تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الثَّمَانمِائَة

فيه ٣٣ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

فَقلت: ادْع أُخْرَى وارفع الصَّوْت جهرةً لَعَلَّ أبي المغوار مِنْك قريب على أَن لَعَلَّ فِي لُغَة عقيل جَارة كَمَا فِي الْبَيْت. وَلَهُم فِي لامها الأولى الْإِثْبَات والحذف وَفِي الثَّانِيَة الْفَتْح وَالْكَسْر.

قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: حكى أَبُو زيد أَن لُغَة عقيل لَعَلَّ زيد منطلق بِكَسْر اللَّام الْآخِرَة من لَعَلَّ وجر زيد.

قَالَ كَعْب بن سعد الغنوي:

(فَقلت ادْع أُخْرَى وارفع الصَّوْت ثَانِيًا... لَعَلَّ أبي المغوار...... الْبَيْت)

وَقَالَ أَبُو الْحسن: ذكر أَبُو عُبَيْدَة أَنه سمع لَام لَعَلَّ مَفْتُوحَة فِي لُغَة من يجر فِي قَول الشَّاعِر: انْتهى.

وَنقل ابْن مَالك وَغَيره اللغتين الْأُخْرَيَيْنِ فِي عل كَمَا نقل الشَّارِح الْمُحَقق. وَعقيل بِالتَّصْغِيرِ: أَبُو قَبيلَة وَهُوَ عقيل بن كَعْب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالصَّاد الْمُهْملَة بعْدهَا فَاء ابْن قيس بن عيلان بن مُضر. كَذَا فِي جمهرة الْكَلْبِيّ.

وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَهِي مشكلة لِأَن جرها عمل مُخْتَصّ بالحروف... إِلَخ أَقُول: لَا إِشْكَال فَإِنَّهَا مَوْضُوعَة بوضعين: فَهِيَ مَوْضُوعَة عِنْد قوم لعمل النصب

وَالرَّفْع مَعًا وَعند قوم أخر لعمل الْجَرّ كوضع لفظ لأمرين مُخْتَلفين. فعملهما للرفع والجر بوضعين لَا بِوَضْع وَاحِد خلافًا للشَّارِح فِي قَوْله: وَكَون حرف عَامل عمل الْحُرُوف وَالْأَفْعَال فِي حَالَة وَاحِدَة مِمَّا لم يثبت.

وَإِن أَرَادَ من الْحَالة الْوَاحِدَة كَونهَا لِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ الترجي فِي العملين فَلَا بدع وَلها نَظَائِر مِنْهَا: خلا وَعدا وحاشا فِي الِاسْتِثْنَاء فَإِنَّهَا تكون تَارَة فعلا فَترفع وتنصب وَتارَة حرفا فتجر وَالْمعْنَى فِي العملين وَاحِد.

وَإِن أَرَادَ الحرفية فِي العملين فَمَمْنُوع أَيْضا فَإِن لات تعْمل عمل لَيْسَ وَتَكون حرف جر أَيْضا وَهِي حرف فِي العملين.

بل فِي عمل لَعَلَّ الْجَرّ إدخالها فِي قَوْلهم: مَا اخْتصَّ بقبيل وَلم يكن كالجزء مِنْهُ حَقه أَن يعْمل الْعَمَل الْخَاص بِهِ. فَفِيهِ مُرَاجعَة أصل مرفوض. وَإِنَّمَا خرجت مَعَ أخواتها عَن هَذَا الأَصْل لشبهها)

بِالْفِعْلِ وَلذَلِك قَالَ الْجُزُولِيّ: وَقد جروا بلعل منبهة على الأَصْل.

وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَأَيْضًا الْجَار لَا بُد لَهُ من مُتَعَلق وَلَا مُتَعَلق هَا هُنَا.. إِلَخ أَقُول: هِيَ من جملَة حُرُوف جر لَا تتَعَلَّق بِشَيْء.

قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: اعْلَم أَن مجرور لَعَلَّ فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ لتنزيل لَعَلَّ منزلَة الْجَار الزَّائِد فِي نَحْو: بحسبك دِرْهَم بِجَامِع مَا بَينهمَا من عدم التَّعَلُّق بعامل.

وَقَوله:

قريب خبر ذَلِك الْمُبْتَدَأ. وَمثله لولاي لَكَانَ كَذَا على قَول سِيبَوَيْهٍ إِن لَوْلَا جَارة وقولك: رب رجل يَقُول ذَلِك وَنَحْوه. انْتهى. وَقد ذكر فِي الْبَاب الثَّالِث مِنْهُ الْحُرُوف الَّتِي لَا تتَعَلَّق بِشَيْء قَالَ: يَسْتَثْنِي من قَوْلنَا: لَا بُد لحرف الْجَرّ من مُتَعَلق سِتَّة أُمُور: أَحدهَا: الْحَرْف الزَّائِد كالباء وَمن فِي قَوْله: وَكفى بِاللَّه شَهِيدا وهَل من خَالق غير الله.

وَذَلِكَ لِأَن معنى التَّعَلُّق الارتباط الْمَعْنَوِيّ. وَالْأَصْل أَن أفعالاً قصرت عَن الْوُصُول إِلَى الْأَسْمَاء فأعينت على ذَلِك بحروف الْجَرّ وَالزَّائِد إِنَّمَا

دخل فِي الْكَلَام تَقْوِيَة لَهُ وتوكيداً وَلم يدْخل للربط.

الثَّانِي: لَعَلَّ فِي لُغَة عقيل لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْحَرْف الزَّائِد. أَلا ترى أَن مجرورها فِي مَوضِع رفع لَعَلَّ أبي المغوار مِنْك قريب وَلِأَنَّهَا لم تدخل لتوصيل عَامل بل لإِفَادَة معنى التوقع. ثمَّ إِنَّهُم جروا بهَا منبهةً على أَن الأَصْل فِي الْحُرُوف المختصة بِالِاسْمِ أَن تعْمل الْإِعْرَاب الْمُخْتَص بِهِ كحروف الْجَرّ.

الثَّالِث: لَوْلَا فِيمَن قَالَ: لولاي ولولاك ولولاه على قَول سِيبَوَيْهٍ: أَن لَوْلَا جَارة للضمير فَإِنَّهَا أَيْضا بِمَنْزِلَة لَعَلَّ فِي أَن مَا بعْدهَا مَرْفُوع الْمحل بِالِابْتِدَاءِ فَإِن لَوْلَا الامتناعية تستدعي جملتين كَسَائِر أدوات التَّعْلِيق.

وَالرَّابِع: رب فِي نَحْو: رب رجل صَالح لَقيته أَو لقِيت لِأَن مجرورها مفعول فِي الثَّانِي ومبتدأ فِي الأول أَو مفعول على حد: زيدا ضَربته وَيقدر الناصب بعد الْمَجْرُور لَا قبل الْجَار لِأَن رب لَهَا الصَّدْر من بَين حُرُوف الْجَرّ وَإِنَّمَا دخلت فِي المثالين لإِفَادَة التكثير أَو التقليل لَا لتعدية عَامل.

الْخَامِس: كَاف التَّشْبِيه قَالَه الْأَخْفَش وَابْن عُصْفُور مستدلين بِأَنَّهُ إِذا قيل: زيد كعمرو فَإِن كَانَ الْمُتَعَلّق اسْتَقر فالكاف لَا تدل عَلَيْهِ وَإِن كَانَ فعلا مناسباً للكاف وَهُوَ أشبه فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ. وَالْحق أَن جَمِيع الْحُرُوف الجارة الْوَاقِعَة فِي مَوضِع الْخَبَر وَنَحْوه تدل على الِاسْتِقْرَار.)

السَّادِس: حُرُوف الِاسْتِثْنَاء وَهِي: خلا وَعدا وحاشا إِذا خفضن فَإِنَّهُنَّ لتنحية الْفِعْل عَمَّا دخلن عَلَيْهِ كَمَا أَن إِلَّا كَذَلِك وَذَلِكَ عكس معنى التَّعْدِيَة وَهُوَ إِيصَال معنى الْفِعْل إِلَى الِاسْم.

انْتهى بِاخْتِصَار.

وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق وَفِي الْبَيْت الَّذِي أنشدناه: إِن رُوِيَ بِفَتْح اللَّام الْأَخِيرَة

يحْتَمل أَن يُقَال: اسْم لَعَلَّ وَهُوَ ضمير الشَّأْن مُقَدّر... إِلَخ وَيكون لأبي المغوار خبر مقدم وَقَرِيب: مُبْتَدأ مُؤخر بِتَقْدِير مَوْصُوف ومنك حَال من ضمير قريب وَالْجُمْلَة: خبر ضمير الشَّأْن. وَهَذَا قَول ابْن عُصْفُور قَالَ فِي شرح الْجمل: وَاسْتدلَّ الَّذِي ذهب إِلَى أَن لَعَلَّ مَفْتُوحَة اللَّام من حُرُوف الْخَفْض بقوله: لَعَلَّ أبي المغوار.

وَهَذَا لَا حجَّة فِيهِ عِنْدِي لإنه قد اسْتَقر فِي لَعَلَّ الْمَفْتُوحَة اللَّام أَن تنصب وترفع فَإِن أمكن إبقاؤها على مَا اسْتَقر فِيهَا كَانَ أولى. وَقد أمكن ذَلِك بِأَن يكون اسْم لَعَلَّ ضمير الشَّأْن محذوفاً يُرِيد لَعَلَّه على حد حذفه فِي قَول الآخر:...

(إِن من لَام فِي بني بنت حسا... ن............ الْبَيْت)

وَيكون أبي المغوار مخفوضاً بِحرف جر مَحْذُوف لفهم الْمَعْنى تَقْدِيره: لَعَلَّ لأبي المغوار مِنْك جَوَاب قريب.

وَنَظِيره قَول الآخر: لاه ابْن عمك يُرِيد: لله ابْن عمك وَيكون قريب صفة مَوْصُوف مَحْذُوف.

وَحمله على هَذَا أولى وَإِن كَانَ فِيهِ ضرورتان: حذف ضمير الشَّأْن وَحذف حرف الْجَرّ وإبقاء عمله.

وَاسْتدلَّ الَّذِي ذهب إِلَى أَن لَعَلَّ الْمَكْسُورَة اللَّام حرف جر بقوله: لَعَلَّ الله فَضلكُمْ علينا.......... الْبَيْت بخفض اسْم الله. وَهَذَا عِنْدِي يَنْبَغِي أَن يحمل على ظَاهره لِأَنَّهُ لم يسْتَقرّ فِي الْمَكْسُورَة اللَّام عمل النصب وَالرَّفْع. انْتهى كَلَامه.

وَكَأَنَّهُ لم يبلغهُ فتح لَام الجارة عَن أبي عُبَيْدَة كَمَا نَقَلْنَاهُ.

وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَيجوز أَن يُقَال: ثَانِي لامي لَعَلَّ مَحْذُوف... إِلَخ هَذَا القَوْل وَمَا بعده فِي رِوَايَة كسر اللَّام للفارسي قَالَ فِي كتاب الشّعْر فِي بَاب مَا لحق الْحُرُوف من الْحَذف: يجوز تَخْفيف لَعَلَّ كَمَا يُخَفف أَن وَكَأن. وعَلى التَّخْفِيف يعلم مَا أنْشدهُ أَبُو زيد:)

لَعَلَّ أبي المغوار إِن فتحت اللَّام أَو كسرت فَوجه الْكسر ظَاهر. وَأما الْفَتْح فَلِأَن لَام الْجَرّ يفتحها قوم مَعَ الْمظهر كَمَا تفتح مَعَ الْمُضمر فَإِنَّمَا خفف لَعَلَّ وأضمر فِيهِ الْقِصَّة والْحَدِيث كَمَا أضمر فِي إِن وَأَن وَالتَّقْدِير: لَعَلَّه لأبي المغوار قريب أَي: جَوَاب قريب فَأَقَامَ الصّفة مقَام الْمَوْصُوف. انْتهى.

وَكَذَا قَالَ الْمرَادِي فِي شرح التسهيل وتأوله الْفَارِسِي على تَخْفيف لَعَلَّ وَأَن فِيهَا ضمير الشَّأْن ووليها فِي اللَّفْظ لَام الْجَرّ مَفْتُوحَة ومكسورة. فالجر بِاللَّامِ وَلَعَلَّ على أَصْلهَا. انْتهى.

وَكَذَا لِابْنِ هِشَام فِي الْمُغنِي قَالَ: وَزعم الْفَارِسِي أَنه لَا دَلِيل فِي ذَلِك لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن الأَصْل لَعَلَّه لأبي المغوار جَوَاب قريب فَحذف مَوْصُوف قريب وَضمير الشَّأْن وَلَام لَعَلَّ الثَّانِيَة تَخْفِيفًا وأدغمت الأولى فِي لَام الْجَرّ وَمن ثمَّ كَانَت مَكْسُورَة.

وَمن فتح فَهُوَ على لُغَة من يَقُول: المَال لزيد بِالْفَتْح. وَهَذَا تكلّف كثير. وَلم يثبت تَخْفيف لَعَلَّ.

انْتهى.

وَقَالَ الْمرَادِي فِي الجنى الداني: وَهَذَا التَّخْرِيج ضَعِيف من أوجه: أَحدهَا: أَن تَخْفيف لَعَلَّ لم يسمع فِي غير هَذَا الْبَيْت.

وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَا تعْمل فِي ضمير الشَّأْن.

وَالثَّالِث: أَن فتح لَام الْجَرّ مَعَ الظَّاهِر شَاذ. انْتهى.

وَقد أَخذ ابْن الشجري قَول الْفَارِسِي وَتصرف فِيهِ وَلم يعْتَبر ضمير الشَّأْن قَالَ فِي أَمَالِيهِ: سَأَلَني حبشِي بن مُحَمَّد بن شُعَيْب الوَاسِطِيّ عَن قَول كَعْب بن سعد: لَعَلَّ أبي المغوار فأجبت بِأَنَّهُ أَرَادَ لَعَلَّ لأبي المغوار مِنْك مَكَان قريب فَخفف لَعَلَّ وألغاها كَمَا يلغون إِن وَأَن وَلما حذف اللَّام المتطرفة بَقِي لَعَلَّ سَاكن اللَّام فأدغمها فِي لَام الْجَرّ لاستثقال الكسرة على المضاعف. وَالْقِيَاس فِي الْخط أَن تكْتب مُنْفَصِلَة من لَعَلَّ. انْتهى كَلَامه.

وَقيل جر أبي المغوار على الْحِكَايَة نَقله الْمرَادِي. وَهَذَا كُله تكلّف. وَإِذا صحت اللُّغَة بِنَقْل الْأَئِمَّة كَأبي زيد وَالْفراء فَلَا معنى لتأويل بعض شواهدها.

قَالَ ابْن مَالك فِي التسهيل: والجر بلعل ثَابِتَة الأول أَو محذوفته مَفْتُوحَة الآخر أَو مكسورته لُغَة عقيلية. انْتهى.

وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: نقل عَن الْأَخْفَش أَنه سمع من الْعَرَب فتح لَام الْجَرّ إِلَخ نقل هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة)

إِنَّمَا هُوَ فِي لَام كي لَا فِي اللَّام الدَّاخِلَة على الِاسْم الْمظهر كَمَا يَأْتِي نَقله عَن الْفَارِسِي فِي شرح الْبَيْت الْآتِي.

وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: وَيجوز فِي هَذِه الرِّوَايَة أَن يُقَال: الأَصْل لعاً.. إِلَخ رِوَايَة فِي الْبَيْت أثبتها أَبُو زيد فِي نوادره. قَالَ: ويروى: لعاً لأبي المغوار قَالَ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِيمَا كتبه على نوادره: فلعاً على هَذِه الرِّوَايَة رفع بِالِابْتِدَاءِ وَلأبي المغوار الْخَبَر ولعاً مَقْصُور مثل عَصا وَهِي كلمة تستعملها الْعَرَب عِنْد العثرة والسقطة.

وَيَقُولُونَ: لعاً لَك أَي: أنهضك الله. وَإِن كَانَ مُبْتَدأ فَفِيهِ معنى الدُّعَاء. أَلا

ترى أَن الْقَائِل إِذا قَالَ الْحَمد لله وَمَا أشبهه فَهُوَ وَإِن كَانَ مُبْتَدأ فَفِيهِ معنى الْفِعْل يُرِيد: أَحْمد الله. وعَلى هَذَا يجْرِي الْبَاب كُله.

قَالَ الْأَعْشَى:

بِذَات لوث عفرناة إِذا عثرتفالتعس أدنى لَهَا من أَن أَقُول لعا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا»

يَقُول: أَدْعُو عَلَيْهَا أَحْرَى من أَن أَدْعُو لَهَا. ثمَّ اتَّسع هَذَا فَصَارَ مثلا حَتَّى يُقَال لكل منكوب: لعاً ولعاً لَهُ. انْتهى.

وَلكَون لعاً فِي معنى الدُّعَاء أَي: انْتَعش بِالْفِعْلِ الْمَاضِي على وَجه الدُّعَاء. يُقَال: انْتَعش العاثر من عثرته أَي: نَهَضَ. ونعشه الله وأنعشه: أَقَامَهُ. وتنوينه للتنكير كَمَا فِي صه. وَهُوَ مَبْنِيّ على السّكُون وَإِنَّمَا جَازَ الِابْتِدَاء بِهِ مَعَ التنكير لِأَنَّهُ فِي معنى الدُّعَاء.

قَالَ ابْن هِشَام فِي بحث مسوغات الِابْتِدَاء بالنكرة: السَّابِع أَن تكون فِي معنى الْفِعْل وَهَذَا شَامِل لنَحْو: عجب لزيد. وضبطوه بِأَن يُرِيد بهَا التَّعَجُّب. ولنحو: سَلام على آل ياسين وويل لِلْمُطَفِّفِينَ. وضبطوه بِأَن يُرَاد بهَا الدُّعَاء. انْتهى.

وَلَا يجوز أَن تكون اللَّام للتبيين وَهِي مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف استؤنف للتبيين مَعَ رفع لعاً. قَالَ ابْن هِشَام فِي بحث اللَّام المبينة: وَمِثَال المبينة للفاعلية تَبًّا لزيد وويحاً فَإِنَّهُمَا

فِي معنى خسر وَهلك.

فَإِن رفعتهما بِالِابْتِدَاءِ فَاللَّام ومجرورها خبر ومحلهما الرّفْع وَلَا تَبْيِين لعدم تَمام الْكَلَام. انْتهى.

وَمِنْه يظْهر سُقُوط قَول ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: لعاً مُبْتَدأ وَقَوله: لأبي المغوار فِي مَوضِع الصّفة لَهُ وَقَرِيب: خبر الْمُبْتَدَأ. وَإِنَّمَا اضْطر إِلَى جعل لأبي المغوار صفة)

لتنكير الْمُبْتَدَأ مَعَ أَنه لَيْسَ الْمَعْنى على الْإِخْبَار بِالْقربِ عَن لعا وَإِنَّمَا قريب خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف هُوَ ضمير أبي المغوار. وَالْجُمْلَة استئنافية فِي مقَام الْعلَّة لقَوْله: ارْفَعْ الصَّوْت.

وَنقل أَبُو زيد فِي نوادره عَن أبي عَمْرو أَنه رَوَاهُ: لَعَلَّ أَبَا المغوار مِنْك قريب بِالنّصب.

هَذَا. وَالْبَيْت من قصيدة مرثية جَيِّدَة لكعب بن سعد الغنوي رَوَاهَا القالي فِي أَمَالِيهِ وَمُحَمّد بن الْمُبَارك فِي مُنْتَهى الطّلب من أشعار الْعَرَب قَالَ: رثى بهَا كَعْب أَخَاهُ شبيباً.

وَقَالَ القالي: قَرَأت على أبي بكر مُحَمَّد بن الْحسن بن دُرَيْد هَذِه القصيدة فِي شعر كَعْب الغنوي وأملاها علينا أَبُو الْحسن الْأَخْفَش قَالَ: قرئَ على أبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْحسن الْأَحول وَمُحَمّد بن يزِيد وَأحمد بن يحيى.

قَالَ: وَبَعض النَّاس يروي هَذِه القصيدة لكعب بن سعد الغنوي وَبَعْضهمْ يَرْوِيهَا بأسرها لسهم الغنوي وَهُوَ من قومه وَلَيْسَ بأَخيه.

وَبَعْضهمْ يروي شَيْئا مِنْهَا لسهم. والمرثي بِهَذِهِ القصيدة يكنى أَبَا المغوار واسْمه هرم وَبَعْضهمْ يَقُول: اسْمه شبيب ويحتج بِبَيْت رُوِيَ فِي هَذِه القصيدة.

أَقَامَ وخلى الظاعنين شبيب وَهَذَا الْبَيْت مَصْنُوع وَالْأول أصح لِأَنَّهُ رَوَاهُ ثِقَة. وأولها فِي رِوَايَة الْجَمِيع:

تَقول سليمى مَا لجسمك شاحباًكَأَنَّك يحميك الشَّرَاب طَبِيب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
فَقلت وَلم أعي الْجَواب لقولهاوللدهر فِي صم السَّلَام نصيب
تتَابع أَحْدَاث تخرمن إخوتيوشيبن رَأْسِي والخطوب تشيب
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة
لعمري لَئِن كَانَت أَصَابَت مُصِيبَةأخي والمنايا للرِّجَال شعوب
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة
لقد عجمت مني الْحَوَادِث ماجداًعروفاً لريب الدَّهْر حِين يريب
وَقد كَانَ: أما حلمه فمروحعلينا وَأما جَهله فعزيب
فَتى الْحَرْب إِن حَارَبت كَانَ سمامهاوَفِي السّلم مفضال الْيَدَيْنِ وهوب
هوت أمه مَاذَا تضمن قَبرهمن الْجُود وَالْمَعْرُوف حِين يثيب
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة
جموع خلال الْخَيْر من كل جَانبإِذا جَاءَ جياء بِهن ذهوب
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة
هوت أمه مَا يبْعَث الصُّبْح غادياًوماذا يرد اللَّيْل حِين يؤوب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، من قصيدة «تقول سُلَيْمى ما لِجِسْمك شاحباً»
مغيث مُفِيد الفائدات معودلفعل الندى والمكرمات كسوب

)

غنينا بِخَير حقبةً ثمَّ جلحتعلينا الَّتِي كل الْأَنَام تصيب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
وَلَو كَانَ حَيّ يفتدى لفديتهبِمَا لم تكن عَنهُ النُّفُوس تطيب
بعيني أَو يمنى يَدي وإننيببذل فدَاه جاهداً لمصيب
فَإِن تكن الْأَيَّام أحسن مرّةإِلَيّ فقد عَادَتْ لَهُنَّ ذنُوب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
أخي كَانَ يَكْفِينِي وَكَانَ يُعِيننِيعلى نائبات الدَّهْر حِين تنوب
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة
عَظِيم رماد الْقَوْم رحب فناؤهإِلَى سَنَد لم تحتجنه غيوب
حَلِيم إِذا مَا الْحلم زين أَهلهمَعَ الْحلم فِي عين الْعَدو مهيب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
إِذا مَا تراءاه الرِّجَال تحفظُوافَلم ينطقوا العوراء وَهُوَ قريب
للشاعر غُرَيقَة العبسي، اقرأ القصيدة
أخي مَا أخي لَا فَاحش عِنْد بَيتهوَلَا ورع عِنْد اللِّقَاء هيوب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، من قصيدة «تقول سُلَيْمى ما لِجِسْمك شاحباً»
على خير مَا كَانَ الرِّجَال خلالهوَمَا الْخَيْر إِلَّا قسْمَة وَنصِيب
حَلِيف الندى يَدْعُو الندى فَيُجِيبهُقَرِيبا ويدعوه الندى فيجيب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
هُوَ الْعَسَل الماذي لينًا وشيمةًوَلَيْث إِذا يلقى الْعَدو غضوب
حَلِيم إِذا مَا سُورَة الْجَهْل أطلقتحبى الشيب للنَّفس اللجوج غلوب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
كعالية الرمْح الرديني لم يكنإِذا ابتدر الْخَيْر الرِّجَال يخيب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، من قصيدة «تقول سُلَيْمى ما لِجِسْمك شاحباً»
حبيب إِلَى الزوار غشيان بَيتهجميل الْمحيا شب وَهُوَ أديب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
كَأَن بيُوت الْحَيّ مَا لم يكن بهَابسابس لَا يلقى بِهن عريب
وداع دَعَا يَا من يُجيب إِلَى الندىفَلم يستجبه عِنْد ذَاك مُجيب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، من قصيدة «تقول سُلَيْمى ما لِجِسْمك شاحباً»
فَقلت ادْع أُخْرَى وارفع الصَّوْت دَعْوَةلَعَلَّ أَبَا المغوار مِنْك قريب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، اقرأ القصيدة
يجبك كَمَا قد كَانَ يفعل إِنَّهمُجيب لأبواب الْعَلَاء طلوب
فَإِنِّي لباكيه وَإِنِّي لصَادِقعَلَيْهِ وَبَعض الْقَائِلين كذوب
للشاعر كعب بن سعد الغَنوي، من قصيدة «تقول سُلَيْمى ما لِجِسْمك شاحباً»
إِذا ذَر قرن الشَّمْس عللت بالأسىويأوي إِلَيّ الْحزن حِين تغيب
للشاعر شبل بن معبد البجلي، اقرأ القصيدة

وَهَذَا آخر القصيدة وحذفت مِنْهَا أبياتاً كَثِيرَة.

وَقَوله: هوت أمه مَا يبْعَث الصُّبْح الْبَيْت قَالَ القالي: أَي هَلَكت أمه كَأَنَّهَا انحدرت إِلَى الهاوية.

وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: فأمه هاوية على أَنه من قَوْلهم: إِذا دعوا على)

الرجل بالهلكة لِأَنَّهُ إِذا هلك هوت أمه كَمَا فِي الْبَيْت.

وَالْمرَاد لَيْسَ الدُّعَاء بالوقوع بل التَّعَجُّب والمدح كَقَوْلِهِم: قَاتله الله مَا أفصحه يَعْنِي أَنه مُسْتَحقّ لِأَنَّهُ يحْسد ويدعى عَلَيْهِ بِالْهَلَاكِ. وَمَا: نكرَة مَوْصُوفَة أَي: أَي شَيْء يبْعَث الصُّبْح مِنْهُ حِين يَغْدُو إِلَى الْحَرْب وَأي شَيْء يرد اللَّيْل مِنْهُ حِين يرجع إِلَى أَهله. وَفِيه معنى التَّجْرِيد.

وَقَوله: وداع دَعَا يَا من يُجيب الْبَيْت الْوَاو وَاو رب. والداعي هُنَا السَّائِل ويجيب من أَجَابَهُ أَي رد جَوَابه ومفعوله مَحْذُوف أَي: يُجيب الدَّاعِي.

والندى: الْغَايَة وَبعد ذهَاب الصَّوْت والجود. كَذَا فِي الصِّحَاح.

وَقَوله: فَلم يستجبه أوردهُ ابْن قُتَيْبَة فِي الْأَفْعَال الَّتِي تتعدى تَارَة بِنَفسِهَا وَتارَة بِاللَّامِ من أدب الْكَاتِب قَالَ: يُقَال: استجبتك واستجبت لَك.

قَالَ شَارِحه ابْن السَّيِّد: كَذَلِك قَالَ يَعْقُوب وَمن كِتَابه نقل ابْن قُتَيْبَة أَكثر مَا أوردهُ هُنَا. وَقد يُمكن أَن يُرِيد فَلم يجبهُ.

وَيدل على ذَلِك أَنه قَالَ: مُجيب وَلم يقل مستجيب فَيكون الشَّاعِر قد أجْرى استفعل مجْرى أفعل كَمَا يُقَال اسْتخْلف لأَهله بِمَعْنى أخلف واستوقد بِمَعْنى أوقد.

وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: فَاسْتَجَاب لَهُم رَبهم على أَن الاستجابة تتعدى بِنَفسِهَا كَمَا فِي الْبَيْت وباللام كَمَا فِي الْآيَة. واستجاب لَهُ أَكثر شيوعاً من استجابة. هَذَا فِي التَّعْدِيَة إِلَى الدَّاعِي.

وَأما إِذا عدي إِلَى الدُّعَاء فبدون اللَّام أَكثر شيوعاً نَحْو: اسْتَجَابَ الله دعاءه. وَلِهَذَا قَالَ فِي سُورَة الْقَصَص: الْبَيْت على حذف مُضَاف أَي: لم يستجب دعاءه. وَالْمعْنَى رب دَاع دَعَا هَل من أحد يمنح المستمنحين فَلم يجبهُ أحد.

وَقَوله: فَقلت ادْع أُخْرَى أَي: دَعْوَة أُخْرَى. وَقَوله: لَعَلَّ أبي المغوار هَذَا الترجي من شدَّة ذُهُوله من عظم مصابه بأَخيه.

وَكَعب بن سعد الغنوي شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالسبْعين بعد الستمائة.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»