من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الفقيه العالم أبو عُمَر أحمد بن عبد ربّه رحمه الله تعالى
عالِم سَاد بالعِلم ورَأسَ، واقتبس به من الحُظوة ما اقتبس، وشُهِرَ بالأندلس حتى سار إلى المشرق ذِكره، واستطار شَرر الذّكاء فِكرُه، وكانت له عِناية بالعِلم وثِقة، ورواية له مُتسِقة، وأما الأدب فهو - كان - حُجَّته، وبه غَمرت الإفهام لُجَّته، مع صيانة وورع، وديانة ورد ماءَها فكرع، وله التأليف المشهور الذي سمّاه بـ العِقْد وحماه عن عثرات الألباب، وتُبصِر السَّحر منه في كُل باب، وله شعر انتهى منتهاه، وتجاوز سماك الإحسان وسُهاه.
أخبرني أبو محمد بن حزم أنه مرّ بقصر من قصور قُرطبة لبعض الرؤساء فَسَمع منه غناء أذهب لُبَّه، وألهَب قلبه، فبينما هو واقف تحت القصر، إذ رُشَّ بماء من أعاليه، فاستدعى رَقعة، وكتب إلى صاحب القصر بهذه القطعة:
يا من يَضِنُّ بِصَوْتِ الطّائِرِ الغّرِدِما كنت أحْسبُ هذا البُخْل في أحَدِ
لو أنَّ أسماعَ أهلِ الأرضِ قاطبةًأصْغَتْ إلى الصَّوْتِ لم يَنْقُص ولم يَزِدِ
فلا تَضِنَّ على سَمْعي ومُنَّ بِهِصوتاً يجولُ مجالَ الرّوحِ في الجَسَدِ
أمّا النبيذ فإنّي لستُ أشربهُولست آتيك إلاّ كسوتي بيدي
وعزم فتي كان يتألَّفُهُ، وخامره كَلفُه، على الرحيل في غده، فأذهبت عزمته قُوى جَلدهِ، فلما أصبح عاقته السَّماء بالأنواء، وساقته مُكرهاً إلى الثواء فاستراح أبو عُمَر من كمدِه، وأنفَسح له من التواصيل ضائق أمَدِه، فكتب إلى المذكور، العازم على البُكُور:
هَلاَّ ابتكْرتَ لِبَينٍ أنْتَ مُبْتكِرهيهات يأبى عليكَ الله والقدَرُ
ما زلت أبكي حِذَارَ البَيْن مُلتَهِبَاحتى رثى لي فيك الرّيحُ والمَطَرُ
يا بَرْدَه من حَيَامُزْن على كَبِدٍنيرانُها بغَليلِ الشوق تَسْتَعِرُ
آليتُ أن لا أرَى شَمْساً ولا قَمَراًحتَّى أراكَ فأنتَ الشَّمْسُ والقَمَرُ
ومن شِعره الذي صرّح به تصريح الصَّبِّ، وبرَّح فيه من وقائع اسم الحبَ، قوله:
الجِسْمُ في بَلَدٍ والروح في بَلَدٍيا وحشةَ الروحِ بل يا غُرْبةَ الجَسَدِ
إنْ تَبْكِ عيناكَ لي من كَلِفْتُ بِهِمن رَحمَةٍ فَهُما سَهْمَاكَ في كَبِدي
ومن قوله:
وَدَّعَتْني بِزَفْرَة واعتناقِثمّ قالت: متى يكون التلاقِ
وَبَدَتْ لي فأشرقَ الصُّبحُ مِنْهَابين تلك الجيوب والأطْواقِ
يا سقيمَ الجفون من غيرِ سُقْمٍبين عينيكَ مصرع العشاقِ
إنّ يَوْمَ الفِرَاقِ أفْظَعُ يومليتني مُتُّ قَبْلَ يَوْمِ الفِرَاقِ
وله أيضاً:
يا ذا الذي خَطَّ الجمَالُ بخدّهخَطّين هاجا لوعةً وبلابلا
ما صَحَّ عِنْدي أنّ لَحْظَكَ صَارِمحتى لبستَ بعارضيك حمائلا
أخبرني بعض العِلية أن الخطيب أبا الوليد بن عبّاد حجّ فلما انصرف تطلّع إلى لقاء المتنبي واستشرف، ورأى أن لُقياه فائدة يَكتسِبُها، وحُلَّة فخر لا يَحتسِبُها، فصار إليه فوجده في مسجد عمرو بن العاص ففاوضه قليلاً، ثم قال: أنشدني لمليح الأندلس، ويعني ابن عيد ربّه، فأنشده:
يا لُؤلؤا يَسْبي العُقُول أنِيقَاوَرَشاً بتقطيعِ القُلُوبِ رَفِيقَا
ما إنْ رأيتُ ولا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِدُرَّاً يعودُ من الحياء عَقِيقَا
وإذا نظرتَ إلى محاسن وَجْههِأبْصَرْتَ وجهكَ في سناه غَرِيقَا
يا من تَقَطّع خِضْره من رِقَّةٍما بالُ قَلْبِكَ لا يكون رَقِيقَا
فلما أكمل إنشاده، استعاده منه، وقال: يا ابن عبد ربّه لقد تأتيك العراق حبوا.
