من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
فصل في أوقات التواريخ
في أوقات التّاريخ إنما غلّبت العرب اللّيالي على الأيام في التّاريخ، فقيل: كتبت لخمس بقين، وأنت في اليوم لأنّ ليلة الشّهر سبقت يومه، ولم يلدها وولدته ولأنّ الأهلّة لللّيالي دون الأيام، وفيها دخول الشّهر، ولذلك ما ذكرهما الله تعالى إلا وقدّم اللّيالي على الأيام قال تعالى: سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً
وقال تعالى:
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ
وقال تعالى: سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ
والعرب تستعمل اللّيل في الأشياء التي يشاركها فيها النّهار دون النّهار، وإن كانت لا تتم إلا به قال تعالى: وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ
وقال الفرّاء: ولقد دعاهم تغليب اللّيل على الأيام إلى أن قالوا:
صمنا عشرا من الشّهر. قال: وقال أنو شروان: اليوم عشر من الشّهر ويقولون: عندي عشر من الإبل وإن كانت ذكورا، وعشر من الشّاء وإن كانت كباشا، ويقولون: أدركنا اللّيل بموضع كذا لأنّه أوّل ألا ترى قول النّابغة:
فإنّك كاللّيل الذي هو مدركيوإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
ولم يقل كالنّهار.
وحكى بعضهم أنّ العرب تقول في اللّحم: ابن يومه، وفي الخبز ابن ليلة، وفي النبيذ ابن سنة وأنشد:
وفتيان صدق لا تغبّ لحامهمإذا شبّه النّجم الصّوار المنفّرا
ومدح حميد الطّوسي علي بن جبلة بمثل قول النابغة، فقرن إلى اللّيل النّهار فقال:
وما لامرىء حاولته منك مهربولو رفعته في السّماء الطّوالع
بل هارب لا يهتدي لمكانهظلام ولا ضوء من الصّبح ساطع
وقال عبيد الله بن عبد الله في معنى قول النابغة:
إنّي وإن حدّثت نفسي أنّنيأفوتك إنّ الرأي منّي لعاذب
لأنّك لي مثل المكان المحيط بيمن الأرض أنّى استنهضتني المذاهب
فجعل مكان اللّيل من قول النّابغة، لأنّك لي مثل المكان إذ كان لا بد للمخلوق من مكان وزمان، وقالوا: صمنا عشرا من رمضان، وأنشد أبو عبيدة:
فصامت ثلاثا لا مخافة بينهاولو مكثت خمسا هناك لصلّت
والشّهور كلّها مذكّرة سوى جماديين، ولا يذكّرون من شهر كذا إلا في ثلاثة أشهر:
شهر رمضان وشهرا ربيع، لأنّ الربيع وقت من السّنة فخافوا إذا قالوا من ربيع أن يظن أنه من الرّبيع الذي قبل الخريف، وقال الرّاعي:
شهري ربيع لا يذوق لبونهمإلّا حموضا وخمة ودويلا
الدّويل كسار الحلى ينبت مجتمعا، وكلّ ما يكسر من النّبات وأسود فهو دويل ولو كتب كاتب في ربيع الأول وفي رمضان، ولم يذكر الشهر لجاز وليس بالمختار كما قال:
جارته في رمضان الماضيتقطع الحديث بالإيماض
واعلم أنّه لا يكتب لليلة مضت لأنّهم يعدون في اللّيلة، فإذا أصبحوا كتبوا لليلة خلت، ويكتب أوّل يوم من كذا، ولا يكتب مهلّ كذا، ولا مستهل كذا لأنّ الهلال إنّما يرى باللّيل. وأنشد الأصمعي والشّعر لنابغة بني جعدة، وعاش ثمانين ومائة سنة:
قالت أمامة كم عمرت زمانهوربحت من عزّ على الأوثان
ولقد شهدت عكاظ قبل محلّهافيها وكنت أعد في الفتيان
والمنذر بن محرّق في ملكهوشهدت يوم هجا بن النّعمان
وعمرت حتّى جاء أحمد بالتّقىوقوارع يتلى من الفرقان
فلبست بالإسلام ثوبا واسعامن سيب لا حرد ولا منّان
وقال حين أتت عليه مائة واثنتا عشرة سنة:
مضت مائة لعام ولدت فيهوعشر بعد ذاك وحجّتان
وأبقى الدّهر والأيام منّيكما أبقى من السّيف اليماني
يصمّم وهو مأثور جرازإذا اجتمعت بقائمة اليدان
قال أبو عبد الله فتّاك الجاهليّة: الحارث بن ظالم المرّي- والبراض بن قيس الضّمري- وتأبّط شرّا واسمه جابر بن سفيان الفهمي- وحنظلة بن فاتك أحد بني عمرو بن أسد. وفتّاك
الإسلام: مالك بن ريب المازني- وعبيد الله بن الحر الجعفي- وعبد الله بن سبرة الجرشي- وعبد الله بن خازم السّلمي- والقتال الكلابي- ومرار بن يسار الفقعسي- وعتيبة بن هبيرة الأسدي- ومن باب التّاريخ قول الشّاعر:
ها أنا ذا أملّ الخلود وقدأدرك عمري ومولدي حجرا
أيا امرأ القيس هل سمعت بههيهات هيهات طال ذا عمرا
وما يجري مجرى التّاريخ بما يتضمّن من التّشبيه ما أنشده ابن الأعرابي وأظن بعضه قد مضى، وإن كان يسيرا، وأنشد أبو هفان وزعم أنّه من أحسن أشعارهم شعرا:
منعمة لم تلق بؤسا ولم تسقبعيرا ولم تضمم وليدا إلى نحر
ولم تدر أي النّاس أعداء قومهاوتمضي اللّيالي والشّهور ولا تدري
سوى أن تصوم الشّهر فيمن يصومهوتسأل عن يوم العروبة والفطر
فلو كنت ماء كنت صوب غمامةولو كنت مزنا كنت ثرة من بكر
ولو كنت لهوا كنت تعليل ساعةولو كنت نوما كنت تعريسة الفجر
كلفت بها عمري فلمّا تقطّعتوسائلنا ودّعت ما فات من عمري
وأنشد نفطويه عن أبي العبّاس ثعلب:
فلو كنت ليلا كنت ليلة صيفمن المشرقات البيض في وسط الشّهر
ولو كنت ظلّا كنت ظلّ غمامةولو كنت نوما كنت تعريسة الفجر
ولو كنت يوما كنت يوم سعادةترى شمسه والمزن يهضب بالقطر
وفي هذه الطّريقة ما أنشد به أحمد بن لجأ ويروى للعين المنقري:
فقيّم يا شرّ تميم محتدالو كنتم ماء لكنتم زبدا
أو كنتم ليلا لكنتم صرداأو كنتم شاء لكنتم نقدا
أو كنتم صوفا لكنتم فرداأو كنتم عيشا لكنتم جحدا
وأنشد:
لو كنت لحما كنت لحم كلبأو كنت نارا لم تحل في عطب
أو كنت ماء لم تسع لشربأو كنت سيفا لم تكن بعضب
وروى أبو عمر عنه أيضا قال: أنشدني أبو عبد الله:
لو كنت من مال امرئ ذي نيقةلكنت خير ناقة مسوّقة
من ناقة خوّارة رقيقةترميهم ببكرات روقة
وحكى ابن الأعرابي قال: غزا خالد بن قيس بن المضلّل فيمن تبعه من بني أسد فغنم وسبا فمرّت به جارية أعجبته فقال لها: كيف كان أبوك يطبخ اللّباء؟ قالت: كان يهنيه ويمنيه حتى يستقر، ورضفه فيه، فأعرض عنها ثم دعا بأخرى فسألها عن مثل ذلك، فقالت: كان يهذره ويمذره، ويطعن الفارس فينثره، فاتّخذها لنفسه، فجاءت بعاصم بن خالد، وكان يقال له: البر من برّه بأبيه وله يقول أبوه شعرا:
أرى كلّ أمر إلى عاصمفما أنا لو كان لم يولد
فلو كنت شيئا من الأشربات لكنت من الأسوغ الأبرد
قول الأولى: يهنيه ويمنيه: أي يحسن علاجه وهذا مما يوصف بها الرّعاة.
وقول الثّانية: (يهذره ويمذره): أي يفسده فإذا طعن الفارس أشرقه بدمه فأنثره، ويشبه هذا عندي قول الآخر:
إنّ عليها فارسا كعشرةإذا رأى فارس قوم أنثره
أورده منكفيا أو أشعره معنى أشعره: رماه بسهم جعله شعارا له، وهذا شبيه بقول الجعدي:
فتانا بطرير مرهف جفرةالمخرم منه فسعل يريد
لما جافه بالطعنة أشرقه بدمه فسعل به، وأنشدت عن نفطويه، قال: أنشدني ثعلب عن ابن الأعرابي:
لو كنت ليلا من ليالي الشّهركنت من البيض تمام البدر
بيضاء لا يشقى به من يسريأو كنت ماء كنت غير كدر
ماء سماء في صفاتي صخرأظلّه الله بعيص الصّدر
فهو شفاء من غليل الصّدر وأنشدت عنه أيضا قول الآخر:
فلو كنت يوما كنت يوم تواصلولو كنت ليلا كنت لي ليلة القدر
ولو كنت عيثا كنت نعمة جنةولو كنت نوما كنت تعريسة الفجر
وأنشده من غير هذا الوجه:
لو كنت من شيء سوى بشركنت المنوّر ليلة البدر
وأنشد أبو العبّاس المبرّد في الذّم والإزراء:
لو كنت ماء لم تكن بعذبأو كنت عاما كنت عام خصب
أو كنت سيفا لم يكن بعضبأو كنت غيرا لم يكن بندب
أو كنت لحما كنت لحم كلب
وأنشد ابن الأعرابي:
لو كنت ماء كنت لاعذب المذاق ولا مسوسا
ملحا بعيد القعر قدفلّت حجارته الفؤوسا
قال المسوس: كلّ ما شفى الغليل، لأنّه مسّ الغلة وأصابها وأنشد:
يا حبذا ريقتك المسوسوأنت خودبان شموس
ويقال: ماء قعاع، وزعاق وحراق وليس بعد الحراق في الملوحة شيء لأنه إذا شربت الإبل أحرقت أكبادها.
وروى لنا أبو الحسن البديهي قال: سمعت أبا عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي يقول: سأل بعض أهل العلم أصحابه فقال: أتعرفون رجلا من الصّحابة يروى عنه الحديث، ويقال له أسد بن عبد مناف بن شيبة بن عمرو بن المغيرة بن زيد؟ قالوا: لا. قال:
علي بن أبي طالب: سمّته أمّه فاطمة أسدا وهي بنت أسد باسم أبيها، وعبد مناف اسم أبي طالب، وشيبة اسم عبد المطلب وعمرو اسم هاشم، والمغيرة اسم عبد مناف، وزيد اسم قصي.
وأخبر أنّ النّبي ﷺ تولّى دفن فاطمة بنت أسد وكان أشعرها قميصا له، فسمع وهو يقول: ابنك، فسئل ﷺ فقال: إنّها سئلت عن ربّها فأجابت، وعن نبيها فأجابت، وعن إمامها فلجلجت، فقلت: ابنك ابنك.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع