من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
فصل [في بيان معنى الهلال]
قال أبو حاتم: قال أبو زيد: يقال الهلال: ما دام ابن ليلة أو ابن ليلتين، فإذا استدار وعظم قبل أن يستدير فهو: القمر المستقبل، فإن غطّاه سحاب أو قوة فلم ير إلّا بعد ثالثة من أول الشهر فهو قمر، وإلّا يدعى هلالا.
وأمّا القمر: فهو ضوء القمر، ويقال: طلّع القمر، ولا يقال طلعت القمراء ولكن يقال: أضاءت القمراء، كما يقال أضاء القمر.
ويقال: قمر اللّيل، ولا يقال: قمر القمر، ويقال: قمرنا ونحن مقمرون، ويقال:
تقمّرت فلانا إذا قصدته في القمراء.
وروى الشّعبي أنّ شيخا تقمّر جارية ولم يبلغ منها ما أراد فرفعا إلى عمر فعزره وأراد تعزيرها أيضا فشهدوا لها أنها أنكرت قربه وصاحت فخلّى سبيلها.
ويقال: وضح القمر وضوحا.
ويقال: استهلّ الهلال وأتيتك عند مستهلّ الشّهر.
ويقال: أهللنا الهلال، وأهل الهلال، قال أبو حاتم: بالبصرة يقولون هلّ الهلال، ولا يجوز ذلك، قال أبو حنيفة: حكي عن الثّقة أنّه يقال: هلّ الهلال نفسه أي طلع وأهللناه نحن رأيناه، وإذا كان الهلال منبسطا قيل: هلال أوفق.
ويقال: أتيته عند إهلاله واستهلاله وهلة وهلّه وهلوله، وأتيته تيفاق الهلال وتوفاقه وميفاقه.
قال الفرّاء: يقال إذا عاينت الهلال رأيته قبلا، وإن استقبلك قبل: رأيته قبلا، قال:
وكل ما قابلك فهو قبل منك، وقال غيره: رأيت الهلال وهو أوّل ما يرى ولم ير قبل ذلك،
وتكلّم فلان قبلا، إذا تكلّم بكلام لم يكن قد استعد له.
ويقال: سلخت الشّهر سلخا وسلوخا وسلخ هو وانسلخ.
ويقال: نصف الشّهر وأنصف ونصف وكذلك كلّ شيء يؤول إلى النّصف. قال الفرّاء: طرح الألف أجوده، وحكى الجرمي عن الأصمعي: أنصف النّهار ولا يقال: نصف، ولكن يقال: نصف الماء القدح، هذا وما أشبهه ممّا يبلغ نصف غيره. قال:
ترى سيفه لا ينصف السّاق نعلهأجل لا وإن كانت طوالا محامله
وقال الفرزدق:
وإن يقنهبن الولايد بعد ماتعالى نهار الصّيف أو كاد ينصف
وقال ابن علس:
نصف النّهار الماء غامرةوشريكه بالغيب ما يدري
فكلتا اللّغتين صحيحة، وقال العجّاج في نصف:
حتى إذا اللّيل التّمام نصفا
وقال أبو زيد: يقال: انتصف النّهار انتصافا، وأنشد:
فانتصف النّهار والنّعاموالمهر مزدم له قتام
يعني أنّه عقر نصف النّعام على الفرس إلى نصف النّهار.
ويقال: وسط النّهار حكاه أبو زيد يقال: قمراء أضحيان، وهو ضوء القمر من أوّل اللّيل إلى الصّباح.
ويقال: أضحيان لكل ليلة من العشر الوسط، ويسمّون القمر في أول اللّيل وآخره قميرا يصغّرونه لصغره. قال ابن أبي ربيعة:
وقمير يد الخمس وعشرينله قالت الفتاتان قوما
يريد قومن وأنشد في القمراء:
يا حبّذا القمراء واللّيل السّاجوطرق مثل ملاء النّساج
والقمر الباهر في اللّيالي البيض ومعنى الباهر الذي يملأ كلّ شيء بضوء بهر بهورا، قال أبو حاتم: والبهر: الذي يصيب الإنسان من ذلك لأنّ المتنفس يمتلئ ويتردّد فيه النّفس فيستبهر. وقال:
عمّ النّجوم ضوؤه حين بهرفغمض النّجم الّذي كان ازدهر
وقال:
والقمر الباهر السّماء لقدزرنا كلانا بحجفل لجب
ليلة عفراء: ليلة ثلاث عشرة. ويقال لها أيضا: ليلة السّواء، وقال بعضهم: تسمّى بذلك لأنّ القمر يستوي فيها، وهو قول الأصمعي، وقال آخرون: لأنّه يستوي ليلها ونهارها. وقال: هي السّواء والغرّاء.
ويقال: أسفر القمر في أوّل ما يرى ضوؤه، ولم يظهر بعد، وأضاء القمر، وقالوا:
ليل أسفر، وقالوا: امتحق القمر، ولم يعرفوا فيه فعل يعني محق، والاسم المحاق والمحاقة غداة يخفى عليك، لأنّ الشّمس تغيبه عنك من أوّل نهارك قبل طلوعها ثم الاستسرار إلى أن يهلّ الهلال.
قال الأصمعي: المحاق أن يطلع القمر قبيل الشّمس في ضوئها، فلا يزال ينمحق حتى يذهب. والسرّار: أن يطلع خلفها. وقال أبو عبيدة: العرب تقول: لليلة ميلاد القمر: ابن ليلته وأنشد:
كأنّ ابن ليلة طلع جانحاقسيط لدى الأفق من خنصر
وقال أبو عبيدة: إنما قيل: ليلة البدر لأنّ القمر يبادر الشّمس أن يطلع، قال الله تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
أي يجرين في قطب المدار. وقال زهير:
لو كنت من شيء سوى بشركنت المنوّر ليلة البدر
قال أبو حاتم: قد روي عن ابن عباس هذا القول: إنّ القمر إنّما سمّي البدر لأنه يبادر أن يطلع، ولا أظنّه إلا غلطا عليه، إنّما البدر الممتلىء. ويقال: ليلة البدر، وقمر بدر وأبدر القمر صار بدرا. قال الشّاعر:
ثم كشعة القمر البدرحقوق الأحشاء والكبد
ويقال: غلام بدر إذا امتلأ شبابا قبل الاحتلام، وجاء ببدرة أي سقاء ممتلئ لبنا.
قال أبو عبيدة: ثم سمّوا ليلة البدر، وليلة النّصف، وليلة السّواء وهي ليلة ثلاث عشرة البيض قال: ولم أسمع عربيّا سمّى شيئا منهنّ ولكن عدّو هنّ فلمّا بلغوا آخر الشّهر سمّو ثلاثا منهنّ الدادي صفاة لشدّة ظلمتهنّ.
وقال أبو نصر: الدأداء: هي الغلبة إذا كنت تشكّ في اللّيلة هي ممّا أنت فيه أو من المقبل، يدل على هذا قوله:
هاجت عليه من الأشراط نافحةبغلته بين أظلام وأحفار
وقال:
تداركه في منضل الآل بعد مامضى غير ما دأدأ وقد كاد يذهب
ثم قالوا: سرار الشّهر. قال جرير:
رأت مرّ السّنين أخذن منّيكما أخذ السّرار من الهلال
ويكون سرار الثّلاثين من آخر الشّهر إذا تمّ الشّهر، فإذا نقص فهو سرار ليلة.
ويقال: أتيته عند سرار الشّهر وعند سرار القمر. قال:
تلقى نوؤهنّ سرار شهروخير النّوء ما لقي السّرار
وقال الكسائي: آخر ليلة من الشّهر. قال كثير:
هلال عشية لشفا غروبتسرّ وليلة بعد المحاق
وقال الراجز:
نحن صبحنا عامرا في دارهاعشيّة الهلال أو سرارها
والسّرار: يفتح ويكسر والفتح أعرف، وقال بعضهم: المحاق ثم السّرار لأنّ ضوءه يمتحق ثم يستتر. وقال غيره: امتحاق القمر: احتراقه واحتج ببيت ساعدة:
في ما حق من نهار الصّيف محتدم
ويقال: محاق القمر، ومحاق الشّهر. قال:
بنيت بها قبل المحاق بليلةفكان محاقا كلّه ذلك الشّهر
وقال آخر:
فإن تك كوكب الصّمعاء نحسابه ولدت وبالقمر المحاق
ويقال: حجر القمر، وقمر القمر: إذا استدار بخط دقيق.
ويقال: لحف القمر فهو ملحوف: إذا جاوز النّصف وأخذ في النّقصان. والبراء: آخر ليلة في الشّهر لتبرأ القمر من الشّمس.
ويقال: طفاوة القمر: إذا حجه وأنشد: كأنّه البدر في طفاوته. وبعضهم يفتح الطّاء فيقول طفاوة.
ويقال: أفتق القمر: إذا خرج من السّحاب لفرجة يجدها، والفرجة الخصاصة. قال ذو الرمة شعرا:
تريك بياض لبّتها ووجهاكقرز الشّمس أفتق ثمّ زالا
أصاب خصاصة فبدا كليلاكلا وانفلّ سائره انفلالا
وقال بعضهم: يسمّى القمر: الزّبرقان وهو من قولهم: زبرق عمامته: إذا صفّرها.
قال أبو حاتم: وزعم من لا أسكن إلى قوله أنّ القمر يسمّى في الدادي السّاهور. قال أمية بن أبي الصّلت:
والشّهر بين محاقه وهلالهأجل لعلم الناس كيف يعدد
ولا نقص فيه غير أنّ خبيئهقمر وساهور يسلّ ويغمد
وزعم أنّ السّاهور بالنّبطية أو السّريانية، وقال بعضهم: هو غلاف القمر يخرج منه أول حتى يبرز كلّه، فإذا انتصف الشّهر ارتدّ فيه.
وحكى بعضهم: ليالي السّاهور التّسع البواقي كلّها. وحكى الحارزنجي: السّاهور الشّهر، قال: ويقولون: لقوا الشّر في ساهوره، أي في كثرته. قال: والسّاهور من أسماء القمر وهو السّحاب أيضا، والسّاهرة الأرض العريضة البسيطة.
وقال شيخنا أبو علي: السّاهرة وجه الأرض من السّهر، ومعناه أنه إذا سهر قلق جنبه، فقلّ حظّه من الأرض، إمّا بالقيام، وإمّا بالقعود، وإمّا بالقلق والحركة فتأويله أنّه سلب ملابسة الأرض، وكذلك قولهم: سهروا والمعنى واحد والأخذ منزله كلّ ليلة والرّكس منزله الذي ينكسف فيه.
ويقال للسّواد الذي في القمر: المحو والشّامة. والهالة دارة القمر.
ويقال: طمس القمر والنّجم إذا ذهب ضوؤهما.
ويقال: القمر اللّيلة في الهالة قال: في هالة هلالها كالإكليل يعني دارته أنشد في الهالة:
فمن يسع من حيّ الأراقم جاهداليدرك مسعاة ابن هالة يسبق
ويقال: سميّت هالة لحسنها وجمالها كأنّهم شبّهوها. وقال قطرب: الفخت ضوء القمر والشّمس، وهي أيضا: ثقوب مستديرة في السّقف، وقد انفخت وقال ثعلب: الذي
يدل على أنّ الفخت الضّوء لا الظّل أن الفاختة سمّيت لفخت القمر ومنه الصّبغ الفاختي.
وكذلك ذكره أبو عبيدة والكسائي، ويقال: جاء تيفاق الهلال، وتوفاق الهلال، وتوفق الهلال، وميفاقه أي لوقته، وحين وجاء على نفته ونافته، وعلى أفاته أي لوقته.
وأخبر أبو عمر بن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: هو القمر- والطّوس- والجلم- والجيلم والأرسلم- والباهر- والزّبرقان- والرّباض- والبدر- والسّمار والمتّسق والبادر- والغاسق.
قال ابن الأعرابي: ويقال للهلال: الأزميم- وابن ملاط- وابن مزنة- قال شعرا:
كأنّ ابن مزنة طلع جانحافسيط لدى الأفق من خنصر
قال: ويقال له الأزميم إذا دفق. قال: كأنما شخصها في الآل أزميم. وزعموا أنّ أعرابية قالت لزوجها: لقد رأيت الأزميم بوجهك فما رأيت خيرا.
ويقال: قمر سنمار إذا كان مضيئا، وقمر سنمان بالنّون أيضا.
قال أبو عمرو: أخبرني السيّاري عن قوله في الغاشق أنّه القمر. وقلب الغسق عند العرب السّواد، قال: إنما قال: تعوّذي بالله من شرّ هذا الغاسق أي من شرّه إذا انكسف فهو آية ويسود، فمعناه يا عائشة افزعي إلى الصلاة واستعيذي بالله من شرّ هذه الآية إذا رأيتها، قال ابن الأعرابي وأنشد نصر والأسديون شعرا:
ومستنبت لا بالهلال نباتهوما أن تلاقت باسمه الشّفتان
له شامة سوداء في حرّ وجههمجللة لا ينقضي لأوان
ويدرك في تسع وستّ شبابهويهرم في سبع معا وثمان
قال: هو الهلال لأنّه ثبت بلا سقي ذكر الشفتان لأنّه ليس في اسم الهلال من الحروف التي ينضم عليها الشّفتان شيء وحرّ الوجه ما بدا منه ومنه قوله:
كريمة حر الوجه غير المحسر
وحكى ثعلب عن أبي مسجل عن الكسائي أهلّ الهلال واستهلّ، ولا يقال: هلّ ولا أهللنا الهلال. والحمرة التي يغيب فيها القمر يقال لها: الندأة. قال الفزاري والجمع ندى ثلاثة، أخط أحمر بين أخضرين، فإذا رأيتها فتق بالمطر من غرب أو شرق بإذن الله ﷿. قال ثعلب: الأخط جمع خط كما يقال: صل وأصل وشد وأشد. وغرة الشهر أوّل ليلة، لأنّ الهلال في أوّله كالغرة في وجه الفرس. وتقول العرب للحجر البراق: هو بصاقة القمر، وقيل بصاق وبصق. والبلماء ليلة البدر.
ويقال: وجه مسلم إذا امتلأ نورا واستكمل حسنا، وقال بعضهم: يقال كذلك طفاوة القمر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع