تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

إِنِّي إِذا خفيت نَار لمرملة

فيه ١٣ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وانشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد س:

إِنِّي إِذا خفيت نَار لمرملةألفى بأرفع تل رَافعا نَارِي
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «عودت قومي إذا ما الضيف نبهني»
ذَاك وَإِنِّي على جاري لذُو حدبأحنو عَلَيْهِ بِمَا يحنى على الْجَار
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «عودت قومي إذا ما الضيف نبهني»

على أَن إِن فِي هَذَا الْبَيْت لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْكسر.

قَالَ سِيبَوَيْهٍ: تَقول ذَاك وَأَن لَك عِنْدِي مَا أَحْبَبْت. وَقَالَ ﷿: وذلكم وَأَن الله موهن كيد الْكَافرين وَقَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ: ذَلِكُم فذقوه وَأَن للْكَافِرِينَ عَذَاب النَّار. وَذَلِكَ لِأَنَّهَا شركت ذَلِك فِيمَا حمل عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ: الْأَمر ذَلِك وَأَن الله.

وَلَو جَاءَت مُبتَدأَة لجازت يدلك على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ذَلِك وَمن عاقب

بِمثل مَا عُوقِبَ بِهِ وَلَيْسَ مَحْمُولا على مَا حمل عَلَيْهِ ذَلِك فَكَذَلِك يجوز أَن تكون إِن مُنْقَطِعَة من ذَلِك.

قَالَ الْأَحْوَص:

عودت قومِي إِذا مَا الضَّيْف نبهنيعقر العشار على عسري وإيساري
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «عودت قومي إذا ما الضيف نبهني»

إِنِّي إِذا خفيت نَار لمرملة...... إِلَى آخر الشّعْر فَهَذَا لَا يكون إِلَّا مستأنفاً غير مَحْمُول على مَا حمل عَلَيْهِ ذَاك. فَهَذَا أَيْضا يُقَوي ابْتِدَاء إِن فِي الأول. انْتهى.)

قَالَ النّحاس: إِنَّمَا لم يجز فِي إِن هَاهُنَا إِلَّا الْكسر لِأَن بعْدهَا اللَّام كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِن رَبهم بهم يَوْمئِذٍ لخبير.

وَقَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي كسر إِن لدُخُول لَام التَّأْكِيد وَلَو لم تدخل لفتحت حملا على مَا قبلهَا. انْتهى.

وَلما كَانَ سِيبَوَيْهٍ فِيهِ بعض خَفَاء لخصه الشَّارِح الْمُحَقق وأوضحه. وَذَلِكَ أَن مُحَصل كَلَام سِيبَوَيْهٍ جَوَاز الْوَجْهَيْنِ فِي إِن الْمَذْكُورَة وَقد جَاءَ على الْفَتْح وَهُوَ أحد الجائزين من قَوْله تَعَالَى: ذَلِكُم وَأَن الله موهن كيد الْكَافرين وَقَوله تَعَالَى: ذَلِكُم فذقوه وَأَن للْكَافِرِينَ عَذَاب النَّار.

فاسم الْإِشَارَة فِي الْآيَة الأولى خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف التَّقْدِير: الْأَمر ذَلِكُم وَأَن مَعَ معموليها فِي تَأْوِيل مصدر مَرْفُوع مَعْطُوف على ذَلِك وَقد شاركته أَن مَعَ معموليها فِي الخبرية للمبتدأ الْمُقدر.

وَهَذَا معنى قَول سِيبَوَيْهٍ: وَذَلِكَ لِأَنَّهَا شركت ذَلِك فِيمَا حمل عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ: الْأَمر ذَلِك وَأَن الله.

قَالَ الْبَيْضَاوِيّ: ذَلِكُم إِشَارَة إِلَى الْبلَاء الْحسن أَو الْقَتْل أَو الرَّمْي وَمحله الرّفْع: أَي: الْمَقْصُود أَو الْأَمر ذَلِكُم. وَقَوله تَعَالَى: وَأَن الله... إِلَخ مَعْطُوف عَلَيْهِ أَي: الْمَقْصُود إبلاء الْمُؤمنِينَ وتوهين وَهَذَا يكون من عطف الْمُفْردَات. وَأما قَول الشَّارِح الْمُحَقق: أَي: الْأَمر ذَلِكُم وَالْأَمر أَيْضا أَن الله موهن فتكرير الْمُبْتَدَأ للإيضاح لَا أَنه من عطف الْجمل.

ثمَّ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلَو جَاءَت مُبتَدأَة لجازت.. إِلَخ يُرِيد: لَو جَاءَت إِن بعد اسْم الْإِشَارَة مَكْسُورَة كَمَا تكسر فِي ابْتِدَاء الْكَلَام لجازت. وَهَذَا الْوَجْه الثَّانِي من الجائزين وَقد جَاءَ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: هَذَا ذكر وَإِن لِلْمُتقين لحسن مآب وَقَوله تَعَالَى: هَذَا وَإِن للطاغين لشر مآب فَذَلِك فِي الأولى وَهَذَا فِي الثَّالِثَة خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: الْأَمر ذَلِك وَالْأَمر هَذَا.

وَجُمْلَة إِن معطوفة على الْجُمْلَة قبلهَا فِي الثَّلَاث وَهَذَا من عطف الْجمل وَلَيْسَ من الْعَطف على اسْم الْإِشَارَة حَتَّى تشاركه فِي الخبرية.

وَمثل هَذِه الْآيَات قَول الشَّاعِر: ذَاك وَإِنِّي على جاري لذُو حدب فَذَاك: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: شأني ذَاك وأمري ذَاك. وَجُمْلَة: إِنِّي على)

جاري... إِلَخ معطوفة على الْجُمْلَة قبلهَا.

وَيدل على أَن هَذَا من عطف الْجمل قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْحَج: ذَلِك وَمن عاقب بِمثل مَا عُوقِبَ بِهِ ثمَّ بغي عَلَيْهِ لينصرنه الله فَقَوله: لينصرنه الله جَوَاب قسم مُقَدّر وَجُمْلَة الْقسم الْمُقدر مَعَ جَوَابه خبر من عاقب... إِلَخ وَجُمْلَة: من

عاقب... إِلَخ معطوفة على الْجُمْلَة الْمَحْذُوف مبتدؤها أَي: الْأَمر ذَلِك وَمن عاقب... إِلَخ. فالبيت الْمَذْكُور مثل هَذِه الْآيَة فِي الْإِعْرَاب.

وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: فالجملة القسمية عطف على الْجُمْلَة الْمُقدمَة فِيهِ مُسَامَحَة وَأَرَادَ الْجُمْلَة الَّتِي خبر مبتدئها جملَة قسمية.

ولنرجع إِلَى شرح الأبيات فَنَقُول: قَوْله: عودت قومِي... إِلَخ أَرَادَ بقوله: نبهني: طرقني لَيْلًا فنبهني.

وعقر: الْمَفْعُول الثَّانِي لعود ومفعوله الأول: قومِي وَهُوَ مصدر عقرت الْبَعِير من بَاب ضرب إِذا ضربت قوائمه بِالسَّيْفِ.

وَلَا يكون الْعقر فِي غير القوائم وَرُبمَا قيل: عقره إِذا نَحره. والعشار: جمع عشراء وَهِي النَّاقة الَّتِي أَتَى على حملهَا عشرَة أشهر وَمثله نِفَاس جمع نفسَاء. وَلَا ثَالِث لَهما.

والعشار عِنْد الْعَرَب أعز الْإِبِل فذبحها للضيف يكون غَايَة فِي الْجُود وَالْإِكْرَام. وَقَوله: على عسري وإيساري أَي: أعقرها على كل حَالَة سَوَاء كنت مُعسرا أَو مُوسِرًا.

والعسر: الْفقر وَهُوَ اسْم للإعسار. يُقَال: أعْسر الرجل إِذا افْتقر. والإيسار: مصدر أيسر وَقَوله: إِنِّي إِذا خفيت... إِلَخ ألفى جَوَاب إِذا وَجُمْلَة: إِذا خفيت... إِلَخ خبر إِنِّي.

قَالَ الأعلم: قَوْله أَن بِالْفَتْح مَحْمُول على الْبَدَل من الْعقر لِأَن عقر العشار مُشْتَمل على إيقاد النَّار ودال عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: عودت قومِي أَنِّي أوقد النَّار للطارق. وَكسر إِن هَاهُنَا أَجود على الِاسْتِئْنَاف وَالْقطع. والمرملة: الْجَمَاعَة الَّتِي نفذ زَادهَا. وَرجل مرمل: لَا شَيْء لَهُ مُشْتَقّ من الرمل كَأَنَّهُ لَا يملك غَيره كَمَا يُقَال: ترب الرجل إِذا افْتقر. يُقَال: أرمل الرجل إِذا نفذ زَاده وافتقر فَهُوَ مرمل.

وَجَاء أرمل على غير قِيَاس وَالْجمع أرامل.

وأرملت الْمَرْأَة فَهِيَ أرملة للَّتِي لَا زوج لَهَا لافتقارها إِلَى من ينْفق عَلَيْهَا.)

وَقَالَ الْأَزْهَرِي: لَا يُقَال لَهَا أرملة إِلَّا إِذا كَانَت فقيرة فَإِن كَانَت موسرة فَلَيْسَتْ بأرملة. وَالْجمع أرامل. وألفى بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول من ألفيته إِذا وجدته مُتَعَدٍّ لمفعولين: أَحدهمَا: نَائِب الْفَاعِل وَهُوَ ضمير الْمُتَكَلّم وَثَانِيهمَا: قَوْله رَافعا. والتل: مَا ارْتَفع من الأَرْض. وَإِيقَاد النَّار فِي الْأَمَاكِن الْعَالِيَة من أَخْلَاق الْكِرَام حَتَّى يَهْتَدِي الضَّيْف إِلَيْهِ فِي اللَّيْل المظلم وَيَأْتِي.

يَقُول: إِذا خفيت نَار غَيْرِي بِأَن لَا توقد فِي أَيَّام الجدب والقحط فَأَنا أوقدها فِي تِلْكَ الْأَيَّام.

وَقَوله: ذَاك إِشَارَة إِلَى عقر العشار وَإِيقَاد النَّار. فَإِن قلت: كَيفَ أُشير بِذَاكَ إِلَى اثْنَيْنِ قلت: صَحَّ لِأَنَّهُ بِتَأْوِيل مَا ذكر. وَكَذَا قَوْله: عوان بَين ذَلِك أَي: بَين الفارض وَالْبكْر. وذَاك: خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: شأني وأمري ذَاك.

وَجُمْلَة: إِنِّي لذُو حدب: معطوفة على الْجُمْلَة الْمَحْذُوف صدرها وَأوجب كسر إِن هُنَا لوُجُود اللَّام فِي الْخَبَر ولولاها لجَاز فتح إِن وَكَانَت مؤولة مَعَ معموليها بمصدر مَرْفُوع مَعْطُوف على ذَاك عطف مُفْرد على مُفْرد. والحدب بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالدَّال: مصدر حدب عَلَيْهِ كفرح إِذا عطف عَلَيْهِ وأحنو خبر بعد خبر والحنو بِمَعْنى الحدب.

فِي الْمِصْبَاح: حنت الْمَرْأَة على وَلَدهَا تحنى وتحنو حنواً: عطفت وأشفقت فَلم تتَزَوَّج بعد أَبِيهِم. وَقَوله: بِمَا يحنى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول.

والأحوص بمهملتين شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس والثمانين من أَوَائِل الْكتاب.

وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد س: أحقاً أَن أخطلكم هجاني على أَن حَقًا فِي معنى الظّرْف فَأن مَعَ معموليها مؤولة بمصدر فَاعل لثبت محذوفاً أَو فَاعل للظرف على الْخلاف فِي نَحْو: أعندك زيد أَو مُبْتَدأ مُؤخر والظرف قبله خبر.

وَإِنَّمَا قَالَ فِي معنى الظّرْف لِأَنَّهُ ظرف مجازي مُشْتَمل على الْمُحَقق كاشتمال الظّرْف على المظروف. وَالدَّلِيل على أَنه جَار مجْرى الظّرْف وُقُوعه خَبرا عَن الْمصدر دون الجثة كَمَا أَن)

ظرف الزَّمَان كَذَلِك.

قَالَ الأعلم: جَازَ وُقُوعه ظرفا وَهُوَ مصدر فِي الأَصْل لما بَين الْفِعْل وَالزَّمَان من المضارعة وَكَأَنَّهُ على حذف الْوَقْت وَإِقَامَة الْمصدر مقَامه كَمَا قَالُوا: أَتَيْتُك خفوق النَّجْم فَكَأَن تَقْدِيره: أَفِي وَقت حق. انْتهى.

وَهَذَا الْوَجْهَانِ معروفان فِي الظّرْف الْمُعْتَمد. هَذَا إِن كَانَ حَقًا مَنْصُوبًا على الْمصدر فَأن فَاعل لَا غير تَقول: أحقاً أَنَّك ذَاهِب أَي: أَحَق ذَلِك حَقًا. فقولك: حق فعل مَاض هُوَ الناصب لَحقا وَأَن فَاعل الْمصدر أَو فَاعل الْفِعْل على الْخلاف فِيهِ والهمزة للاستفهام.

فَإِن قلت: إِذا كَانَ حَقًا تَفْسِيرا لأما فَمن أَيْن جَاءَ الِاسْتِفْهَام حَتَّى قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: أَي: قلت: تَفْسِيرهَا بحقاً أحد قَوْلَيْنِ وَالثَّانِي: أَنَّهَا بِمَعْنى أحقاً مَعَ همزَة الِاسْتِفْهَام وَهُوَ الصَّحِيح.

فَإِن قلت: ظَاهر أما أَنَّهَا حرف فَكيف تكون بِمَعْنى حَقًا أَو أحقاً وَكَيف تكون أَن فِي قَوْلهم: أما أَنَّك قَائِم فَاعِلا أَو مُبْتَدأ قلت: قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ بَعضهم: هِيَ اسْم بِمَعْنى حَقًا وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ كلمتان الْهمزَة للاستفهام ومَا اسْم بِمَعْنى شَيْء حق فَالْمَعْنى أحقاً.

وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب وَمَوْضِع مَا النصب على الظَّرْفِيَّة كَمَا انتصب حَقًا على ذَلِك فِي نَحْو قَوْله: أحقاً أَن جيرتنا استقلوا وَهُوَ قَول سِيبَوَيْهٍ وَهُوَ الصَّحِيح بِدَلِيل قَوْله: أَفِي الْحق أَنِّي مغرم بك هائم فَأدْخل عَلَيْهَا فِي وَأَن وصلتها: مُبْتَدأ والظرف: خَبره. وَقَالَ الْمبرد: حَقًا مصدر لحق محذوفاً وَأَن وصلتها: فَاعل. انْتهى.

وَوجه الصَّوَاب فِي كَونهَا بِمَعْنى أحقاً: أَنَّك إِذا قلت: أما أَنَّك قَائِم فِيهِ معنى الِاسْتِفْهَام فَلَو كَانَ أما مجموعها بِمَعْنى حَقًا لزم إِمَّا أَن لَا يكون اسْتِفْهَام وَهُوَ خلاف الْمَعْنى وَإِمَّا أَن يقدر أداته دَائِما.

وَيرد أَنه لم يلفظ بِهِ مَعهَا فِي وَقت قطّ مَعَ أَن حذف الْهمزَة بِدُونِ أَن شَاذ عِنْد سِيبَوَيْهٍ ضَرُورَة عِنْد غَيره وَكلهَا بعيدَة عَن الصَّوَاب.

وَإِذا كَانَت مركبة من الْهمزَة وَمَا كَانَ كل معنى مستفاداً من لَفظه الْمَوْضُوع لَهُ. ومَا هَذِه)

نكرَة تَامَّة لَا تحْتَاج إِلَى صفة أَو صلَة عَامَّة بِمَعْنى شَيْء وَمن مَا صدقاتها حق. وَلذَلِك قَالَ: بِمَعْنى شَيْء وَذَلِكَ حق وَلم يقل ابْتِدَاء بِمَعْنى حق.

وَلَيْسَت التَّامَّة الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: إِن تبدوا الصَّدقَات فنعمل هِيَ لِأَنَّهَا بِمَعْنى الشَّيْء خلافًا لِابْنِ الملا فَإِنَّهُ زعم أَنَّهَا كَالَّتِي فِي الْآيَة وَقَالَ: أَي فَنعم شَيْئا هِيَ. فَأَخْطَأَ فِي موضِعين.

وَإِذا كَانَ مَجْمُوع أما بِمَعْنى حَقًا غير صَوَاب فَمَا الظَّن بالْقَوْل بحرفيتها قَالَ ابْن هِشَام: وَهِي حرف عِنْد ابْن خروف وَجعلهَا مَعَ أَن ومعموليها كلَاما تركب من حرف وَاسم كَمَا قَالَ الْفَارِسِي فِي: يَا زيد. انْتهى.

وَهَذَا بعيد عَن الصَّوَاب بمراحل كَمَا لَا يخفى.

وَقَول ابْن هِشَام: وَأَن وصلتها: مُبْتَدأ والظرف: خَبره هَذَا مَرْجُوح وَالرَّاجِح كَونه فَاعِلا للظرف أَو لثبت محذوفاً. وَمَا نَقله عَن الْمبرد هُوَ الْمَشْهُور.

وَزعم الْعَيْنِيّ أَن مذْهبه كَون حَقًا صفة لمصدر مَحْذُوف أَي: أهجاني أخطلكم هجواً حَقًا.

وَفِي التَّذْكِرَة القصرية: قلت لأبي عَليّ: قَوْله: أحقاً أَن أخطلكم هجاني يدل على أَن حَقًا بِمَعْنى: أَفِي الْحق لِأَنَّهُ لَيْسَ يُرِيد أتحقون حَقًا أَن أخطلكم هجاني وَإِنَّمَا يُرِيد أَفِي الْحق أَي: أخبروني هَل هجاني أخطلكم وَلَيْسَ يُرِيد: أتحقون هَذَا الْخَبَر فَلم يُنكر أَبُو عَليّ هَذَا وَصَححهُ وَصَوَّبَهُ. انْتهى.

وَبِهَذَا يعلم أَنه لَيْسَ الْمَعْنى أهجاني هجواً حَقًا.

وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ وَفِيه فَوَائِد كَثِيرَة قَالَ فِي بَاب من أَبْوَاب إِن تكون أَن فِيهِ مَبْنِيَّة على مَا قبلهَا: وَذَلِكَ قَوْلك: أحقاً أَنَّك ذَاهِب وَالْحق أَنَّك ذَاهِب وَكَذَلِكَ: أأكبر ظَنك أَنَّك ذَاهِب وأجهد رَأْيك أَنَّك ذَاهِب. وَكَذَلِكَ هما فِي الْخَبَر.

وَسَأَلت الْخَلِيل ﵀ فَقلت لَهُ: مَا مَنعهم أَن يَقُولُوا: أحقاً إِنَّك ذَاهِب على الْقلب. كَأَنَّك قلت: إِنَّك ذَاهِب حَقًا وَإنَّك ذَاهِب الْحق فَقَالَ: لِأَن إِن لَا تبتدأ فِي كل مَوضِع وَلَو جَازَ هَذَا لجَاز يَوْم الْجُمُعَة إِنَّك ذَاهِب تُرِيدُ إِنَّك ذَاهِب يَوْم الْجُمُعَة. ولقلت أَيْضا: لَا محَالة إِنَّك ذَاهِب تُرِيدُ: إِنَّك لَا محَالة ذَاهِب.

فَلَمَّا لم يجز ذَلِك حملوه على أَحَق أَنَّك ذَاهِب وأفي أكبر ظَنك أَنَّك ذَاهِب وَصَارَت أَن مَبْنِيَّة عَلَيْهِ كَمَا تبني الرحيل على غَد إِذا قلت: غَدا الرحيل. وَالدَّلِيل على ذَلِك إنشاد الْعَرَب كَمَا أَخْبَرتك. زعم يُونُس أَنه سمع الْعَرَب يَقُولُونَ فِي بَيت الْأسود بن يعفر:

أحقا بنى سلمى بن جندل... تهددكم اياى وسط الْمجَالِس فَزعم الْخَلِيل أَن التهدد هُنَا بِمَنْزِلَة الرحيل بعد غَد وَأَن أَن بِمَنْزِلَتِهِ وموضعه كموضعه.

وَنَظِير أحقاً أَنَّك ذَاهِب من أشعار الْعَرَب قَول الْعَبْدي:

أحقاً أَن جيرتنا استقلوافنيتنا ونيتهم فريق

وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة:

أألحق إِن دَار الربَاب تَبَاعَدتأَو انبت حَبل أَن قَلْبك طَائِر

وَقَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي:

أَلا أبلغ بني خلف رَسُولاأحقاً أَن أخطلكم هجاني
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «فمن يك سائلا عني فإني»

فَكل هَذِه الْبيُوت سمعناها من أهل الثِّقَة هَكَذَا وَالرَّفْع فِي جَمِيع هَذَا جيد قوي. وَذَلِكَ أَنَّك إِن شِئْت قلت: أَحَق أَنَّك ذَاهِب وأأكبر ظَنك أَنَّك منطلق تجْعَل الآخر هُوَ الأول. انْتهى.

يُرِيد أَنَّك تجْعَل أَن مُبْتَدأ مُؤَخرا وَمَا قبلهَا خَبرا مقدما.

وَقد تقدم مَا يتَعَلَّق بِهِ فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتِّينَ فِي بَاب الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر. وَقَوله:

أَلا أبلغ بني خلف رَسُولاأحقاً أَن أخطلكم هجاني
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «فمن يك سائلا عني فإني»

الأخطل هُنَا هُوَ الشَّاعِر الْمَشْهُور النَّصْرَانِي وَكَانَت بَينه وَبَين النَّابِغَة الْجَعْدِي الصَّحَابِيّ مهاجاة.

