من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
فصل [في أن تاريخ كل شيء في اللغة غايته ووقته الذي انتهى إليه]
تاريخ كل شيء في اللغة غايته ووقته الذي انتهى إليه. ومنه قولهم: فلان تاريخ قومه في الجود: يريدون الذي انتهى إليه ذلك، وسئل بعض أهل اللّغة ما معنى التاريخ؟ قال:
معنى التأخير. وقال آخر: بل هو إثبات الشيء.
ويقال: ورخت الكتاب توريخا هو لغة بني تميم وأرخته تأريخا لغة قيس وتأريخ وتاريخان وتواريخ.
ويقال: أرخ كتابك وورّخه. قال أحمد: جميع ما ذكرنا فيه من اختلاف اللّغات وما دارت عليه الكلمة في التّصاريف يدل على أنّها جارية مجرى ما أصله العربية دون ما نقل إليه من العجمية، ولكل نبوة ومملكة تاريخ، فأمّا العرب فكانوا يؤرخون بالنّجوم قديما وهو أصل، ومنه صار الكتّاب يقولون: نجمت على فلان كذا حتى يؤديه في نجوم ويجمع النّجوم أنجمه.
ويقال: نجم له رأي أي ظهر، واشتهر لفظة النّجم بالثّريا فأما قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى
كان الكلبي يقول: والقرآن إذا نزل نجوما أو شيئا بعد شيء وقال غيره: النّجم هاهنا الثّريا أقسم الله تعالى به على المعنى الذي فسّرناه كأنه قال: وخلقي الذي لا يقدر أحد أن يخلق مثله، وعلى أقسامه بالطّور والتّين وما أشبههما، وفسّروا قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
على النّجوم الطّوالع لقوله:
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
وعلى نجوم القرآن أيضا، وقيل في قوله:
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ
إنّ النّجم ما نجم من النّبات ولا ساق له ويقال لواحد: هذا النّجم نجمة. قال الحارث بن ظالم شعرا:
أحصي حمار بات يكدم نجمةأتوكل جيراني وجارك سالم
صغّر أمره وشبّهه بحمار سوء، وكانت العرب تؤرّخ بكلّ عام ينفق فيه أمر جليل مشهور متعارف كتاريخهم بعام الفيل، وفيه ولد النبيّ ﷺ وكان ذلك في السّنة الثامنة والثّلاثين من ملك كسرى أنو شروان.
وروي لنا عن أبي العيناء في إسناد يرفعه إلى أبي جعفر محمد بن علي قال: ولد رسول الله ﷺ ليلة الاثنين لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول، وكان الفيل في النّصف من المحرّم بينه وبين مولد رسول الله ﷺ خمس وخمسون ليلة. وبذلك الإسناد أنّ رسول الله ﷺ ماتت أمّه وله ستّ سنين.
وروى جبير بن مطعم أنه قيل لرسول الله ﷺ: أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: أنا يومئذ ابن ثمان سنين.
وروي عن الزّهري أنّ أبا رسول الله ﷺ توجّه إلى الحجاز ممتارا فمات ورسول الله ﷺ حمل.
وروي أن آمنة أم رسول الله ﷺ ماتت وتركت أم أيمن وهي أم أسامة بن زيد، فأرثها رسول الله ﷺ وكان إذا رآها قال: بقية أميّ. فهكذا كان يجري أمر التّاريخ، وكما أرّخوا قبله بعام الخنان لأنّهم تماوتوا فيه، وعظم أمره عليهم. قال النّابغة شعرا:
فمن يك سائلا عنّي فإنّيمن الشّبان أيّام الخنان
مضت مائة لعام ولدت فيهاوعشر بعد ذاك وحجّتان
فقد أبقت صروف الدّهر منّيكما أبقت من السّيف اليماني
وروي من غير وجه أنّه كان بعد النّبي ﷺ كان الأقرع بن حابس يحكم العرب في كلّ موسم، وكانت العرب تتيّمن وهو أول من حرّم القمار، فانقادوا له لذلك قال البعيث:
وعمّي الذي انقادت معد لحكمهفألقوا بأرسلان إلى حكم عدل
قوله: القوا بأرسلان: كما قيل: ألقيت إليك المقاليد، وما أقل من أرّخ في شعره على أنه يروى للمستوعز بن ربيعة وهو من المعمّرين:
ولقد سئمت من الحياة وطولهاوازددت من عدد السّنين سنينا
مائة أتت من بعدها مائتان ليوأردت من عدد الشّهور مئينا
هل ما بقي إلّا كما قد فاتنايوم يكرّ وليلة تحدونا
قال أكثم بن صيفي:
إن امرأ قد سار تسعين حجّةإلى مائة لم يسأم العيش جاهل
أتت مائتان غير عشر وفاءهاوذلك من مرّ اللّيالي قلائل
أنشد المازني:
هزئت زينب وإن رأت يرميوإنّ الخنى ليقال من ظهري
من بعدما عهدت فأدلفنييوم يجيء وليلة تسري
حتّى كأنّي خاتل قنصاوالمرء بعد تمامه يجري
لا تهزئي منّي زينب فمافي ذاك من عجب ولا سحر
أولم تري لقمان أهلكهما اقتأت من سنة ومن شهر
وبقاء نسر فلمّا انقرضتأيامه عادت إلى نسر
ما طال من أبد على لبدرجعت محورته إلى قصر
ولقد حلبت الدّهر أشطرهوعلمت ما أتى من الأمر
وأرّخت العرب بموت هشام بن المغيرة المخزومي لجلالته فيهم، ولذلك قال الشاعر:
وأصبح بطن مكّة مقشعرّاكأنّ الأرض ليس بها هشام
ومات زهير بن أبي سلمى قبل مبعث النّبي ﷺ بسنة، ومات النّابغة قبله فقال زهير لبنيه: رأيت رؤيا وليحدثنّ أمر عظيم ولست أدركه رأيت كأنّي أصعدت إلى السماء حتى إذا كدت أنا لها انقطع السبب، فهويت فمن أدركه منكم فليدخل فيه فأتى ابنه بحير النبي ﷺ وكان زهير يكنى بحير فأسلم وأبى كعب أن يسلم حتى هاجر النّبي ﷺ إلى المدينة فقدم وأسلم، ومدح النّبي ﷺ بقصيدته اللّامية واعتذر مما كان فيها.
وروى الزّهري والشّعبي أنّ بني إسماعيل أرّخوا من نار إبراهيم إلى بنائه البيت حين بناه مع إسماعيل فإنّ بني إسماعيل أرّخوا من بنيان البيت إلى تفرق معد، ثم أرّخوا بشيء إلى موت كعب بن لؤي، ثم أرّخوا بعام الفيل إلى أن أرّخ عمر بن الخطاب من هجرة النبي ﷺ وكان سبب ذلك أنّ أبا موسى كتب إليه أنه يأتينا من قبل أمير المؤمنين كتب ليس لها تاريخ، فلا ندري على أيّها نعمل.
وروي أنه قرأ صكا محلّه شعبان، فقال الشّعابين الماضي أم الآتي؟ فكان ذلك سبب التّاريخ من الهجرة بعد أن أرادوا أن يؤرّخوا من المبعث، ثم اتّفق الرأي على الهجرة، وقالوا: ما نجعل أوّل التّاريخ؟ فقال بعضهم: شهر رمضان وقال بعضهم: رجب، فإنّه شهر حرام، والعرب تعظّمه، ثم اجمعوا على المحرّم فقالوا: شهر حرام وهو منصرف النّاس عن الحج، وكان آخر الأشهر الحرم فصيّروه أوّلا لأنّها عندهم ثلاثة سرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب فكان الأربعة تقع في سنتين. فلما صار المحرم أولا اجتمعت في سنة، والتاريخ لغة قيس، وعليه استعمال النّاس والتّوريخ لغة تميم وما استعمله كاتب قطّ، وإن كان التّكلم به كثيرا في ألسنة العرب.
وقال بعض الكتّاب: التاريخ عمود اليقين- مبيد الشّكوك- به تثبت الحقوق- وتحفظ العهود.
قال أبو بكر الصّولي: وكان لا يقع التّاريخ في شيء من الكتب السّلطانية من رئيس أو مرءوس إلّا في أعجاز الكتب، وقد يؤرخ النّظر والتّابع ما خص من الكتب في صدورها.
وقال إبراهيم بن العباس: الكتاب بلا تاريخ نكرة بلا معرفة، وغفل بغير سمة.
قال أبو عبد الله: وكتب عمر بن الخطاب إلى الأمصار أن يبعث إليه من كلّ مصر برجله، فوفد عليه عتبة بن فرقد السّلمي من الكوفة- ومجاشع بن مسعود السّلمي من البصرة- وأبو الأعور السّلمي من الشّام- ومعن بن يزيد السّلمي من مصر فتوافوا عنده كلّهم من بني سليم.
قال أبو الحسن علي بن سليم: قال بعض الشعراء في صاحب توفّي وكان يؤرّخ علم القرون فها هو اليوم أرخاء.
وذكر الصّولي أنّه كاتب أبا خليفة الفضل بن الحباب القاضي في أمور أرادها، قال:
فأغفلت التّاريخ، فكتب بعد نفوذ الثّاني: وصل كتابك مبهم الألوان مظلم البيان، فأدى جراما القرب فيه بأولى من البعد، فإذا كتبت أعزّك الله فلتكن كتبك موسومة بتاريخ لأعرف به أدنى آثارك، وأقرب أخبارك إن شاء الله قال: فكتبت إليه كتابا جعلت التّاريخ في صدره وقلت معه: قد قبلنا دلائل البرهان- واعترفنا بالبرّ والإحسان- وجعلت التّاريخ بعد دعاء لائحا للعيون كالقنوان.
شعر:
حبّذا أنت من مفيد علوموافدات بحكمة وبيان
هي أسنى ذكرا وأكثر نفعامن كنوز اللّجين والعقيان
فكتابي إليك يا زينةالدّنيا لخمس خلون من شعبان
قال أبو العباس: آخر من مات بالكوفة من الصّحابة من الأنصار عبد الله بن أبي أوفى- وبالبصرة أنس بن مالك، وبالشّام أبو أمامة الباهلي، وبالمدينة سهل بن سعد، وبمكة عبد الله بن عمر ﵃، وممن ذكر سنه في شعره وأرّخه زهير بن خباب الكلبي في قوله:
ونادمت الملوك من آل عمرووبعدهم بني ماء السّماء
وحقّ لمن أتت مائتان عاماعليه أن يملّ من الشّواء
قال الصّولي: وكنّا يوما عند المغيرة بن محمد المهلبي، فقال له رجل: كم كان سن يزيد بن المهلّب يومئذ؟ فجعل جوابه إنشادا بمبلغه فقال: أنشدني التّوجي لحمزة بن بيض الحنفي فيه يرثيه:
أغلق دون السّماح والنّجدةوالمجد باب خروجه أشب
يان ثلاث وأربعين مضتلا صريح واهن ولا ثلب
لا بطر إن تتابعت نعموصابر في البلاء محتسب
برزت سبق الجواد في مهلوقصرت دون سبقك العرب
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع