من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الفقيه أبو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد المعروف بابن الفَرَضيّ القاضي
كان حافظاً عالماً كَلِفاً بالرَواية، رحل في طلبها، وتبحّر في المعارف بسَببِها مع حظ من الأدب كثير، واختصاص بنظيم منه ونثير،
حجّ وبرع في الزّهادة والورع، فتعلّق بأستار الكعبة يسأل الله الشهادة، ثم فكّر في القتل ومرارته، والسيف وحرارته، فأراد أن يرجع ويستقبل الله فاستحيا، وآثر نعيم الآخرة على شقاء الدُّنيا، فأُصيب في تلك الفتن (مكلوماً)، وقُتل مظلوماً.
أخبرني من رآه في جملة القتلى وهو بآخر رمق، فسمعه يقول بصوتٍ ضعيف: (لا يُكلم أحَد سبيل الله - والله أعلم بمن يُكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجُرحه يَثعبُ، اللّون لون دمٍ والرّيح ريح مسكٍ) كأنه يعيد الحديث على نفسه ثم قضى.
ومما قال في طريقه، يتشوّق إلى فريقه:
مَضَتْ لي شهورٌ مُنذُ غِبْتُم ثلاثةٌوما خِلْتُني أبْقَى إذا غبتم شَهْرا
وما لي حياةٌ بعدكم استلذُّهَاولو كان هذا لم أكن في الهَوَى حُرّا
ولم يُسْلِبني طولَ التنائي عليكمبلى زَادَني وَجْداً وجَدَّدَ لي ذِكْرَا
يُمَثّلكُم لي طول شوقي إليكمويُدْينكم حتى أناجيكم سِرّا
سَأسْتَعْتِبُ الدَّهْر المفرّقَ بينناوهل نافعي أنْ صِرْتُ أستَعْتِبُ الدَّهْرا
أعلِّلُ نَفْسي بالمُنْى في لِقَائِكُمْوأسْتَسهِل البَرَّ الذي جُبْتُ والبَحْرَا
ويُؤنِسُني طيّ المراحلِ عَنْكُمُأروحُ على أرضٍ وأغْدو على أُخرَى
وتالله ما فارقتكم عن قِلَىً لكمولكنّها الأقدار تَجْرِي كما تُجْرَى
رعتكم من الرحمن عينٌ بصيرةٌولا كَشَفَتْ أيدي النَّوَى عَنْكُمُ سِتْرَا
وله أيضاً:
إنّ الذي أصْبَحتُ طَوْعَ يَمِنيهِأنْ لم يَكُنْ قَمَراً فليس بدونِهِ
ذُبّي له في الحبّ من سُلْطَانهوسِقَامُ جِسْمي من سِقَام جُفُونِهِ
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع