من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الفقيه أبو مروان عَبْد الملك الطُّبِنيّ
من ثِنيةِ شرفٍ وحَسب، ومن أهل حَديث وأدب، إمام في اللّغة مُتقدِّم، فارع لأعلى رُتب الشعر متسنِّم، له رواية بالأندلس ورحلة إلى المشرق ثم عاد وقد توج بالمعارف المفرق، وأقام بقُرطبة عَلَماً من أعلامها، ومتسنّماً لترفّعها وإعظامها تُؤثِرُه الدُّول، وتصطفيه أملاكها الأُول، وما زال فيها مقيماً ولا برح عن طريق أمانيها مستقيماً، إلى أن اغتيل في إحدى الليالي بقضية يطول شرحُها، ولا ينقضي بَرحُها فأصبح مقتولاً في فراشه، مذهولاً كل أحد من انبساط الخطوب إليه على انكماشه، وقد أثبتُّ من محاسنه ما يُعجِبُ السامع وتصغي إليه المسامع، فمن ذلك قوله:
وَضَاعَفَ ما بالقَلبِ يَوْمَ رَحِيلهمعلى ما به منهم حنينُ الأباعرِ
وأصْبر عن أحْبَابِ قَلْبٍ ترحّلواألا إنّ قَلْبي سائرُ غير صابرِ
ولما رجع إلى قُرطبة وجلس ليرى ما احتقبه من العلوم، اجتمع إليه في المجلس خلق عظيم، فلمّا رأى تلك الكثرة، وما له عندهم من الأثرة، قال:
إنّي إذا حَضَرَتْني ألف مَحْبَرةٍيَكْتُبنَ حدّثني طوراً وأخْبَرَني
نادت بعِقْوَتي الأقْلامُ مُعْلِنَةًهذي المفاخِرُ لا قَعْبَان من لَبَنِ
وكتب إلى ذي الوزارتين الكاتب أبي الوليد بن زيدون:
أبا الوليد وما شطَّتْ بِنَا الدَّارُوقلَّ مِنَّا ومِنْكَ اليوم زوّارُ
وبيننا كُلُّ ما تدريهِ من ذِمَمٍوللصِّبا وَرَقٌ خُضْرٌ وأنوارُ
وكُلُّ عَتْبٍ وأعْتَابٍ جَرَى فَلَهُبدائع حُلْوَةٌ عِنْدي وآثَارُ
فاذكر أخاك بخير كُلّما لَعِبَتْبه اللّيالي فإنّ الدَّهرَ دوّارُ
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع