَّذِي هُوَ فضلَة مُسْتَغْنى عَنْهَا فِي قَوْلهم: ضربت وضربني زيد.

قَالَ السيرافي: يجوز أَن يكون لغريب خبر إِنِّي وَخبر قيار محذوفاً. وَيجوز الْعَكْس. انْتهى.

وَكَذَلِكَ أوردهُ أَبُو زيد فِي نوادره بِالنّصب لَا غير.

قَالَ السكرِي: أَرَادَ: فَإِنِّي لغريب وَإِن قياراً أَيْضا لغريب. وَلَو قَالَ لغريبان كَانَ أَجود.

قَالَ أَبُو عمر:

بَعضهم ينشد فَإِنِّي وقيار بِالرَّفْع وَالنّصب أَجود كَأَنَّهُ أَرَادَ فَإِنِّي لغريب وقيار ثمَّ قدم هَذَا بعد مَا كَانَ مَوْضِعه التَّأْخِير. فعلى هَذَا يجوز الرّفْع. انْتهى مَا فِي نَوَادِر أبي زيد.

وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْمبرد فِي الْكَامِل بِالنّصب وَقَالَ: فَإِن وقياراً بهَا لغريب أَرَادَ: فَإِنِّي لغريب بهَا وقياراً. وَلَو رفع لَكَانَ جيدا. تَقول: إِن زيدا منطلق وعمراً وَعَمْرو. انْتهى.

وَاعْلَم أَن الْعَيْنِيّ قد خبط هُنَا وخلط فَإِن ابْن هِشَام أنْشد الْبَيْت فِي شرح الألفية بِالرَّفْع وَهُوَ قَوْله: فَإِنِّي الضَّمِير اسْم إِن وخبرها مَحْذُوف. وَيُقَال لغريب خبر إِنِّي وقيار مُبْتَدأ وَخَبره مَحْذُوف. وَيُقَال: لغريب خبر عَن الاسمين جَمِيعًا لِأَن فعيلاً يخبر بِهِ عَن الْوَاحِد فَمَا فَوْقه نَحْو: وَالْمَلَائِكَة بعد ذَلِك ظهير.

ورده شيخ شَيْخي الخلخالي بِأَنَّهُ لَا يكون للاثنين وَإِن كَانَ يجوز كَونه للْجمع. وَكَذَلِكَ قَالَ فِي فعول فَقَالَ: لَا يُقَال رجلَانِ صبور وَإِن صَحَّ فِي الْجمع. وَقد قيل فِي قَوْله تَعَالَى: عَن الْيَمين)

وَعَن الشمَال قعيد إِن المُرَاد قعيدان.

ثمَّ كَلَامه يُوهم أَن ذَلِك يُقَال بِالْقِيَاسِ وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا الْمَانِع فِي الْبَيْت من أَن يكون غَرِيب خَبرا عَن الاسمين هُوَ لُزُوم توارد عاملين على الْخَبَر وَإِنَّمَا يَصح هَذَا على رَأْي الْكُوفِيّين. هَذَا كَلَامه.

وَقَوله: خبر إِن مَحْذُوف هَذَا أحد وَجْهي مَا جوزه السيرافي فِي رِوَايَة النصب كَمَا تقدم. وَأما على رِوَايَة الرّفْع فَيتَعَيَّن جعل قَوْله: لغريب خبر إِنِّي وَلَا يجوز أَن يكون خَبرا لقيار لِأَن خبر الْمُبْتَدَأ لَا يجوز أَن يقْتَرن بِاللَّامِ إِلَّا إِذا تقدم على الْمُبْتَدَأ نَحْو: لقائم زيد.

وَقَوله: وَيُقَال لغريب خبر عَن الاسمين جَمِيعًا هَذَا إِنَّمَا يتَصَوَّر على رِوَايَة نصب قيار لَا على رِوَايَة رَفعه. وَفِي بَقِيَّة كَلَامه مَا لَا يخفى على المتأمل.

وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ صَاحب تَلْخِيص الْمِفْتَاح فِي أول بَاب الْمسند على أَنه قد يحذف الْمسند لقصد الِاخْتِصَار والاحتراز عَن الْعَبَث فِي الظَّاهِر مَعَ ضيق الْمقَام بِسَبَب التحسر ومحافظة الْوَزْن.

وَهَذِه النُّكْتَة تجْرِي فِيهِ على رِوَايَة نصب قيار وَرَفعه فَلَا يَنْبَغِي قصرهَا على رِوَايَة الرّفْع كَمَا صنع السعد فِي المطول وَتَبعهُ العباسي فِي معاهد التَّنْصِيص وَكَأَنَّهُ لم تبلغهما رِوَايَة النصب.

وَلَفظ الْبَيْت خبر وَمَعْنَاهُ التحسر على الغربة والتوجع من الْكُرْبَة. وقيار بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره: هُوَ اسْم جملَة. وَنقل عَن الْخَلِيل أَنه اسْم فرس لَهُ غبراء وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب وَقَالَ: هُوَ الْفرس الَّذِي أوطأه ضابئ بعض صبيان أهل الْمَدِينَة حِين أَخذه عُثْمَان وحبسه. وَقيل: اسْم رجل.

قَالَه الْعَيْنِيّ.

والسر فِي تَقْدِيمه على الْأَوَّلين قصد التَّسْوِيَة بَينهمَا فِي التحسر على الاغتراب كَأَنَّهُ أثر فِي غير ذَوي الْعُقُول أَيْضا. وَلَو قَالَ: إِنِّي غَرِيب وقيار لجَاز أَن يتَوَهَّم أَن لَهُ مزية على قيار فِي التأثر عَن الغربة لِأَن ثُبُوت الحكم أَولا أقوى فقدمه لذَلِك. قَالَه السعد.