وله أيضاً:
ومعذّرٍ نَقَشَ الجمالُ بِخَدِّهحُسْنَاً له بدَمِ القلوبُ مُضَرَّجَا
لمّا تَيقَّنَ أن سَيْفَ جفونِهِمن نَرْجِسٍ جَعَل النِّجَادَ بَنَفْسَجَا
وله أيضاً ﵀:
وسَاحِبَةٍ فَضْلَ الذُّيُولِ كأنَّهاقضيبٌ من الرَّيْحَانِ فَوقَ كثيبِ
إذا ما بَدَتْ من خِدْرِها قال صاحبيأطعني وخُذْ من وَصْلِها بنصيب
وله أيضا:
هيّج الشَّوقُ دواعي سَقَميوكَسَا الجِسْمَ ثِيَابَ الألَمِ
أيُّها البَيْنُ أقِلْني مَرَّةًفإذا عّدْتُ فَقَد حِلَّ دَمِي
يا خليّ الذَّرْعِ نَمْ في غِبْطَةإنَّ مَنْ فارقته لم يَنَمِ
وَلقَدْ هاجَ بِقَلْبي سَقَمَاًحَبُّ من لو شاَء دَاوَى سَقَمي
وبلغ سنّ عوف بن مُحلِّم، واعترف بذلك اعتراف مُتألِّم، عندما وَهت شِدَّته، وبليت جِدَّتُه، وهو آخر شعر قال، ثم عثر في أذيال الرّدى وما استقال:
كِلاَني لِمَا بي عاذليَّ كفانيطويتُ زماني بُرْهَةً وطواني
بَلِيتُ وأبْلَتني الليالي وكرّهاوصِرْفَانِ للأيام مُعتَورَانِ
وما ليَ لا أُبلَى لسبعين حِجَّةًوعَشْرٍ أتَتْ من بَعْدها سَنتَانِ
فلا تسألاني عن تباريح عِلَّتيودونكما منّي الذي تَرَيَانِ
وإنّي بحول الله راجٍ لِفَضْلِهِولي من ضمان الله خَيْرُ ضَمَانِ
ولست أُبالي من تباريح عِلّتيإذا كان عَقْلي باقياً ولساني
وفي أيام إقلاعه عن صبوته، وارتجاعه عن تلك الغفلة وأوبته، وانثنائه عن الصِّبا والمجون إلى صفاء توبته، مَحَص أشعاره في الغزل بما ينافيها وقصّ من قوادِمَهَا وخَوافِيَها، بأشعارٍ في الزُّهد على أعاريضهَا وقَوافِيها، منها القطعة التي أولها:
هلاّ ابتكرت لبين أنت مُبْتَكِرُ
مَحَصها بقوله:
يا قَادِراً ليس يَعْفو حينَ يَقْتَدرُماذا الذي بَعْدَ شَيْبِ الرأس تَنْتظِرُ
عَاينْ بِقَلْبكَ إنَّ العينَ غَافِلةٌعن الحقيقةِ وأعلَمْ أنّها سَقَرٌ
سوداءُ تَزْفر من غيظ إذا سَعَرتْللظالمين فلا تبقي ولا تَذَرُ
لو لم يكُنْ لكَ غَيرُ المَوْتِ مَوْعِظَةًلكانَ فيه عن اللذات مُزْدَجَرُ
أنت المقولُ له ما قُلْتُ مُبْتَدِئاًهلاّ ابتكرتَ لبين أنت مُبْتَكِرُ
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع