من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الفقيه أبو الحسن علي بن أحمد المعروف بابن سِيْدَة
إمام في اللغة العربية، وهمامٌ في الفِئَة الأدبية وله في ذلك أوضاع، للأفهام من أخلافها استدارا واستِرضاع، حرّرها تحريراً، وأعاد طَرف الذّكاء بها قَرِيرا، وكان مُنقطِعاً إلى الموفَّق صاحب دانيه،
وبها أدرك أمانيه، ووجد تجرّده للعلم وفراغه، وتفرّد بتلك الإراغة ولا سيّما كتابه المُسمَّى بالمُحْكَم فإنه أبدعُ كتاب وأحكم، ولمّا مات الموفّق رائش جناحه ومثّبت غرره وأوضاحه، خاف من أبنه إقبال الدولة، وأطاف به مكروهاً بعض من كان حوله، فناشته للطّلب حَيَّات مساورة، ففرّ إلى بعض الأعمال المجاورة وكتب إليه منها مستعطفاً:
ألا هَلْ إلى تَقْبيل راحتِكَ اليُمْنَىسَبِيلٌ فإنَّ الأمْنَ في ذاك واليُمْنَا
فتنضى هموم طَلَّحَتُهُ خُطُوبُهاولا غارباً يُبْقِينَ ولا مَتْنَا
غَريبٌ نَأى أهْلُوه عنه وشَفّههواهم فَأمْسَى لا يقرُّ ولا يَهْنَا
فيا ملك الأملاك إنّي مُحَلأٌّعَن الورْدِ لا عنه أُذَاذُ ولا أُدْنَى
تَحقَّقْتُ مكروهاً فأقبلتُ شاكياًلَعَمْري أمأذونٌ لِعَبْدكَ أن يُعْنَى
وإن تتأكّدْ في دمي لك نيّةٌفإنّي سَيْفٌ لا أُحِبّ له جَفْنَا
إذا ما غدا من حرّ سيفك بارِدَاًفَقِدْمَاً غدا من بَرْد نعماكمُ سُخْنَا
وهل هي إلاّ ساعةٌ ثم بعدهاسَتَقْرَعُ ما عُمِّرْتَ من نَدَمٍ سنَّا
وما لَي من دهري حياةٌ ألَذُّهَافتعتّدها نُعْمَى عليّ وتمتنَا
إذا مِيتَةُ أرْضَتْكَ عنّا فَهَاتِهَاحبيبٌ إلينا ما رضيتَ به عَنَّا
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع