تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعشْرُونَ بعد التسْعمائَة

فيه ٧ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الرجز أهل عرفت الدَّار بالغريين على أَن هَل فِي الأَصْل بِمَعْنى قد كَمَا فِي الْبَيْت فكون قد حرف اسْتِفْهَام إِنَّمَا تكون بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام ثمَّ حذفت الْهمزَة لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال إِقَامَة لَهَا مقَامهَا. وَقد جَاءَت على اللأصل فِي قَوْله تَعَالَى: هَل أَتَى على الْإِنْسَان أَي: قد أَتَى.

هَذَا أحد مَذَاهِب أَرْبَعَة وَهُوَ مَذْهَب الزَّمَخْشَرِيّ ف هَل عِنْده أبدا بِمَعْنى قد وَأَن الِاسْتِفْهَام إِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَاد من همزَة مقدرَة. قَالَ فِي الْمفصل: وَعند سِيبَوَيْهٍ أَن هَل بِمَعْنى قد إِلَّا أَنهم تركُوا الْألف قبلهَا لِأَنَّهَا لَا تقع إِلَّا فِي الإستفهام. وَقد جَاءَ دُخُولهَا عَلَيْهَا فِي قَوْله:

(سَائل فوارس يَرْبُوع بشدتنا... أهل رأونا بسفح القاع ذِي الأكم

)

انْتهى.

قَالَ ابْن يعِيش فِي شَرحه: هَذَا هُوَ الظَّاهِر من كَلَام سِيبَوَيْهٍ وَذَلِكَ أَنه قَالَ عِنْد الْكَلَام على من وَمَتى: وَكَذَلِكَ هَل إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَة قد وَلَكنهُمْ تركُوا الْألف إِذْ كَانَت هَل إِنَّمَا تقع فِي الِاسْتِفْهَام كَأَنَّهُ يُرِيد أَن هَل تكون بِمَعْنى قد والاستفهام فِيهَا بِتَقْدِير ألف الِاسْتِفْهَام كَمَا كَانَ ذَلِك فِي من وَمَتى وَالْأَصْل أَمن أمتى وَلما كثر اسْتِعْمَالهَا فِي الِاسْتِفْهَام حذفت أللف وتضمنت مَعْنَاهَا.

وَكَذَلِكَ هَل الأَصْل فِيهَا: أهَل وَكثر اسْتِعْمَالهَا فِي الِاسْتِفْهَام فحذفت الْألف للْعلم بمكانها.)

انْتهى.

وَمَا نَقله عَن سِيبَوَيْهٍ مَذْكُور فِي بَاب بَيَان أم لم تدخل على حُرُوف الِاسْتِفْهَام وَلم تدخل على ألف. وَقد وَقع مثل هَذَا فِي أَوَائِل كتاب سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا يخْتَار فِيهِ النصب من ابواب الِاشْتِغَال أَيْضا: وَتقول أم هَل فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَة قد وَلَكنهُمْ تركُوا الْألف اسْتغْنَاء إذكان هَذَا الْكَلَام لَا يَقع لَا فِي اسْتِفْهَام. انْتهى.

وَلم يقف ابْن هِشَام على هذَيْن النصين من كَلَام سِيبَوَيْهٍ فَاعْترضَ على الزَّمَخْشَرِيّ بقوله: وَلم أر فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ مَا نَقله عَنهُ وَإِنَّمَا قالفي بَاب عدَّة مَا يكون عَلَيْهِ الْكَلم مَا نَصه: وَهل هِيَ للاستفهام لم يزدْ على ذَلِك. انْتهى.

وَقد رد عَلَيْهِ الدماميني بِأَنَّهُ لَا لُزُوم من عدم رُؤْيَته هُوَ لذَلِك عدم وُقُوعه وَكَانَ الأولى بِهِ تَحْسِين الظَّن بالزمخشري فَإِنَّهُ أَمَام فِي هَذَا الْفَنّ ثَبت فِي النَّقْل وَمَا نَقله عَن سِيبَوَيْهٍ مسطور فِي موضِعين من كِتَابه.