وَبَنُو خلف: رَهْط الأخطل من بني تغلب. وَرُوِيَ:

وجشم بِضَم الْجِيم وَفتح الشين الْمُعْجَمَة من بني تغلب أَيْضا. قَالَ الأعلم: الرَّسُول هَاهُنَا بِمَعْنى الرسَالَة وَهُوَ مِمَّا جَاءَ على فعول كَالْوضُوءِ وَالطهُور. ونظيرها الألوك وَهِي الرسَالَة أَيْضا. انْتهى.

وَقَالَ ابْن هِشَام فِي شرح أَبْيَات ابْن النَّاظِم: رَسُولا حَال من الْفَاعِل أَو اسْم للمصدر أَو بِمَعْنى الرسَالَة مثلهَا فِي قَوْله:

لقد كذب الواشون مَا بحت عِنْدهمبليلى وَلَا أرسلتهم برَسُول
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ألا حييا ليلى أجد رحيلي»

فَيكون مَفْعُولا ثَانِيًا. وَلَو منع مَانع مَجِيء رَسُول بِمَعْنى الرسَالَة محتجاً بِأَنَّهُم لم يستندوا فِي ذَلِك إِلَّا إِلَى هَذَا الْبَيْت وَهُوَ مُحْتَمل للوصفية على أَنه حَال لم يحسن لِأَنَّهُ يلْزم عَنهُ كَون الْحَال مُؤَكدَة لعاملها لفظا وَمعنى ومجيء فعول للْجَمَاعَة وَزِيَادَة الْبَاء فِي الْحَال.

وَهَذِه وَإِن كَانَت أموراً ثَابِتَة نَحْو: وأرسلناك للنَّاس رَسُولا وَنَحْو: فَإِنَّهُم عَدو لي وَنَحْو:

فَمَا رجعت بخائبة ركابحَكِيم بن الْمسيب مُنْتَهَاهَا
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة

)

إِلَّا أَن اجتماعها بعيد. انْتهى.

وَقد أَخذ الْعَيْنِيّ هَذَا الْكَلَام بإخلال فِيهِ وَلم يعزه إِلَيْهِ.

وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ ابْن النَّاظِم فِي شرح الألفية على أَنه إِذا غلب الِاسْم بِالْألف وَاللَّام لم يجز نَزعهَا مِنْهُ إِلَّا فِي نِدَاء

نَحْو: يَا نَابِغَة وَيَا أخطل أَو إِضَافَة نَحْو: نَابِغَة بني ذبيان وأخطلكم فِي هَذَا الْبَيْت.

والاستفهام هُنَا للتقرير وَمَعْنَاهُ حملك الْمُخَاطب على الْإِقْرَار وَالِاعْتِرَاف بِأَمْر قد اسْتَقر عِنْده ثُبُوته أَو نَفْيه.

وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الْهمزَة للإنكار التوبيخي فَيَقْتَضِي تحقق مَا بعْدهَا وَأَن فَاعله ملوم على ذَلِك وَكِلَاهُمَا خارجان عَن الِاسْتِفْهَام الْحَقِيقِيّ.

وَالْبَيْت من قصيدة للنابغة الْجَعْدِي هجا بهَا الأخطل وَبني سعد بن زيد مَنَاة ومدح بهَا كَعْب بن جعيل لقضائه لَهُ على بني سعد.

وَبعده:

فلولا أَن تغلب رَهْط أُمِّيوَكَعب وَهُوَ مني ذُو مَكَان
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «فمن يك سائلا عني فإني»
تراجمنا بصدر القَوْل حَتَّىنصير كأننا فرسا رهان
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «فمن يك سائلا عني فإني»

ومطلع القصيدة:

وظل لنسوة النُّعْمَان مناعلى سفوان بوم أروناني
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «فمن يك سائلا عني فإني»
فأعتقنا حليلته وَجِئْنَابِمَا قد كَانَ جمع من هجان

وسفوان بِالتَّحْرِيكِ: اسْم مَاء. وأروناني: شَدِيد. والحليلة: الزَّوْجَة. والهجان: كرائم الْأَمْوَال وَأَشْرَفهَا.

وترجمة النَّابِغَة الْجَعْدِي تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّادِس والثمانين بعد الْمِائَة.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»