من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الفقيه أبو عبد الله بن أبي زمنين
فقيه مُتبتِّل، وزاهد لا منحرف إلى الدنيا ولا متنقّل، هجرها هجر المنحرف، وحلّ أوطانه فيها محل المعترف، لعِلمه بارتحاله عنها وتقويضه، وإبداله منها وتعويضه فنظر بقلبه لا بعينه، وانتظر
يوم فِراقِه وبَينِه، ولم يكن له بعد ذلك بها اشتغال، ولا في شِعَاب تلك المسالك إيغال، وله تواليف في الوَعظ والزّهد وأخبار الصالحين تدل على تخليته عن الدنيا واتّراكه، والتّفلّت من حبائل الاغترار وإشراكه وشعره يدلّ على التَّأهُّب للارتحال، ويستدلّ به على ذلك الانتحال، فمن ذلك قوله:
المَوْتُ في كُلِّ حين يَنْشُرُ الكَفَناونَحْنُ في غَفْلَةٍ عَمَّا يُراد بِنَا
لا تطمئنَّ إلى الدُّنْيَا وبَهجَتِهَاوإنْ توشَّحْتَ من أثْوابِهَا الحَسَنَا
ابن الأحبَّةُ والجيرانُ؟ ما فعلوا؟أين الذين هُمُ كانوا لنا سَكَنَا؟
سَقَاهُمُ الدَّهْرُ كَأسَاً غَيْرَ صَافِيَةٍفصيّرتهم لأطباق الثَّرَى رُهُنَا
تَبْكي المَنَازِلُ منهم كُلَّ مًنْسَجمٍبالمَكْرُمَاتِ وَتَرْثي البرّ والمِنَنَا
حَسْبُ الحِمَام لَوَ أبْقاهُمْ وأمهَلهُمْألاّ يظنّ على مَعْلُوَّةٍ حَسَنا
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع