من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الفقيه أبو عبد الله محمّد بن عبد السَّلام الخُشَنيّ
كان فصيح اللسان، جزيل البيان، وكان أنُوفاً مُنقبضاً عن السُّلطان لم يتشبث بدُنيا، ولم يُنكث له مُبرم عَليا، دعاه الأمير محمد إلى القضاء فلم يُجب، ولم يُظهِر رَجاءَه المُحتجِب، وقال: أبيتُ عن أمانة هذه الديانة، كما أبت السَّموات والأرض عن حمل الأمانة، إباية إشفاق، لا إباية عصيان ونفاق، وكان الأمير قد أمر الوزراء بإجباره، أو حمل السيف إن تمادى على تأبيه وإصراره ن فلمّا بلغه قوله هذا أعفاه، وكان الغالب عليه علم النّسب، واللغة والأدب ورواية الحديث، وكان مأموناً ثقة، وكانت القلوب على محبّته متّفقة وله رحلة دخل فيها العراق، ثم عاد إلى هذه الآفاق، وعندما اطمأنّت داره،
وبلغ أقصى مُناه مَدارُهُ، قال:
كَأنْ لم يكُ بَيْنٌ ولم تكُ فرقَةٌإذا كان من بعد الفِرَاقِ تلاقِ
كأن لم تُؤَرَّق بالعراقين مُقْلتيولم تُمْر كفُّ الشوق ماء مآقِ
لوم أَزُرْ الأعرابَ في جَنْب أرْضهمبجَنْبِ اللّوى من رامةٍ وبرَاقِ
ولم اصطبح في البِيدِ من قهوة النَّوىكؤوساً سقانِيَها الفِرَاقُ دِهَاقِ
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع