من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الفقيه العالم أبو مَرْوان عبد الملك بن حبيب السُّلَميّ
أي شرف لأهل الأندلس ومَفخر، وأيّ مُرهف على مُلحد أزرى بالإسلام أو سَخِر، خلّدت منه الأندلس فقيهاً عالماً، أعاد مجاهل
جَهلِها معالماً، وأقام فيها للعلوم سوقاً نافقة، ونشر منها ألوية خافقة، وجلا عن الألباب صَدأ الكَسل وشَحذها شَحذ الصَّوارم والأسَل، وتصرّف في فنون العلوم وعرف كل معلوم، وسمع بالأندلس وتفقّه، حتى صار أعلم من بها وأفقه، ولقي أنجاب مالك، وسلك من مناظراتهم أوعر المسالك، حتى أجمع عليه الاتفاق، ووقع على تفضيله الإصفاق، ويقال إنه لقي مالكاً آخر عمره، وروى عنه عن سعيد بن المسيب: أن سليمان بن داود ﵉ كان يركب الريح من اصطَخر إلى بت المقدس فيتغدّى بها ثم يعود فيتعشى باصطخر، وله في الفقه كتاب الواضحة ومن أحاديثه غرائب، قد تحلّت بها للزّمان نحور وترائب.
وقال محمد بن لُبَابة: فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها
عبد الملك بن حبيب، وراويها يحيى بن يحيى.
وكان عبد الملك قد جمع إلى علم الفقه والحديث علم اللّغة والإعراب وتصرّف في فنون الآداب، وكان له شعر يتكلم به سِحراً، ويرى ينبوعه بذلك منفجراً، وتوفي بالأندلس في رمضان سنة ثمانٍ وثلاثين ومائتين، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، بعدما دوّخ الأرض، وقطع طولها والعَرض وجال في أكنافها، وانتهى إلى
أطرافها:
ومن شعره قوله:
صلاحُ أمري والذي أبتغيهين على الرَّحْمن في قُدْرَتِهِ
ألْفٌ من الحُمْر وأقلِلْ بهالعالم أرْبى على بُغيَتِهِ
وكتب إلى محمد بن سعيد الزّجالي رسالة ووصلها بهذه الأبيات:
كَيفَ يُطيقُ الشِّعرَ من أصبحتْحالته اليومَ كحالِ الغَرِقْ
والشعر لا يسلس إلاّ علىفراغِ قَلْبٍ واتّساع الخُلُقْ
فاقنع بهذا القول من شاعرٍيرض من الحظّ بأدنى العَنَقْ
فضلُك قد بانَ عليها كَمَابان لأهل الأرض ضوءُ الشَّفَقْ
أما ذمام الودِّ منّي لكُمْفَهوَ من المَحتُومِ فيما سَبَقْ
ولم يكن له عِلم بالحديث يعرف به صحيحه من معتلِّه، ولا يفرَّق بين مستقيمه ومختلّه، وكان غرضه الإجازة وأكثر رواياته غير مستجازة، قال ابن وضّاح: قال إبراهيم بن المنذر: أتى صاحبكم
الأندلسي - يعني عبد الملك هذا - بغرارة مملوءة، فقال لي: هذا علمك؟ قلت له: نعم ما قرأ عليّ منه حرفاً، ولا قرأته عليه، وحُكي أنه قال في دخوله المشرق، وحضر مجلس بعض الأكابر فازدراه من رآه:
لا تَنْظُرنَّ إلى جِسْمي وقِلَّتِهِوانظر لصدري وما يحوي من السُّنَنِ
قربّ ذي مَنظَرٍ من غير مَعرِفَةٍوربّ مَنْ تزدريه العين ذو فِطَنِ
وربّ لُؤلْؤَةٍ في عَيْن مَزْبَلَةٍلم يُلقَ بالٌ لها إلاّ إلى زَمَنِ
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع