تجاوز إلى المحتوى

من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

الفقيه القاضي أبو الفَضْل جَعْفَر بن مُحَمّد بن يوسف الأعلم

كهل الطريقة، وفتى الحقيقة، تدرَّع الصيانة، وبَرع في الورع والدّيانة، وتماسك عن الدنيا عفافاً، وما تماسك التماساً بأهلها والتفافاً، فاعتقل النُّهى وتنقّل في مراتبها حتى استقر فيها في السُّها، وعطّل أيام الشباب، ومطل فيها سعاد وزينب والرّباب، إلا ساعات وقَفها على المُدام، وعَطفها إلى النِّدام، حتى تخلّى عن ذلك واتّرك، وأدرك من المعلومات ما أدرك، وتعرّى من الشُّبُهات وسَرى إلى الرُّشد مُستيقِظاً من تلك السِّنات، وله تصرّف في شتَّى الفنون، وتقدّم في

معرفة المفروض والمسنون، وأما الأدب فلم يُجاره في ميدانه أحد، ولم يَستولِ على إحسانه فيه حصر ولا حدّ، وجدُّه أبو الحجَّاج الأعلم، هو خلَّد منه ما خلَّد، ومنه تقلّد ما تقلّد، وقد أثبتُّ لأبي الفضل هذا ما يسقيك ماء الإحسان زُلالا، ويُريك سِحَر البيان حلالا، فمن ذلك ما كتب به إليَّ وقد مررت على شَنتمرِيَّة بعدما رحل عنّا وانتقل، واعتقل من نَوانا وبيننا ما اعتقل، فشنتمريّة هذه داره، وبها كَمُل هِلاله وابداره، وبها تستُقضِي، وشيم مضاؤه وانتُضي، فالتقينا بها على ظَهر، وتعاطينا ذكر ذلك الدَّهر، فجدّدتُ من شوقه، ما كان قد شبّ عن طوقه فرامني على الإقامة، وسَامني على ذلك بكل كرامة فأبيتُ إلاّ النَّوى، وانثنيتُ عن الثوا بذلك المثوى، فودّعني ودفع إليّ تلك القِطعَة حين شيّعني:

شرَايَ أطْلَعتِ السُّعُودُ علىآفاق أنسي بَدْرَها كَمَلا
وكَسَا أديمَ الأرض منه سناًفكست بسائطها له حُلَلا
إيهٍ أبا نَصْرٍ وكم زَمَنٍقصر ادكارك عندي الأملا
هَلْ تَذْكُرَنْ والعَهْدُ يُخْجِلُنيهل تَذْكُرَنْ أيّامنَا الأُوَلا
أيّام نَعْثَرُ في أعِنَّتِنَاونجرُّ من أَبْرادِنَا حُلَلاَ
ونَحُلُّ روضَ الأنس مُؤْتَنِقَاًوتحلّ شمس مُرَادِنا الحَمَلا
وَنَرَى لَيَالِيَنَا مُسَاعِفَةًتدعو إلينا رِفْقَنَا الجَفَلَى
زَمَنٌ نقول على تَذَكُّرِهِما تمّ حتّى قيلَ قَدْ رَحَلا
عَرَضت لزورتكم وما عَرَضَتْإلاّ لِتَمْحَقَ كلّ ما فَعَلا

ووافيته عشيّة من العشايا أيام ائتلافنا، وعودنا إلى مجلس الطَلب واختلافنا، فرأيته مستشرفاً متطلّعاً، يرتادُ مَوضِعاً يقيم به لثغور الأُنس مرتشفاً ولثديه مرتضعاً، فحين مقلني، تقلّدني إليه واعتقلني، ومِلنَا إلى روضة قد سندس الربيع بِسَاطها، ودبّج دَرانِك أوساطها، وأشعرت النفوس فيها بسرورها وانبساطها، فأقمنا بها نتعاطى كؤوس أخبار، ونتهادى أحاديث جهابذة وأخبار، إلى أن نثر زَعفرَان العشيّ، وأذهب الأنس خوف العالم الوحشيّ، فقمت وقام، وعوَّج الرّعب من ألسِنتِنا ما كان استقام، وقال:

وعشيَّةٍ كالسَّيْفِ إلاّ حَدّهُبَسَطَ الرّبيعُ بِهَا لِنَعْلي خَدَّهُ
عاطيتُ كَاسَ الأُنْس فِيهَا واحِداًما ضرّه أنْ كان جَمْعَاً وَحْدَهُ

وتنزّه يوماً بحديقة من حدائق الحضرة، قد اطّرد نَهرُها، وتوقّد زَهرُها، والريح يسقطه فيظم بلبّة الماء، ويتبسّم به فتختاله كصفحة خُضْرة السّماء فقال:

انظر إلى الأزْهَارِ كيفَ تَطَلَّعتبِسَمَاوةِ الرّوض المَجُودِ نُجُومَا
وتساقطت فكأنَّ مُسْتَرِقَاً دَنَاللسَّمْع فانقضَّتْ عليه رُجُومَا
وإلى مسيل الماء قد رَقَمتْ بهصَنَعُ الرّياحِ من الحُبَابِ رُقُومَا
تَرْمي الرياحُ لها نَثِيراً زَهْرَهُفتمدُّه في شاطئيه رَقِيمَا

وله يصف قلم يراعة، وبرع في صفته أعظم براعة:

ومُهَفْهَفٍ ذَلِقٍ صَليبِ المَكْسَرِسَبَبٌ لَنيلِ المَطْلبِ المُتَعَذِّر
مُتَألَّقٌ تُنْبِيكَ صُفْرَةُ لَونِهِبقديمِ صُحْبَتِهِ لآلِ الأصْفَرِ
ما ضَرَّهُ إنْ كانَ كَعْبُ يراعةٍوَبِحُكْمِهِ اطّرَدَتْ كعوبُ السَّمْهَري

وله عندما شارف الكهولة، واستأنف قَطع صُرةٍ كانت موصولةً:

أمّا أنا فَقَدْ أرْعَويتُ عن الصِّبَاوَعَضَضْتُ من نَدَمٍ عليهِ بَنَاني
وأطَعْتُ نُصَّاحي ورُبَّ نصيحةٍجاءوا بها فَلَجَجْتُ في العِصْيَانِ
أيّامَ أسْحَبُ من ذيول شَبِيبَتيمَرَحاً وأعْثَرُ في فُضولِ عِنَاني
وأُجلُّ كَأسي أنْ تُرَى موضوعةًفعلى يدي أو في يدي نَدْمَاني
أيّامَ أحْيا بالغَواني والغِنَاوأموتُ بين الرَّاحِ والرَّيْحَانِ
في فِتْيَةٍ فرضوا اتّصالَ هَوَاهُمُفمُنَاهُمُ دَنٌّ من الأدْنَانِ
هَزَّتْ عُلاهم أرْيَحيَّاتِ الصِّبَافهي النَّسيمُ وهُمْ غُصُونُ البَانِ
من كُلِّ مخلوع الأعِنَّةِ لم يُبَلْفي غيِّهِ بِتَصَارُفِ الأزْمَانِ

وله حين أقلعَ وأنَاب، وودّع ذلك الجناب، وتزهّد وتتنسَك وتمسَّك من طاعة الله بما تَمسَّك، وثاب يوماً يتَجرَّدُ من أملِه وينفرِدُ فيه بعَلمِه:

الموتُ يُشْغِلُ ذِكْرُهُعن كُلِّ مَعْلُومٍ سِبوَاهْ
فاعمَرْ له رَبْعَ ادّكارك بالعشيّةِ والغَدَاهْ
واكْحَلْ به طَرْفَ اعتبارِكَ طُولَ أيَّامِ الحَياهْ
قبل ارتكاضِ النَّفْسِ مابين التَّرائِبِ واللَّهَاهْ
فَيُقَالُ هذا جَعْفَرٌرَهْنٌ بما كسبتْ يداهْ
عَصَفَتْ به ريحُ المنون فَصَيَّرتْهُ كما تَرَاهْ
فضعوه في أكْفَانِهِودعوه يَجْني ما جناهِ
وتمتَّعُوا بمتاعهِ المخزون واحْووا ما حَوَاهْ
يا مَصْرَعاً مُسْتَبْشَعاًبلغُ الكتابُ به مَدَاهْ
لُقِّيتُ فيه بشارةًتشْفي فُؤَادي من جَوَاهْ
ولقيتُ بَعْدَك خَيْرَ مَنْنَبّاه ربّي واجْتَبَاهْ
في دار خفض ما اشتهتنَفْسُ المقيم بما أتَاهْ

وله من النثر يصف فَرساً: انظر إليه سليمَ الأديمِ، كريم القديم، كأنما نشأ بين الغبراء واليَحمُوم، نجمٌ إذا بَدا، ووَهمٌ إذا عَدا، يستقبل بِغَزال ويستدبر برال، ويتحلّى بشيّات تقسيمات الجمال.

وله يصف سَرجاً، من النثر: بزَّةُ جِياد، ومَركب أجواد، جميل

الظاهر، رحيب ما بين القادمة والآخر، كأنما قُدَّ من الخُدودِ أديمه، واختص بإتقان الحُبُك تقويمه.

وله في وصف لِجَام (من النثر): مُتَناسب الأشلاءِ، صحيح الانتماء إلى ثُريَّا السَّماء، فكلّه نكال، وسائره جمال.

وله في وصف رمح، (من النثر): مطّرد الكعوب، صحيح اتصال الغالب والمغلوب، أخ ينوب كلّما استنيب ويصيب.

وله في وصف قميص (من النثر): كافوريُّ الأديم، بابليُّ الرّسوم، تباشر منه الجسوم ما يباشر الروض من النّسيم.

وله في وصف بغل (من النثر): مُقرِفُ النَّسب، مستخبر الشّرف آمن الكبب إنّ ركب امتنع اعتماله، أو ركب استقلّ به أخواله.

وله في وصف حمار: وثيق المفاصل، عتيق النهضة إذا ونت المراسل.

تمّ القسم الثاني من كتاب مطمح الأنفس ومسرح التأنّس بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثاني وهو يشتمل على محاسن أعلام العلماء وأعيان القُضاة والفهماء ﵏ وهو مِمّا لم يُذكر في قلائِد العِقْيان

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.