تجاوز إلى المحتوى

من «التطفيل وحكايات الطفيليين» للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ)

بَاب فِي من ذم التطفيل وأَصْحَابه, وهجا بِهِ غيره وعابه

أخبرنا الحسن ابن أَبِي بَكْرٍ, أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ, أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ, أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْوَاسِطِيُّ, أَخْبَرَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ, حَدَّثَنِي قُرَّةُ, عَنْ مُحَمَّدٍ, قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِهَذَا الْبَيْتِ:

يُحِبُّ الْخَمْرَ مِنْ مَالِ النَّدَامَىوَيَكْرَهُ أَنْ تُفَارِقَهُ الْفُلُوسُ

أنشدني مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن عبيد اللَّه البزاز لبعضهم:

يحب الراح من مال الندامىويأكل أكل شداد بْن عاد
ولا يَرْوِي من الأشعار شَيْئًاسِوَى بَيْت لأبرهة العبادي
قليل المال يصلحه فيبقىولا يبقى الكثير عَلَى الفساد

وأنشدني أيضًا لآخر:

طفيلي يرى التطفيل دينًاوقرة عينه غشيان عرس
إِذَا قبضت يداه عَلَى رغيفيقسم نهبه بيد وضرس

أَخْبَرَنَا أَبُو الفتح مَنْصُور بْن ربيعة بْن أَحْمَد الزهري

الخطيب بالدينور, حَدَّثَنِي آدم الطويل, وقال: دَخَلَ حانوتي رجل يأكل شيئًا من الطعام, فتقدم سائل, فَقُلْتُ: مَا أَكْثَر ترددك إلي! فَقَالَ الغريب الَّذِي فِي الحانوت: لعله كَمَا قَالَ الشاعر:

لو طبخت قدر بمطمورةأَوْ فِي ذرى قصر بأقصى الثغور
وكنت بالصين لوافيتهايا عالم الغيب بِمَا في القلوب

أنشدني مُحَمَّد بْن عَلِي بْن عبيد اللَّه الكرخي:

لو أوقد الراعي عَلَى شاهقبالطرق وافى جبل الطرق
أَوْ كانت الإبرة سدا لَهُلانسل كالبرق من الخرق
تأكل أرزاق بَنِي آدموأنت مخلوق بلا رزق

أنشدني عَلِي بْن الْحَسَن بْن الصقر, أنشدني الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن جَعْفَر الخالع لبعضهم:

يا وارث التطفيل عَن والدأحكم بالرفق وبالحذق
تأكل أرزاق بَنِي آدموأنت مخلوق بلا رزق

أنشدني مُحَمَّد بْن عَلِي بْن الْحَسَن الجلاب لبعضهم:

أسرف فِي التطفيل من ذبابعَلَى طَعَام وعلى شراب
لو أبصر الرغفان فِي السحابلطار فِي الجو مَعَ العقاب

أنشدني عَلِي بْن المحسن بْن عَلِي الْقَاضِي لأبي عَلِي سُلَيْمَان بْن الفتح الموصلي المعروف بابن الزمكدم؛ يهجو أبا إسحاق ابن حجر الأنطاكي الملقب أبا الفضائل, ويرميه بالتطفيل:

مطفل أطفل من ذبابعَلَى طَعَام وعلى شراب
للشاعر ابن الزمكدم، اقرأ القصيدة
لقب طنزا أشرف الألقابأدور بالموصل من دولاب
للشاعر ابن الزمكدم، اقرأ القصيدة
يمر مر الريح والسحابينزل تطفيلًا بباب بَاب
نزول شيب لاح فِي شبابيدخل بالحيلة فِي الأنقاب
للشاعر ابن الزمكدم، اقرأ القصيدة
مكابرًا ينساب كالحبابلا يفرق الرد من البواب
للشاعر ابن الزمكدم، اقرأ القصيدة
وإن لَهُ أغلظ فِي الْخَطَّابلَهُ انقضاض سورة العقاب
عَلَى القلايا وعلى الجواذبيحمل حملات أَبِي تراب
فِي يَوْم صفين وَفِي الأحزاببالجدي منه أثر الذئاب
يمغثه مغثة ليث الغاببكفه وظفره والناب
للشاعر ابن الزمكدم، اقرأ القصيدة
فعامر الميدة فِي خرابوصاحب المنزل فِي عذاب
للشاعر ابن الزمكدم، اقرأ القصيدة

لسوء مَا يَأْتِي من الآداب

قَالَ عَلِي بْن المحسن: وَقَالَ فِيهِ أيضًا يهجوه:

طفيلي عَلَى فرس يدوريقدر عِنْدَ من غلت القدور
بأوقات الموائد حِينَ يؤتىبِهَا للأكل علام خبير
لَهُ فِي الغيب اصطرلاب وحيبمائدة إِذَا وضعت نذير
فبطليموس فِي تحديد وقتإِلَيْهِ بغير مَا غلط يشير
ولو قَالُوا بتاهرت طَعَاملمر إِلَيْهِ تطفيلًا يسير
كأن عَلَى الموائد منه ليثاعَلَى خيوانها حنقًا يزير
فرب الدار منه فِي حصارومن فِيهَا بخدمته ضجور
يكنى بالفضائل وَهُوَ نقصعَلَى طنز بلحيته صبور

قرأت فِي كتاب صاحبنا مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن زَيْد العلوي لبعض الأدباء:

يعجبه من عنده دعوةفَهُوَ يراها أبدا في المنام
قد كتبت التطفيل فِي وجهههَذَا حبيس فِي سبيل الطعام

أنشدني عَلِي ابن أَبِي عَلِي البصري, عَن أَبِيهِ, لأبي

الْحَارِث الموصلي فِي طاهر الهاشمي, يهجوه بالتطفيل:

عَمْرو العلا ساد الورىبالجود والفعل الحميد
هشم الثريد لقومه لقومهوالناس فِي ضر شديد
وهشمت أنت وجوه أهل الأَرْض فِي طلب الثريد
حَتَّى ارتجعت ثريدهوشرعت فِي طلب المزيد
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة
لو أن قوما يشترون الحب فِي جبلي زرود
لطرقتهم بضيائهمفِي نارهم ذَات الوقود
وإذا سمعت بثردةألفيت منها بالوصيد

وأنشدني علي ابن أَبِي عَلِي أيضًا, عَن أَبِيهِ لغيره:

أطفل من ليل عَلَى نهاركَأَنَّهُ فِي الدار رب الدار

أنبأنا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الخالع, أَخْبَرَنَا أَبُو الفرج عَلِي بْن الْحُسَيْن الأَصْبَهَانِي, أَخْبَرَنَا المطيري, أخبرنا عبد الله ابن أَبِي سَعْد, حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن خليفة الدرامي, حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سلمة, قَالَ: مَات لمساور الوراق بنت فِي يَوْم حار, فلم يحشد إِلَيْهِ جيرانه, وتخلفوا عَنْهُ إلا نفيرًا حَتَّى أبردوا, فحملت وَقَدْ تبعه مِنْهُم قوم, فلما انصرف, قَالَ:

تخلف عني كُل جاف ضرورةوكل طفيلي من الْقَوْم عاجز
سريع إذا كَانَ يَوْم وليمةبطيء إِذَا مَا كَانَ حمل الجنائز

أنشدني مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن عبيد البزاز لعلي بْن الْعَبَّاس بْن جريج الرومي فِي أكول من الطفيليين:

يخالف إخوانه فِي الطريقإِلَى أَن تضمهم المائده
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يخالف إخوانه في الطريق»
فبينا كذاك إِذَا هُمْ بِهِمَعَ الْقَوْم كالحية الراصده
يلين الطحين عَلَى ضرسهولو كَانَ من صخرة جامده
ويأكل زاد الورى كُلهُولكنها أكلة واحده
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يخالف إخوانه في الطريق»
فلو عاينته جحيم الإلهلخرت لمعدته ساجده

أخبرنا علي بن محسن التنوخي, قَالَ: وجدت فِي كتاب جدي الْقَاضِي أَبِي القاسم عَلِي بن محمد ابن أبي الفهم: أخبرنا حرمي ابن أَبِي العلاء, أنشدني إِسْحَاق بْن مُحَمَّد بْن أبان النخعي لبعض البصريين فِي طفيلي:

يمشي إِلَى الدعوة مستذفرًامشي أَبِي الْحَارِث ليث العرين
لَمْ ترعيني آكلًا مثلهيأكل باليسرى معًا واليمين
تجول فِي القصعة أطرافهلعب أَخِي الشطرنج بالشاهيين

أنشدني مُحَمَّد بْن عَلِي بْن عبيد اللَّه الكرخي لبعضهم:

سواء عَلَيْهِم قدموا أَوْ تأخروايوافي مَعَ الطباخ ساعة يفرغ
فيمسك من فِي الْبَيْت خوف لسانهويرجع رب الْبَيْت من حيث يبلغ

أنشدني أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد بْن الْقَاسِمِ العلوي لجحظة من قصيدة يهجو بها بعض المغنيين:

أظهرت التطفيل مَا لَمْ يكنيعرف فِي التطفيل أهل العقول
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
تأكل سحتا وتزل الَّذِييبقى من الزاد لأم النقول
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر عَبْد اللَّهِ بْن عَلِي بْن حمويه الهمذاني بِهَا, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ الشيرازي, قَالَ: سمعت أبا الْعَبَّاس أَحْمَد أَحْمَد بْن سَعِيد بْن معدان يَقُول: سمعت أبا الْحَسَن مُحَمَّد ابن أَبِي خرسان يَقُول: سمعت العمري يَقُول: سمعت الجاحظ يَقُول: كَانَ عندنا فتى يعشق جارية, فكتب إِلَيْهَا يومًا: جعلت فداك, ابعثي إلي بشيء من الخبيص والخشكنانج, فَإِن عندي قومًا من القراء. فبعثت إِلَيْهِ, فلما كَانَ اليوم الثَّانِي كتب إِلَيْهَا: جعلت فداك, ابعثي إلي بشيء

من النبيذ وَمَا يصلحه, فَإِن عندي قومًا من القيان. فكتبت إِلَيْهِ: أبقاك اللَّه وحفظك, رأينا الحب يَكُون فِي القلب, فَإِذَا فشا دب فِي المفاصل؛ وحبك مَا يزول من المعدة, وأراك طفيليا تتأكل بالعشق.

النص من طبعة دار ابن حزم (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التطفيل وحكايات الطفيليين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.