ثمَّ نقل كلاميه من كِتَابه وَقَالَ: فَإِن قلت فَمَا تصنع فِي دفع الْمُعَارضَة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا وَهِي مُخَالفَة قَول سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب عدَّة مَا يكون عَلَيْهِ الْكَلَام لقَوْله فِي غَيره: إِن هَل إِنَّمَا تكون بِمَنْزِلَة قد قلت: أحمل ذَلِك على أَنَّهَا للاستفهام بِاعْتِبَار قِيَامهَا مقَام الْهمزَة المحذوفة المفيدة

للاستفهام لَا أَنَّهَا مَوْضُوعَة للاستفهام بِنَفسِهَا جمعا بَين كلاميه. انْتهى.

وَكَلَام الزَّمَخْشَرِيّ فِي كشافه كالمفصل قَالَ: هَل بِمَعْنى قد فِي الِاسْتِفْهَام خَاصَّة وَالْأَصْل أهل بِدَلِيل قَوْله: أهل رأونا بسفح القاع ذِي الأكم وَالْمعْنَى: أقد أَتَى على التَّقْرِير والتقريب جَمِيعًا أَي: أَتَى على ألإنسان قبل زمَان قريب حينٌ من الدَّهْر لم يكن فِيهِ شَيْئا مَذْكُورا أَي: كَانَ شَيْئا منسياً غير مَذْكُور. انْتهى.

وَتَبعهُ الْبَيْضَاوِيّ فَقَالَ: هُوَ اسْتِفْهَام تَقْرِير وتقري وَلذَلِك فسر بقد وأصل أهل كَقَوْلِه: أهل رأونا الْبَيْت وَمعنى قَول الزَّمَخْشَرِيّ: فِي الِاسْتِفْهَام خَاصَّة أَن هَل لَا تكون بِمَعْنى قد إِلَّا وَمَعَهَا اسْتِفْهَام لفظا كالبيت الْمُتَقَدّم أوتقديراً كالآية الْكَرِيمَة. فَلَو قلت: هَل جَاءَ زيد بِمَعْنى قد جَاءَ من غير اسْتِفْهَام لم يجز.)

وَقَوله: على التَّقْرِير أَي: الْمَفْهُوم من الِاسْتِفْهَام الْمُقدر. وَقَوله: والتقريب أَي: الْمَفْهُوم من هَل بِمَعْنى قد.

وَإِنَّمَا اسْتشْهد الشَّارِح بِالْبَيْتِ الَّذِي أوردهُ دون بَيت الْمفضل فَإِنَّهُ طعن فِي ثُبُوته. قَالَ ابْن هِشَام: وَقد رايت عَن السيرافي أَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة: أم هَل رأونا وَأم هَذِه مُنْقَطِعَة بِمَعْنى بل فَلَا دَلِيل فِيهِ. انْتهى. وَلِهَذَا عدل الشَّارِح عَنهُ فَللَّه دره مَا أدق نظره.

الْمَذْهَب الثَّانِي أَن هَل بِمَعْنى قد دون اسْتِفْهَام مُقَدّر وَهُوَ مَذْهَب الْفراء. قَالَ فِي تَفْسِير الْآيَة: الْمَعْنى قد أَتَى على الْإِنْسَان حينٌ من الدَّهْر وَهل قد تكون جحداً وَتَكون خَبرا فَهَذَا من الْخَبَر.

وَقَوله: لم يكن شَيْئا مَذْكُورا يُرِيد: كَانَ شَيْئا وَلم يكن مَذْكُورا ذولك حِين خلقه من طينٍ إِلَى أَن نفخ فِيهِ الرّوح. انْتهى.

وَتَبعهُ الإِمَام الواحدي فِي الْوَسِيط: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَأهل الْمعَانِي: قد أَتَى فَهَل هَا هُنَا خبر وَقَوله: على ألإنسان يَعْنِي آدم حينٌ من الدَّهْر: قدر أَرْبَعِينَ سنة لم يكن شَيْئا مَذْكُورا لَا فِي السَّمَاء وَلَا فِي ألأرض يَعْنِي أَنه جسداً ملقى من طين قبل أَن ينْفخ فِيهِ الرّوح.

قَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: إِنَّمَا تمّ خلقه بعد عشْرين وَمِائَة سنة. انْتهى.

وَقَالَ ابْن هِشَام: إِن هَل تَأتي بِمَعْنى قد وَذَلِكَ مَعَ الْفِعْل وَبِذَلِك فسر قَوْله تَعَالَى: هَل أَتَى على الْإِنْسَان حينٌ جمَاعَة مِنْهُم ابْن عَبَّاس ﵄ وَالْكسَائِيّ وَالْفراء والمبرد قَالَ فِي مقتضبه: هُبل للاستفهام نَحْو: هَل جَاءَ زيد وَتَكون بِمَنْزِلَة قد نَحْو قَوْله تَعَالَى: هَل أَتَى على الْإِنْسَان. انْتهى.

وَبَالغ الزَّمَخْشَرِيّ فَزعم: أَنَّهَا ابداً بِمَعْنى قد وَأَن الِاسْتِفْهَام إِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَاد من همزةٍ مقدرَة مَعهَا. وفسرها غَيره بقد خَاصَّة وَلم يحملوا قد على معنى التَّقْرِيب بل على معنى التَّحْقِيق.

وَقَالَ بَعضهم: مَعْنَاهَا التوقع و: أَنه قيل لقومٍ يتوقعون الْخَبَر عَمَّا أَتَى على الْإِنْسَان وَهُوَ آدم ﵇. قَالَ: والحين هُوَ زمن كَونه طيناً. انْتهى.

الْمَذْهَب الثَّالِث لِابْنِ مَالك أَنَّهَا تتَعَيَّن لِمَعْنى قد إِن دخلت عَلَيْهَا همزَة الِاسْتِفْهَام وَأَن لم تدخل فقد تكون بِمَعْنى قد تكون بعنى قد وَقد تكون للاستفهام: قَالَ فِي التسهيل: وَقد تدخل عَلَيْهَا الْهمزَة فَيتَعَيَّن مرادفة قد. انْتهى.)

وَمَفْهُومه أَنَّهَا لَا تتَعَيَّن لذَلِك إِذا لم تدخل عَلَيْهَا الْهمزَة بل قد تَأتي لذَلِك مَا فِي الْآيَة وَقد لَا تَأتي لَهُ.

الْمَذْهَب الرَّابِع أَنَّهَا لَا تَأتي بِمَعْنى قد وَإِنَّمَا هِيَ للاستفهام. وَذهب إِلَيْهِ جمَاعَة. ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْآيَة فَقَالَ أَبُو حَيَّان: هِيَ على بَابهَا من الِاسْتِفْهَام أَي: هُوَ مِمَّن يسْأَل عَنهُ لغرابته أَتَى عَلَيْهِ حِين من الدَّهْر لم يكن كَذَا لإنه يكون الْجَواب: أَتَى عَلَيْهِ ذَلِك وَهُوَ بِالْحَال الْمَذْكُورَة.

وَقَالَ مكي فِي تَقْرِير كَونهَا على بَابهَا من الِاسْتِفْهَام: وَالْأَحْسَن أَن تكون على بَابهَا للاستفهام الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْرِير وَإِنَّمَا هُوَ تَقْرِير لمن أنكر الْبَعْث فَلَا بُد أَن يَقُول: نعم قد مضى دهراً طَوِيل لَا إِنْسَان فِيهِ فَيُقَال لَهُ: من أحدثه بعد أَن يكن وَكَونه بعد عَدمه كَيفَ يمْتَنع عَلَيْهِ بَعثه وإحياؤه بعد مَوته هُوَ معنى قَوْله: وَلَقَد علمْتُم النشأة الأولى فَلَولَا تذكرُونَ أَي: فَهَلا تذكرُونَ فتعلمون أَن من أنشأ شَيْئا بعد أَن لم يكن قَادر على أعادته بعد مَوته وَعَدَمه. انْتهى.

قَالَ السمين فِي الدّرّ المصون: قد جعلهَا لاستفهام التَّقْرِير خلافًا لأبي حَيَّان فِي جعله استفهاماً مَحْضا لِأَن التَّقْرِير الَّذِي يجب أَن يكون لِأَن الِاسْتِفْهَام لَا يرد من الْبَارِي تَعَالَى إِلَّا على هَذَا النَّحْو.

وَإِلَى القرير ذهب الزجاح أَيْضا. قَالَ: معنى هَل أَتَى على الْإِنْسَان أَي: ألم يَأْتِ على الْإِنْسَان حينٌ من الدَّهْر لم يكن شَيْئا مَذْكُورا. واللمعنى: قد كَانَ شَيْئا إِلَّا أَنه كَانَ تُرَابا وطيناً إِلَى أَن نفخ فِيهِ الرّوح فَلم يكن قبل نفخ الرّوح فِيهِ شَيْئا مَذْكُورا.

وَيجوز أَن يكون يعْنى بِهِ جَمِيع النَّاس وَيكون أَنهم كَانُوا نطفاً ثمَّ علقاً ثمَّ مضغاً إِلَى أَن صَارُوا شَيْئا مَذْكُورا. انْتهى.

وَقد اخْتَار هَذَا الْمَذْهَب ابْن جني فَقَالَ فِي بَاب إقار الْأَلْفَاظ على أوضاعها الأول من كتاب الخصائص: وَأما هَل فقد أخرجت عَن بَابهَا إِلَى معنى قد نَحْو قَول الله: هَل أَتَى على الْإِنْسَان قَالُوا: مَعْنَاهُ قد أَتَى عَلَيْهِ ذَلِك.

وَقد يكن عِنْدِي أَن تكون مبقاةً فِي هَذَا الْموضع على بَابهَا من الِاسْتِفْهَام فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالله أعلم: هَل أَتَى على الْإِنْسَان هَذَا.

فلابد فِي جَوَابه من نعم ملفوظاً بهَا أَو مقدرَة أَي: فَكَمَا أَن ذَلِك كَذَلِك فَيَنْبَغِي للْإنْسَان أَن)

يحتقر نَفسه.

وَهَذَا كَقَوْلِك لمن تُرِيدُ الِاحْتِجَاج عَلَيْهِ: بِاللَّه هَل سَأَلتنِي فأعطيتك أم هَل زرتني فأكرمتك أَي: فَكَمَا أَن ذَلِك كَذَلِك فَيجب أَن تعرف حَقي عَلَيْك.

ويوؤكد هَذَا قَوْله تَعَالَى: إِنَّا خلقنَا الْإِنْسَان إِلَى هديناه السَّبِيل أَفلا ترَاهُ عز اسْمه كَيفَ عدد عَلَيْهِ أياديه وألطافه لَهُ.

فَإِن قلت: فَمَا تصنع بقول الشَّاعِر: أهل رأونا بسفح القف ذِي الأكم أَلا ترى إِلَى دُخُول همزَة الِاسْتِفْهَام على هَل ول كَانَت للاستفهام لم تلاق همزته لِاسْتِحَالَة اجْتِمَاع حرفين لِمَعْنى وَاحِد. وَهَذَا يدل على خُرُوجهَا عَن الِاسْتِفْهَام إِلَى الْخَبَر.

فَالْجَوَاب أَن هَذَا يُمكن أَن يَقُوله صَاحب هَذَا الْمَذْهَب. وَمثله خُرُوج همزَة الإستفهام إِلَى التَّقْرِير.

أَلا ترى أَن التَّقْرِير ضرب من الْخَبَر وَذَلِكَ ضد الإستفهام. وَيدل على أَنه قد فَارق الِاسْتِفْهَام امْتنَاع النصب بِالْفَاءِ فِي جَوَابه والجزم بِغَيْر الْفَاء.

أَلا تراك لَا تَقول: أَلَسْت صاحبنا فنكرمك كَمَا تَقول: لست صاحبنا فنكرمك وَلَا تَقول فِي التَّقْرِير: أَأَنْت فِي الْجَيْش أثبت اسْمك كَمَا تَقول فِي الا ستفهام الصَّرِيح: أَأَنْت فِي الْجَيْش أُثبت اسْمك كَمَا تَقول: مَا اسْمك أذكرك أَي: إِن أعرفهُ أذكرك. وَلأَجل مَا ذكرنَا من حَدِيث همزَة التَّقْرِير مَا صَارَت تنقل النَّفْي إِلَى الْإِثْبَات وَالْإِثْبَات إِلَى النَّفْي.

(

ألستم خير من ركب المطايا... وأندى الْعَالمين بطُون رَاح)

أَي أَنْتُم كَذَلِك. انْتهى كَلَامه.

وَقَوله: لِاسْتِحَالَة اجْتِمَاع حرفين لِمَعْنى وَاحِد على نمط مَا تقدم عَنهُ فِي الشَّاهِد السَّادِس بعد التسْعمائَة وَتقدم رده.

وَصوب أَبُو حَيَّان هَذَا الْمَذْهَب ورد مَا عداهُ قَالَ فِي شرح التسهيل: إِن مرادفه هَل لقد لم يقم عَلَيْهَا دَلِيل وَاضح إِنَّمَا هُوَ شَيْء قَالَه الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِين: إِن مَعْنَاهُ قد أَتَى.

وَهَذَا تَفْسِير معنى لَا تَفْسِير إِعْرَاب وَلَا يرجع إِلَيْهِم فِي مثل هَذَا وَإِنَّمَا يرجع فِي ذَلِك إِلَى أَئِمَّة)

النَّحْو واللغة لَا إِلَى الْمُفَسّرين. وَإِمَّا الْبَيْت فَيحْتَمل أَن يكون من الْجمع بَين أداتين لِمَعْنى وَاحِد على سَبِيل التوكيد كَقَوْلِه: وَلَا للما بهم أبدا دَوَاء بل الْجمع بَين الْهمزَة وَهل أسهل لاخْتِلَاف لَفْظهمَا.

وَتَبعهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فَقَالَ: وَقد عكس قوم مَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ

فزعموا: أَن هَل لَا تَأتي بِمَعْنى قد أصلا. وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب عِنْدِي إِذْ لَا متمسّك لمن أثبت ذَلِك إلاّ أحد ثَلَاثَة أُمُور:

أَحدهَا: تَفْسِير ابْن عَبَّاس ﵄ ولعلّه إِنَّمَا أَرَادَ أَن الِاسْتِفْهَام فِي الْآيَة للتقرير وَلَيْسَ باستفهام حَقِيقِيّ. وَقد صرح بِهِ جمَاعَة من الْمُفَسّرين وَقَالَ بَعضهم: لاتكون هَل للإستفهام التقريري وَإِنَّمَا ذَلِك من خَواص الْهمزَة. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ.

وَالثَّانِي: قَول سِيبَوَيْهٍ الَّذِي شافه الْعَرَب وَفهم مقاصدهم. وَقد مضى أَن سِيبَوَيْهٍ لم يقل ذَلِك.

وَالثَّالِث: دُخُول الْهمزَة عَلَيْهَا فِي الْبَيْت والحرف لَا يدْخل على مثله فِي الْمَعْنى وَهُوَ شَاذ وَيُمكن تَخْرِيجه على أَنه من الْجمع بَين حرفين بِمَعْنى وَاحِد على سَبِيل التوكيد. انْتهى بِاخْتِصَار.

وَيرد عَلَيْهِمَا أَن مَا ردّاه هُوَ قَول سِيبَوَيْهٍ إِمَام البصيرين والمبرد وَقَول إِمَام الْكُوفِيّين الْكسَائي وتلميذه الْفراء وَكلهمْ أَئِمَّة النَّحْو وَالتَّفْسِير واللغة وَقد خالطوا الْعَرَب الفصحاء وسمعوا كَلَامهم وفهموا مقاصدهم وَثَبت النَّقْل عَنْهُم فَيتَعَيَّن الْأَخْذ بِهِ وردّ من خالفهم فِي هَذَا الْبَاب.

وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.

وَقَوله: أهل عرفت الديار بالغريين هُوَ من قصيدة لخطام الْمُجَاشِعِي تقدم شرح أَبْيَات مِنْهَا فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة مَعَ تَرْجَمته.

قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح ابيات الْجمل: هَذِه القصيدة من بَحر السَّرِيع وَرُبمَا حسب من لَا يحسن الْعرُوض أَنَّهَا من الرجز. وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن الرجز لايكون فِيهِ معولان فَيرد إِلَى فعولان. وَمثله:

قد عرضت أروى بقول إفناد وَهُوَ مستفعلن مستفعلن فعولان. انْتهى.

والغريان: مَوضِع بِالْكُوفَةِ نَحْو فرسخين عَنْهَا وَهُوَ مثنى الغري بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَكسر الرَّاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء.

قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: قَالَ المفجع: الغري: مَوضِع بِالْكُوفَةِ وَيُقَال: إِن قبر عَليّ بن)

أبي طَالب ﵁ بالغري. وَيُقَال: الغريان.

وَيُقَال أَن النُّعْمَان بناهما على قَبْرِي عَمْرو بن مَسْعُود. وخَالِد بن نَضْلَة لما قَتلهمَا. قَالَت هِنْد بنت معبد بن نَضْلَة ترثيهما:

أَلا بكر الناعي بخيري بني أَسدبِعَمْرو بن مسعودٍ وبالسيد الصَّمد

انْتهى.

وَقَوله: النُّعْمَان خطأ وَصَوَابه الْمُنْذر. والغريان فِي الأَصْل: منارتان على قَبْرِي بن عَمْرو بن مَسْعُود وخَالِد بن نَضْلَة الأسديين كَانَ الْمُنْذر الْأَكْبَر اللَّخْمِيّ يغريهما بالدماء أَي: يطليهما بهَا.

كَذَا فِي كتاب أَسمَاء المغتالين من الْأَشْرَاف فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام لِابْنِ حبيب وَفِي ذيل الأمالي للقالي وَفِي الأغاني وَفِي الْأَوَائِل لأبي ضِيَاء الْموصِلِي.

وَزعم الْجَوْهَرِي وَتَبعهُ جمَاعَة مِنْهُم ابْن نباتة فِي شرح رِسَالَة ابْن زيدون أَنَّهُمَا قبرا مَالك وَعقيل: نديمي جذيمة الأبرش وسميا غريين لِأَن النُّعْمَان كَانَ يغريهما بِدَم من يقْتله فِي يَوْم بؤسه.

وَهَذَا غلط واشتباه من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن بَين جذيمة الأبرش وَبَين النُّعْمَان بن الْمُنْذر سِتَّة مُلُوك أحدهم: عَمْرو اللَّخْمِيّ وَهُوَ ابْن أُخْت جذيمة الأبرش.

ثانيهم: امْرُؤ الْقَيْس بن عَمْرو الْمَذْكُور.

ثالثهم: النُّعْمَان بن امْرِئ الْقَيْس الْمَذْكُور وَهُوَ النُّعْمَان الْأَكْبَر الَّذِي بنى الخورنق.

رابعهم: الْمُنْذر بن امْرِئ الْقَيْس صَاحب الغريين وَهُوَ الْمُنْذر الْأَكْبَر ابْن مَاء السَّمَاء أَخُو النُّعْمَان الْأَكْبَر.

خامسهم: الْمُنْذر بن الْمُنْذر وَهُوَ الْأَصْغَر.

سادسهم: أَخُوهُ عَمْرو بن الْمُنْذر وَهُوَ عَمْرو بن هِنْد. ثمَّ النُّعْمَان بن الْمُنْذر الَّذِي ذكره الْجَوْهَرِي. وَكلهمْ مُلُوك الْحيرَة وَهِي أَرض بِالْكُوفَةِ. وَإِذا كَانَ الْأَمر على مَا ذكر فَمَا معنى تغريتهما النُّعْمَان بن الْمُنْذر بِالدَّمِ مَعَ كَونهمَا نديمي جذيمة الأبرش.

الثَّانِي: أَن الَّذِي كَانَ لَهُ يَوْم بؤس إِنَّمَا هُوَ الْمُنْذر الْأَكْبَر. وَلم يتَنَبَّه لهَذَا ابْن برّي فِي حَاشِيَته على وَهَذِه قصَّة الغريين من عدَّة طرق أَحدهَا: لِابْنِ حبيب قَالَ فِي كتاب المغتالين:

ومهم عَمْرو بن مَسْعُود وخَالِد بن نَضْلَة الأسديان وَكَانَا يفدان على الْمُنْذر الْأَكْبَر فِي كل سنة)

فيقيمان عِنْده وينادمانه وَكَانَت أَسد وغَطَفَان لايدينون للملوك ويغيرون عَلَيْهِم.

فوفدا سنة م السنين فَقَالَ النمنذر لخَالِد يَوْمًا وهم على الشَّرَاب: يَا خَالِد من رَبك فَقَالَ خَالِد: عَمْرو بن مَسْعُود رَبِّي وَرَبك فَأمْسك عَلَيْهِمَا ثمَّ قَالَ لَهما: مَا يَمْنَعكُمَا من الدُّخُول فِي طَاعَتي وَأَن تدنوا مني كَمَا دنت تَمِيم وَرَبِيعَة فَقَالَا: أَبيت اللَّعْن هَذِه الْبِلَاد لَا تلائم مواشينا وَنحن مَعَ هَذَا قريب مِنْك بِهَذَا الرم فَإِذا شِئْت أجبناك.

فَعلم أَنه لَا يدينون لَهُ وَقد سمع من خَالِد الْكَلِمَة الأولى فَأوحى إِلَى الساقي فَسَقَاهُمَا سما فانصرفا من عِنْده بالسكر على خلاف مَا كَانَا ينصرفان فَلَمَّا كَانَ فِي بعض اللَّيْل أحس حبيب بن خَالِد بِالْأَمر لما رأى من شدَّة سكرهما فَنَادَى خَالِدا فَلم يجبهُ فَقَامَ إِلَيْهِ فحركه فَسقط بعض جسده وَفعل بعمروٍ مثل ذَلِك فَكَانَ حَاله كَحال خَالِد وَأصْبح الْمُنْذر نَادِما على قَتلهمَا.

فغذا عَلَيْهِ حبيب بن خَالِد فَقَالَ: أَبيت اللَّعْن أسعدك الْأَهْل نديماك وخليلاك تتابعاً فِي سَاعَة وَاحِدَة فَقَالَ لَهُ: يَا حبيب أَعلَى الْمَوْت تستعديني وهلى ترى إِلَّا ابْن ميت وأخا ميت ثمَّ امْر فحفر لَهما قبران بِظَاهِر الْكُوفَة فدفنا فيهمَا وَبنى عَلَيْهِمَا منارتين فهما الغريان وعقر على كل قبر خمسين فرسا وَخمسين بَعِيرًا وغراهكما بدمائهما وَجعل يَوْم نادمهما يَوْم نعيم ويم دفنهما يَوْم يؤس. هَذَا مَا أوردهُ ابْن حبيب.

وَقَالَ القالي فِي ذيل أَمَالِيهِ: حَدثنَا أَبُو بكر بن ديري: أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن عَمه قَالَ: قَالَ لي عمي: سَمِعت يُونُس بن حبيب يَقُول: كَانَ الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء جد النُّعْمَان بن الْمُنْذر ينادمه رجلَانِ من الْعَرَب: خَالِد بن المضلل وَعَمْرو بن مَسْعُود الأسديان.

فَشرب لَيْلَة مَعَهُمَا فراجعاه الْكَلَام فأغضباه فَأمر بهماوفجعلا فِي تابوتين ودفنا بِظَاهِر الْكُوفَة فَلَمَّا أصبح سَأَلَ عَنْهُمَا فَأخْبر بذلك فندم وَركب حَتَّى وقف

عَلَيْهِمَا وَأمر بِبِنَاء الغريين وَجعل لنَفسِهِ يَوْمَيْنِ: يَوْم بؤس وَيَوْم نعيم فِي كل عَام فَكَانَ يضع سَرِيره بَينهمَا فَإِذا كَانَ يَوْم نعيمه فَأول من يطلع عَلَيْهِ وَهُوَ على سَرِيره يُعْطِيهِ مائَة من إبل الْمُلُوك وَأول من يطلع عَلَيْهِ فِي بؤسه يُعْطِيهِ رَأس ظريان وَيَأْمُر بدمه فَيذْبَح ويغرى بدمه الغريان. انْتهى.

وَكَذَا روى هَذِه الْحِكَايَة إِسْمَاعِيل بن هبة الله الْموصِلِي فِي كتاب الْأَوَائِل عَن الشَّرْقِي بن الْقطَامِي.)

وَقد رَجَعَ الْمُنْذر عَن هَذِه السّنة السَّيئَة. روى الْموصِلِي فِي أَوَائِله أَن الْمُنْذر اسْتمرّ على ذَلِك زَمَانا حَتَّى مر بِهِ رجل من طَيئ يُقَال لَهُ: حَنْظَلَة بن عفراء فَقَالَ لَهُ: أَبيت اللَّعْن أَتَيْتُك زَائِرًا ولأهلي من خيرك مائراً فلاتكن ميرتهم قَتْلِي.

فَقَالَ: لَا بُد من ذَلِك وسلني حَاجَة قبله أقضها لَك. قَالَ: تؤجلني سنة أرجع فِيهَا إِلَى أهلى وَأحكم أَمرهم ثمَّ أرجع إِلَيْك فِي حكمك. قَالَ: وَمن يتكفل بك حَتَّى تعود فَنظر فِي وُجُوه جُلَسَائِهِ فَعرف مِنْهُم شريك بن عمروٍ أَبَا الحوفزان بن شريك فَأَنْشَأَ يَقُول:

(يَا شَرِيكا يَا ابْن عَمْرو... هَل من الْمَوْت محاله

)

يَا أَخا كل مصابٍيَا اخا من لَا أَخا لَهُ
يَا أَخا شَيبَان فك اليَوْم رهنا قد أَنى لَهُ
للشاعر حنظلة الطائي، اقرأ القصيدة
إِن شَيبَان قبيلٌأكْرم الله رِجَاله
للشاعر حنظلة الطائي، اقرأ القصيدة
وأبيوك الْخَيْر عمروٌوشراحيل الحماله
وفتاك الْيَوْم فِي المجد وَفِي حسن المقاله

فَوَثَبَ شريك وَقَالَ: ابيت اللَّعْن يَده يَدي وَدَمه دمي إِن لم يعد إِلَى أَجله. فَأَطْلقهُ الْمُنْذر فَلَمَّا كَانَ الْقبل جلس فِي مَجْلِسه وَإِذا ركب قد طلع عَلَيْهِم فتأملوه فَإِذا هُوَ حَنْظَلَة قد أقبل متكفناً متحنطاً مَعَه نادبته وَقد قدمت نادبة شريك تندبه فَلَمَّا رَآهُ الْمُنْذر عجب من وفائهما وكرمهما فأطلقهما وأبطل تِلْكَ السّنة.

وَقد ذكر فِي إبِْطَال الْمُنْذر هَذِه السّنة غير هَذَا وَأوردهُ الْموصِلِي والميداني فِي مثلٍ وَهُوَ: إِن غَدا لناظره قريب وَهُوَ قِطْعَة من بَيت:

وَإِن يَك صدر هَذَا الْيَوْم ولىفَإِن غذاً لناظره قريب

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»