من يَك أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رهطه بِدُونِ الْفَاء فِي أَوله على الخرم بالراء الْمُهْملَة. وَكَذَا رِوَايَة الْمبرد فِي الْكَامِل. وَهُوَ أول أَبْيَات)

لضابئ بن الْحَارِث البرجمي قَالَهَا وَهُوَ مَحْبُوس بِالْمَدِينَةِ فِي زمن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁.

وَبعده أَبْيَات ثَلَاثَة أوردهَا الْمبرد فِي الْكَامِل وَهِي:

وَمَا عاجلات الطير تدني من الْفَتىنجاحاً وَلَا عَن ريثهن يخيب
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة
وَرب أُمُور لَا تضيرك ضيرةًوللقلب من مخشاتهن وجيب
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة
وَلَا خير فِيمَن لَا يوطن نَفسهعلى نائبات الدَّهْر حِين تنوب
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ولا خير فيمن لا يوطن نفسه»

وَزَاد بعْدهَا بَيْتا ابْن قُتَيْبَة فِي تَرْجَمَة قَائِلهَا من كتاب الشُّعَرَاء وَهُوَ:

وَفِي الشَّك تَفْرِيط وَفِي الحزم قُوَّةويخطئ الْفَتى فِي حدسه ويصيب

وَزَاد بعده بَيْتا أَبُو تَمام فِي مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل وَهُوَ:

وَلست بمستبق صديقا وَلَا أَخاإِذا لم تعد الشَّيْء وَهُوَ يريب
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة

قَوْله: أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْله الرحل: الْمنزل. وَرُوِيَ: رهطه رَهْط الرجل: قومه وقبيلته الأقربون.

وَقَوله: وَمَا عاجلات الطير... إِلَخ قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: يَقُول: إِذا لم تعجل لَهُ طير سانحة فَلَيْسَ ذَلِك بمبعد خَبرا عَنهُ وَلَا إِذا أَبْطَأت خَابَ فعاجلها لَا يَأْتِيهِ بِخَير وآجلها لَا يدْفع عَنهُ إِنَّمَا لَهُ مَا قدر لَهُ. وَالْعرب تزجر على السانح وتتبرك بِهِ وَتكره البارح وتتشاءم بِهِ. والسانح: مَا أَرَاك مياسره فَأمكن الصَّائِد. والبارح: مَا أَرَاك ميامنه فَلم يُمكن الصَّائِد إِلَّا أَن يتحرف لَهُ.

قَالَ الشَّاعِر:

لَا يعلم الْمَرْء لَيْلًا مَا يصبحهإِلَّا كواذب مِمَّا يخبر الفال
والفال والزجر والكهان كلهممضللون وَدون الْغَيْب أقفال

انْتهى.

وَقَالَ ابْن خلف: إِذا خرج الْإِنْسَان من منزله فَأَرَادَ أَن يزْجر الطير فَمَا مر بِهِ فِي أول مَا يبصر فَهُوَ عاجلات الطير. وَإِن أَبْطَأت عَنهُ وانتظرها فقد راثت أَي: أَبْطَأت. وَالْأول عِنْدهم مَحْمُود وَالثَّانِي مَذْمُوم.

يَقُول: لَيْسَ النجح بِأَن يعجل الطَّائِر الطيران كَمَا يَقُول الَّذين يزجرون الطير وَلَا الخيبة فِي إبطائها. وَهَذَا رد على مَذْهَب الْأَعْرَاب.)

وَقَوله: وَرب أُمُور لَا تضيرك... إِلَخ قَالَ الْمبرد: تَقول ضاره يضيره ضيرة وَلَا ضير عَلَيْهِ وَيُقَال: أَصَابَهُ ضرّ بِالضَّمِّ وأصابه ضرّ بِمَعْنى. والضر بِالْفَتْح: مصدر والضر بِالضَّمِّ: اسْم.

وَقد يكون الضّر من الْمَرَض والضر عَاما. وَهَذَا معنى حسن.

وَقد قَالَ أحد الْمُحدثين وَهُوَ أَبُو الْعَتَاهِيَة:

وَقد يهْلك الْإِنْسَان من بَاب أَمنهوينجو بِإِذن الله من حَيْثُ يحذر

وَقَالَ الله ﷿: فَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَيجْعَل الله فِيهِ خيرا كثيرا. انْتهى.

والمخشاة: مصدر ميمي بِمَعْنى الخشية وَهِي الْخَوْف. والوجيب: السُّقُوط والخفقان وَالِاضْطِرَاب.

وَقَوله: وَلَا خير فِيمَن لَا يوطن نَفسه قَالَ الْمبرد: نَظِيره قَول كثير:

أَقُول لَهَا يَا عز كل مُصِيبَةإِذا وطنت يَوْمًا لَهَا النَّفس ذلت

وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان يَقُول: لَو كَانَ هَذَا الْبَيْت فِي صفة الْحَرْب لَكَانَ أشعر النَّاس.

وَحكي عَن بعض الصَّالِحين أَن ابْنا لَهُ مَاتَ فَلم ير بِهِ جزع فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: هَذَا أَمر كُنَّا نتوقعه فَلَمَّا وَقع لم ننكره.

وَقَوله: إِذا لم تعد الشَّيْء أَي: إِذا لم تتعده وتتجاوزه. ويريب من أراب الشَّيْء إِذا أوقع فِي رِيبَة وشبهة.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»