تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد التسْعمائَة

فيه ١٩ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَهُوَ من شَوَاهِد س: قد أترك الْقرن مصفرّاً أنامله هُوَ صدر وعجزه: كَأَن أثوابه مجّت بفرصاد على أنّ قد مَعَ الْمُضَارع تكون للتكثير فِي مقَام التمدّح والافتخار.

قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتَكون قد بِمَنْزِلَة ربّما. وَأنْشد الْبَيْت وَقَالَ: كَأَنَّهُ قَالَ: ربّما. وَأَرَادَ بربّما التكثير.

وَنَقله عَنهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي وَقَالَ: الرَّابِع من مَعَاني قد التكثير قَالَه سِيبَوَيْهٍ فِي قَول الْهُذلِيّ: قد أترك الْقرن مصفرّاً أنامله وَقَالَهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قد نرى تقلّب وَجهك فِي السَّمَاء قَالَ: أَي: ربّما

وَمَعْنَاهُ تَكْثِير الرُّؤْيَة. ثمَّ

قد أشهد الْغَارة الشّعواء تحملنِيجرداء معروقة اللّحيين سرحوب
للشاعر حمدون بن الحاج السلمي، اقرأ القصيدة

انْتهى.

وَقد جعل الزَّمَخْشَرِيّ فِي تَفْسِير سُورَة التكوير: أصل مفَاد قد وربّما التقليل والتكثير إِنَّمَا جَاءَ من عكس الْكَلَام. قَالَ عِنْد قَوْله تَعَالَى: علمت نفسٌ مَا أحضرت قَالَ: فَإِن قلت: كلّ نفس تعلم مَا أحضرت كَقَوْلِه تَعَالَى: يَوْم تَجِد كلّ نفسٍ مَا عملت من خيرٍ محضراً والأنفس وَاحِدَة فَمَا معنى قَوْله: علمت نفس قلت: هُوَ من عكس كَلَامهم الَّذِي يقصدون بِهِ الإفراط فِيمَا يعكس عَنهُ. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: رُبمَا يودّ الَّذين كفرُوا لَو كَانُوا مُسلمين وَمَعْنَاهُ معنى كم وأبلغ.)

وَمِنْه قَول الْقَائِل: قد أترك الْقرن مصفرّاً أنامله وَتقول لبَعض قوّاد الْعَسْكَر: كم عنْدك من الفرسان فَيَقُول: ربّ فارسٍ عِنْدِي أَو: لَا تعدم فَارِسًا عِنْدِي. وَعِنْده المقانب وقصده بذلك التّمادي فِي كَثْرَة فرسانه وَلكنه أَرَادَ إِظْهَار بَرَاءَته من التزيّد وَأَنه ممّن يقلّل كثير مَا عِنْده فضلا أَن يتزيّد فجَاء بِلَفْظ التقليل ففهم مِنْهُ معنى الْكَثْرَة على الصِّحَّة وَالْيَقِين. انْتهى كَلَامه.

وَزعم ابْن مَالك أَن مُرَاد سِيبَوَيْهٍ أَن قد مثل رُبمَا فِي التقليل لَا فِي التكثير. ورد عَلَيْهِ أَبُو حَيَّان وانتصر بَعضهم لَا بن مَالك. وَقد نقل الْجَمِيع الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة وَصحح كَلَام أبي حَيَّان ولابأس بإيراده فَنَقُول:

قَالَ ابْن مَالك: إِطْلَاق سِيبَوَيْهٍ القَوْل بِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة رُبمَا مُوجب للتسوية بَينهمَا فِي التقليل وَالصرْف إِلَى المضيّ. وَاعْتَرضهُ أَبُو حَيَّان فَقَالَ: لم يبين سِيبَوَيْهٍ الْجِهَة الَّتِي فِيهَا قد بِمَنْزِلَة رُبمَا وَلَا يدل على ذَلِك التَّسْوِيَة فِي كل الْأَحْكَام بل يسْتَدلّ بِكَلَام سِيبَوَيْهٍ على نقيض مَا فهمه ابْن مَالك وَهُوَ أَن قد بِمَنْزِلَة رُبمَا فِي التكثير فَقَط.

وَيدل عَلَيْهِ إنشاد الْبَيْت لِأَن الْإِنْسَان لَا يفخر بِمَا يَقع مِنْهُ على سَبِيل الندرة والقلة وَإِنَّمَا يفتخر بِمَا يَقع مِنْهُ على سَبِيل الْكَثْرَة فَيكون قد بِمَنْزِلَة رُبمَا فِي التكثير. انْتهى.

وانتصر بعض الْفُضَلَاء لِابْنِ مَالك رادّاً كَلَام أبي حَيَّان فَقَالَ: أما قَوْله: لم يبين سِيبَوَيْهٍ الْجِهَة... إِلَخ فإطلاق التَّسْوِيَة كافٍ فِي الْأَحْكَام كلهَا إِلَّا مَا تعين خُرُوجه.

وَأما قَوْله: لِأَن الْإِنْسَان... إِلَخ فَجَوَابه أَن فَخر الْإِنْسَان بِمَا يَقع مِنْهُ كثيرا إِنَّمَا يكون فِيمَا يَقع قَلِيلا وَكَثِيرًا فيفخر بالكثير مِنْهُ أما مَا لَا يَقع إِلَّا نَادرا فَقَط فَإِنَّهُ يفخر بِالْقَلِيلِ مِنْهُ لِاسْتِحَالَة الْكَثْرَة فِيهِ.

وَترك الْمَرْء قرنه مصفرّ الأنامل يَسْتَحِيل وُقُوعه كثيرا وَإِنَّمَا يتَّفق نَادرا فَلذَلِك يفتخر بِهِ لِأَن الْقرن هُوَ المقاوم للشَّخْص الْكُفْء لَهُ فِي شجاعته فَلَو فرض مَغْلُوبًا مَعَه فِي الْكثير من الْأَوْقَات لم يكن قرنا لَهُ إِذْ لَا يكون قرنا إِلَّا عِنْد الْمُكَافَأَة غَالِبا.

إِذْ تقرر هَذَا فَنَقُول: لما كَانَ قَوْله الْقرن يَقْتَضِي أَنه لَا يغلب قرنه لِأَن القرنين غَالب أَمرهمَا التَّعَارُض ثمَّ قضى بِأَنَّهُ قد يغلبه حملنَا ذَلِك على الْقلَّة صونا للْكَلَام عَن التدافع وَقُلْنَا: المُرَاد)

أَنه بِتَرْكِهِ كَذَلِك تركا لَا يُخرجهُ عَن كَونه قرنا. وَذَلِكَ هُوَ التّرْك النَّادِر لِئَلَّا يدْفع آخر الْكَلَام أَوله.

والزمخشري فهم مَا فهمه أَبُو حَيَّان من أَن قد فِي الْبَيْت للتكثير فقد اتجهت

الْمُؤَاخَذَة على ابْن هِشَام فِي نَقله هَذَا الْمَعْنى عَن سِيبَوَيْهٍ فَإِن سِيبَوَيْهٍ لم يقلهُ نصا وَإِنَّمَا فهمه أَبُو حَيَّان عَنهُ.

ثمَّ أَبُو حَيَّان لَيْسَ جَازِمًا بِهِ وَإِنَّمَا قَالَه مُعَارضا لفهم ابْن مَالك وَمثل هَذَا لَا يَكْفِي فِي تسويغ النَّقْل عَن سِيبَوَيْهٍ أَنه قَالَ: إِن قد فِي الْبَيْت للتكثير وغايته فهمٌ فِي جوّزه أَبُو حَيَّان وَسَبقه الزَّمَخْشَرِيّ إِلَيْهِ وَهُوَ معَارض لفهم ابْن مَالك أحد الْمُجْتَهدين فِي النَّحْو.

كَذَا قَالَ ذَلِك الْفَاضِل.

قلت: حَاصِل كَلَامه على الْبَيْت أَن التكثير فِيهِ مُلْزم للتناقض بِنَاء على أَن الْقرن هُوَ الْكُفْء وَإِنَّمَا يتم ذَلِك أَن لَو كَانَ المُرَاد بالقرن وَاحِدًا وَهُوَ مَمْنُوع بل الظَّاهِر أَن المُرَاد بِهِ الْجِنْس. فَإِذا فَرضنَا أَنه غلب جَمِيع أقرانه وهم مائَة مثلا كلّ واحدٍ مرّة حصلت كَثْرَة الْغَلَبَة مَعَ انْتِفَاء التَّنَاقُض لتَعَدد الْمحَال وَهَذَا هُوَ اللَّائِق بمقام الافتخار.

وَظهر بِهَذَا أَن: قَوْله: لِاسْتِحَالَة الْكَثْرَة فِيهِ مُسْتَدْرك وَأَن قَوْله: إِن ذَلِك فِيمَا يُمكن وُقُوعه قليلاًَ وَكَثِيرًا فَلَا يفتخر مِنْهُ إِلَّا بالكثير لَا يجديه نفعا فِي مرامه بل هُوَ عَلَيْهِ كَمَا عَرفته. هَذَا آخر مَا أوردهُ الدماميني.

وَقد أَجَاد فِي ردّه على هَذَا الْفَاضِل. وَقد أورد كَلَام هَذَا الْفَاضِل فِي شرح التسهيل مسلّماً وشنّع على ابْن هِشَام غَايَة التشنيع.

وَالْبَيْت من قصيدة لِعبيد بن الأبرص الْأَسدي أوردهَا الْأَصْمَعِي فِي الأصمعيات.

وَهَذَا مطْلعهَا:

طَاف الخيال علينا لَيْلَة الْوَاديمن آل أَسمَاء لم يلمم بميعاد
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «طاف الخيال علينا ليلة الوادي»
أنّى اهتديت لركبٍ طَال ليلهمفِي سبسبٍ بَين دكداك وأعقاد
يطوفون الفلا فِي كل هاجرةٍمثل الفنيق إِذا مَا حثه الْحَادِي

إِلَى أَن قَالَ:

قد أترك الْقرن مصفرّاً أناملهكَأَن أثوابه مجّت بفرصاد
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «طاف الخيال علينا ليلة الوادي»
أبلغ أَبَا كربٍ عني وَإِخْوَتهقولا سيذهب غوراً بعد إنجاد

)

لَا أعرفنّك بعد الْيَوْم تندبنيوَفِي حَياتِي مَا زوّدتني زادي
للشاعر جعفر بن قرط الهزاني، اقرأ القصيدة
فَإِن حييت فَلَا أحسبك فِي بلديوَإِن مَرضت فَلَا أحسبك عوّادي
فَانْظُر إِلَى ظلّ ملكٍ أَنْت تَاركههَل ترسينّ أواخيه بِأَوْتَادٍ
الْخَيْر يبْقى وَإِن طَال الزّمان بِهِوالشّرّ أَخبث مَا أوعيت من زَاد

وَقَوله: أنّى اهتديت الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب. والسّبسب:

الْمَفَازَة والقفر. والدّكداك بِفَتْح الدَّال هُوَ من الرمل: مَا التبد وَلم يرْتَفع.

وأعقاد: جمع عقد بِفَتْح فَكسر هُوَ مَا تعقّد من الرمل أَي: تراكم وطوّف: مُبَالغَة طَاف.

والفنيق بِفَتْح الْفَاء وَكسر النُّون: الْفَحْل المكرم من الْإِبِل.

وَقَوله: اذْهَبْ إِلَيْك فِيهِ حذف مُضَاف أَي: اذْهَبْ إِلَى قَوْمك بِدَلِيل قَوْله: فَإِنِّي من بني اسد فَلَا يرد أَن مجرور إِلَى وفاعل متعلّقها ضميران لشَيْء وَاحِد.

وَقَوله: قد أترك الْقرن هُوَ بكسسر الْقَاف: الْمثل فِي الشجَاعَة. والأنامل: رُؤُوس الْأَصَابِع.

وأترك: يحْتَمل أَن يكون من التّرْك بِمَعْنى التَّخْلِيَة وَيَتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد فمصفرّاً: حَال من وَيحْتَمل أَن يكون من التّرْك بِمَعْنى التصيير فيتعدّى لمفعولين ثَانِيهمَا مصفرّاً. وَالْمعْنَى: اقتله فينزف دَمه فتصفرّ أنامله.

وَقَالَ الأعلم: خصّ الأنامل لِأَن الصُّفْرَة إِلَيْهَا أسْرع وفيهَا أظهر. وَقَالَ ابْن السيرافي فِي شرح أَبْيَات الْغَرِيب المصنّف: يُرِيد أَن يقتل الْقرن فتصفرّ أنامله. وَيُقَال: إِنَّه إِذا مَاتَ الميّت اصفرّت أنامله.

وأثواب: جمع ثوب. ومجّت: دميت وَالْمرَاد صبغت. والفرصاد بِكَسْر الْفَاء قَالَ الأعلم: هُوَ التّوت شبّه الدَّم بحمرة عصارته.

وَفِي الْقَامُوس: الفرصاد: التوث أَو أحمره أَو صبغ أَحْمَر. والتوث فِيهِ لُغَتَانِ يجوز فِي آخِره بالثاء الْمُثَلَّثَة وبالمثناة. وَأنكر صَاحب الصِّحَاح الأول ورد عَلَيْهِ. حكى أَبُو حنيفَة الدّينوريّ فِي كتاب النَّبَات أَنه بِالْمُثَلثَةِ وَقَالَ: لم يسمع فِي الشّعْر إِلَّا بِهِ.

وَأنْشد لمحبوب النّشهليّ:

لروضةٌ من رياض الْحزن أَو طرفٌمن الْقرْيَة حزنٌ غير محروث
أشهى وَأحلى لعَيْنِي إِن مَرَرْت بِهِمن كرخ بَغْدَاد ذِي الرّمّان والتوث

)

وَقَوله: لَا أعرفنّك لَا: ناهية. وَنهي الْمُتَكَلّم نَفسه قَلِيل. والأواخي: جمع آخية بِالْمدِّ وَالتَّشْدِيد وَالْبَيْت الشَّاهِد قد تداوله الشُّعَرَاء فبعضهم أَخذ المصراع وَبَعْضهمْ أَخذه تَمامًا بِلَفْظِهِ وَبَعْضهمْ أَخذ مَعْنَاهُ.

قَالَ أَبُو المثلّم الهذليّ يرثي صَخْر الغيّ الْهُذلِيّ:

وَيتْرك الْقرن مصفرّاً أناملهكأنّ فِي ربطتيه نضح إرقان
للشاعر الخنساء، من قصيدة «يا عين بكي على صخر لأشجان»

والإرقان بِكَسْر الْهمزَة وبالقاف: الزّعفران.

وَقَالَ المتنخّل الْهُذلِيّ يرثي ابْنه أثيلة:

والتّارك الْقرن مصفرّاً أناملهكأنّه من عقارٍ قهوةٍ ثمل
للشاعر المتنخل، من قصيدة «ما بال عينك تبكي دمعها خضل»

وَقَالَ زُهَيْر بن مَسْعُود الضّبّي:

(

هلاّ سَأَلت هداك الله مَا حسبي... عِنْد الطّعان إِذا مَا احمرّت الحدق)

هَل أترك الْقرن مصفرّاً أناملهقد بلّ من جَوْفه العلق

وَقَالَت ريطة الهذلية ترثي أخاها عمرا ذَا الْكَلْب:

الطاعن الطعنة النجلاء يتبعهَامثعنجرٌ من نجيع الْجوف أسكوب
والتارك الْقرن مصفرّاً أناملهكَأَنَّهُ من نجيع الْجوف مخضوب
للشاعر جنوب الهذلية، اقرأ القصيدة

وَقَالَ زُهَيْر بن أبي سلمى: المائح: الَّذِي يمْلَأ الدَّلْو فِي أَسْفَل الْبِئْر عِنْد قلَّة مَائِهَا. والأسن بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين: الَّذِي أَصَابَته ريح مُنْتِنَة من ريح الْبِئْر أَو غير ذَلِك فَغشيَ عَلَيْهِ أَو دَار رَأسه.

وَقَالَ أحد بني جرم:

وأترك الْقرن مصفرّاً أناملهدامي المرادع منكبّاً على العفر

وَقَالَت عمْرَة بنت شَدَّاد الْكَلْبِيَّة ترثي أخاها مَسْعُود بن شَدَّاد:

(

قد يطعن الطعنة النجلاء يتبعهَا... مضرّج بعْدهَا تغلي بإزباد)

وَيتْرك الْقرن مصفرّاً أناملهكَأَن أثوابه مجّت بفرصاد
للشاعر جبلة بن الحارث، من قصيدة «يا عين بكي لمسعود بن شداد»

وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة عبيد بن الأبرص فِي الشَّاهِد السَّادِس عشر بعد الْمِائَة وَوَقع نِسْبَة الْبَيْت الشَّاهِد فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ إِلَى بعض الهذليين وَلم أره فِي أشعارهم من رِوَايَة السكرِي. وَالله أعلم.)

وَأنْشد بعده: لما تزل برحالنا وَكَأن قد على أَنه قد يحذف الْفِعْل بعد قد لدليلٍ وَالتَّقْدِير: وَكَأن قد زَالَت فَحذف زَالَت لدلَالَة مَا قبله عَلَيْهِ وَكسرت الدَّال من قد للقافية.

وَهَذَا عجز وصدره: أفد الترحل غير أَن رِكَابنَا

وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ.

(

حرفا الِاسْتِفْهَام)

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»