من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الفقيه أبو مُحمّد علي بن حَزْم
فقيه مُستنبِط، ونَبيه بقياسه مُرتبط، ما تكلم تقليداً، ولا تعدّى اختراعاً وتوليداً، ما
تمنَت به الأندلس أن تكون كالعِراق، ولا حنّت الأنفس معه إلى تلك الآفاق، أقام بوطنه، وما بَرح عن عَطنه، فلم يشرب ماء الفُرات، ولم يَقف عيشة الثَّمرات، ولكنّه أربى على مَنْ مِنَ ذلك غُذي، وأزرى على من هنالك قد نُعل وحُذي، تفرّد
بالقِياس واقتبس نار المعارف أي اقتباس، فناظر بما نطق به وقاس، وصنف وحبّر حتى أفنى الأنفاس، ونبذ الدّنيا وقد تصدّت له بأفتن مُحيَّا، وأهدت إليه أعبق عرف وريّا، وخلع الوزارة وقد كسته مُلاها، وألبسته حُلاها، وتجرّد للعِلم وطَلبه، وجد في اقتناء نُخبه، وله تآليف كثيرة، وتصانيف أثيرة منها: الإيصال إلى فهم كتاب الخِصَال وكتاب الإحكام لأصول الأحكام وكتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل وكتاب مراتب العلوم وغير ذلك، مما لم يظهر مثله من هنالك مع سرعة الحِفظ وعفاف اللِّسان واللَّحظ، وفيه تقول خلف بن هارون:
يَخُوضُ إلى المَجْدِ والمَكْرُمَاتبحارَ الخطوب وأهوالَهَا
وإنْ ذُكِرتَ للعُلاَ غايةٌتَرَقَّى إليها وأهْوَى لَهَا
وله في الأدب سَبقٌ لا يُنكر، وبديهةٌ لا يُعلم أنه روَّى فيها ولا فكر، وقد أثبت من شعره ما يُعلم أنه أوحد، وما مثله فيه أحد، فمن ذلك قوله:
وذي عَذَل فيمن سبانيَ حُسْنُهيُطيل مَلامي في الهَوَى ويقُولُ
أمِنْ حُسْن وَجهٍ لاحَ لم ترَ غَيْرَهولم تدرِ كيف الجِسْمُ أَنتَ قَتِيلُ
فقلتُ له أسرفتَ في اللَّوْم فاتّئدفعنديَ ردٌّ - لو شاءُ - طَوِيلُ
ألم ترَ أنّي ظاهِريٌّ وأنَّنيعلى ما بدا حتَّى يقومَ دَلِيلُ
وله أيضاً:
هل الدَّهْرُ إلاّ ما عرفنا وأَنْكرنافجائعه تبقى ولذَّاتُه تَفْنَى
إذا مكنت فيه مَسَرَّةُ ساعةٍتَوَلَّت كمرِّ الطَّرْف واستخلفت حُزْنَا
إلى تَبِعَاتٍ في المَعَاد ومَوْقِفٍنَوَدُّ إليه أنَّنا لم نكن كُنَّا
حَصَلنَا على همّ وإثم وَحَسرَةوفات الذي كنّا نَلذُّ به عنّا
حنينٌ لِمَا وَلَّى وشغْلٌ بِمَا أتَىوهمّ بها يَغشَى فعينًك لا تَهْنَا
كأنَّ الذي كُنَّا نُسّرُّ بكَوْنِهِإذا حَقَّقَتْه النَّفسُ لَفظٌ بلا مَعْنَى
وله أيضاً:
ولي نَحْو أكْنافِ العِرَاق صَبَابَةٌولا غَرْوَ أن يَستْوحِش الكَلِفُ الصّبُّ
فإن يُنزِل الرحمنُ رَحْلي بَيْنهمفحينئذ يبدو التّأسُّف والكَرْبُ
هُنَالك تَدْري أنّ لِلْعَبد قِصَّةًوأنّ كسادَ العِلْم آفَتُه القُرْبُ
وله أيضاً:
لا تَشْمَتَنْ حاسدي إنْ نَكبَةٌ عَرَضَتْفالدّهْرٌ ليس على حَالٍ بِمُتَّركِ
ذو الفضل طوراً تراه تَحْتَ مَيْقَعَةٍوتارةً قد يُرَى تاجاً على مَلِكِ
وله أيضاً:
لِئنْ أصْبَحتُ مُرْتَحِلاً بِشَخْصيفَرُوحي عِنْدكم أبداً مقيمُ
ولكنْ للعِيَان لطيفُ مَعْنىلذا سأل المعاينةَ الكليمُ
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع