من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد التسْعمائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَهُوَ من شَوَاهِد س:
أطرباً وَأَنت قنسريٌ على أَن همزَة الِاسْتِفْهَام فِيهِ للإنكار.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: هِيَ فِيهِ للإنكار التوبيخي فَيَقْتَضِي أَن مَا بعده وَاقع وَأَن فَاعله ملوم نَحْو: أتعبدون مَا تنحتون. انْتهى.
واورده سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا ينْتَصب فِيهِ على الْمصدر قَالَ: وَأما مَا ينْتَصب فِي الِاسْتِفْهَام من هَذَا الْبَاب فقولك: أقياماً يَا فلَان وَالنَّاس قعُود وأجلوساً وَالنَّاس يفرون. لَا يُرِيد أَنه يخبر أَنه يجلس وَلَا أَنه قد جلس وانقضى جُلُوسه وَلكنه مخبر أَنه فِي تِلْكَ الْحَال فِي جُلُوس وَفِي قيام.
وَقَالَ العجاج: أطرباً وَأَنت قنسريٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ: أتطرب أَي: أَنْت فِي حَال تطرب وَلم يرد أَن يخبر عَمَّا مضى وَلَا عَمَّا يسْتَقْبل.
انْتهى.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ نصب طرب على الْمصدر الْمَوْضُوع مَوضِع الْفِعْل وَالتَّقْدِير: أتطرب طَربا. وَالْمعْنَى: أتطرب وَأَنت شيخ.
والطرب: خفَّة الشوق هُنَا. والطرب أَيْضا: خفَّة السرُور. والقنسري: الشَّيْخ وَهُوَ مَعْرُوف فِي اللُّغَة وَلم يسمع إِلَّا فِي هَذَا الْبَيْت. انْتهى.
وَهُوَ من قصيدة للعجاج أَولهَا:
بَكَيْت والمحتزن البكيوَإِنَّمَا يَأْتِي الصِّبَا الصَّبِي
أطرباً وَأَنت قنسريٌوالدهر بالإنسان دواري
محر نجم الجامل والنؤي وَهَذِه القصيدة من مشطور السَّرِيع وضربها كعروضها مشطور مَكْشُوف وَهُوَ الضَّرْب السَّادِس مِنْهُ.
قَالَ ابْن الملا: زعم السُّيُوطِيّ فِي شرح الأبيات أَنَّهَا أرجوزة. وَفِيه نظر لِأَنَّهُ جعلهَا من الرجز يُؤَدِّي إِلَى أَن يكون فِي ضربهَا سوى الشّطْر تغييران: حذف نون مستفعلن وتسكين لامه غن)
أطلق على مجموعهما اسْم الْقطع. وَجعلهَا من السَّرِيع إِنَّمَا يُؤَدِّي إِلَى أَن يكون فِيهَا تَغْيِير وَاحِد وَهُوَ حذف تَاء مفعولات الْمُسَمّى بالكشف وتغيير وَاحِد أولى من تغييرين.
اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال: أطلق عَلَيْهَا الأرجوزة وَإِن كَانَت من السَّرِيع لشبهها بِمَا كَانَ مشطور الرجز وزوحف بِالْقطعِ.
وَأما ضرب مطْلعهَا فمزاحف بالخبن الَّذِي هُوَ حذف الثَّانِي السَّاكِن فوزن فعولن.
وَإِن جعل من الرجز وَجب أَن يكون فِيهِ ثَلَاث تغييرات. انْتهى.
وَقَوله: بَكَيْت هُوَ خطاب لنَفسِهِ. والمحتزن: مفتعل من الْحزن. قَالَ الْجَوْهَرِي: احتزن وتحزن بِمَعْنى. وَأنْشد الْبَيْت. والبكي: الكثيرؤ الْبكاء فعيل من بَكَى يبكي.
وَالصبَا بِكَسْر أَوله وَالْقصر: التصابي والميل إِلَى الْجَهْل وَحَقِيقَته أَن يفعل كالصبيان. وَالصَّبِيّ: فعيل قَالَ صَاحب الصِّحَاح: يُقَال: صبيٌ بَين الصِّبَا والصباء إِذا فتحت الصَّاد مددت وَإِذا كسرت قصرت. وَصبي صباءً كسمع سَمَاعا: لعب مَعَ الصّبيان.
وَقَوله: أطرباً تقدم إعرابه عَن سِيبَوَيْهٍ. قَالَ ابْن خلف: انتصب طَربا بِفعل مُضْمر دلّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهَام لِأَنَّهُ بِالْفِعْلِ أولى.
وَالتَّقْدِير: أتطرب طَربا وَإِنَّمَا ذكر الْمصدر دون الْفِعْل لِأَنَّهُ أَعم وأبلغ فِي المُرَاد. وَقد اسْتشْهد بِهِ ابْن مَالك على وجوب حجذف عَامل الْمصدر الْوَاقِع فِي توبيخ.
قَالَ السُّيُوطِيّ: وَالْمَشْهُور أَنه مَنْصُوب على أَنه مفعول مُطلق وَقيل: إِنَّه على الْحَال الْمُؤَكّدَة أَي: أتطرب فِي حَال طرب. حكى ذَلِك أَبُو حَيَّان. انْتهى.
وَلَا يخفى ركاكته. وَقيل: نصب بِفعل مُقَدّر: أتأتي طَربا كَمَا يُقَال: أتأتي مَعْصِيّة على أَنه مفعول بِهِ.
والطرب هُنَا: خفَّة من حزن كَمَا يدل عَلَيْهِ السِّيَاق خلافًا للأعلم.
وبخ نَفسه على وُقُوع الْحزن مِنْهُ مَعَ حَالَة الشيخوخة على ديار أحبته الخالية وَحقه أَن لَا يستفزه الْحزن وَأَن يكون متثبتاً لكَونه مِمَّن حنكته التجارب.
والدواري: مُبَالغَة دَار وَالْيَاء لتأكيد الْمُبَالغَة كالياء فِي أحمري. وَفِي الصِّحَاح: الدواري:
وَقَوله: من أَن شجاك من: تعليلية مُتَعَلقَة بطرباً أَو ببكيت. وشجاه بِالْجِيم يشجوه شجواً إِذا حزنه.)
والعامي: مَنْسُوب إِلَى الْعَام وَهُوَ الْحول وَالسّنة والمنزل الْعَاميّ: الَّذِي أَتَى عَلَيْهِ حول.
والكرسي: مَنْسُوب إِلَى الكرس بِكَسْر الْكَاف وَهِي الأبوال والأبعار يتلبد بَعْضهَا إِلَى بعض.
وقدماً بِالْكَسْرِ: ظرف ليرى بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول ونائبة ضمير طلل أَو منزل وَجُمْلَة من عَهده الْكُرْسِيّ: حَال مِنْهُ.
ومحرنجم بِفَتْح الْجِيم: مَكَان الاحرنجام وَهُوَ الازدحام وَهُوَ مَعْطُوف على الْكُرْسِيّ وواو الْعَطف محذوفة. والجامل بِالْجِيم: الْجمال وَالْإِبِل وَهُوَ اسْم جمع.
والنؤي: جمع نؤى بِضَم النُّون وَسُكُون الْهمزَة بعْدهَا يَاء جمع على فعول وَهُوَ حُفْرَة تحفر حول الخباء تمنع من دُخُول الْمَطَر.
وَهَذَا المصراع أوردهُ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْمفصل: قَالَ: أَسمَاء الْمَكَان وَالزَّمَان مَا بني من الثلاثي الْمَزِيد فيهه والرباعي فعلى لفظ اسْم الْمَفْعُول. وأنشده.
وَالْمعْنَى: أَن العجاج يُنكر على نَفسه الطَّرب فِي كبر سنه فَيَقُول: أتطرب طَربا وتخف خفَّة وَالْحَال أَنْت مسن كَبِير لَا يَلِيق بك الطَّرب والدهر دوار بالإنسان يديره من حَال إِلَى حَال ويقلبه وَذَلِكَ الطَّرب من أجل أَن حزنك منزل مضى عَلَيْهِ عَام وَقد خلا أَهله مِنْهُ فاندرس وَكنت قَدِيما تعهده فِيهِ الأكراس وَمَكَان ازدحام الْإِبِل والنؤي والآن اندرس وَلم يبْق مِنْهُ شَيْء. وَقَالَ بعض فضلاء الْعَجم: قَوْله: قدماً يرى... إِلَخ صفة منزل. ومحرنجم الجامل: بدل من الْكُرْسِيّ بدل الاشتمال والنؤي: عطف عَلَيْهِ وَيجوز أَن يكون صفة منزل. هَذَا كَلَامه.
وترجمة العجاج تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع