من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الفقيه الإمام العالم الحافظ أبو عُمَر يوسف بن عبد الله بن عبد البِرّ
إمام الأندلس وعالمها، الذي التاحت به معَالِمُها، صحَّح المَتن والسَّند وميّز المُرسل، وفرّق بين الموصول والقاطع، وكسا المِلَّة منه نور ساطع حصر الرّواة، وأحصى الضعفاء منهم الثقات، وجدّ في تصحيح السقيم، وجدّد منه ما كان كالكهف والرقيم،
مع معاناة العلل، وإرهاف ذلك العَلل، والتثقيف للمؤتلف، والتنبيه على المختلف وشرح المقفل، واستدراك المغفل، وله فنون هي للشريعة رِتَاج، وفي مفرق الملّة تاج، أشهرت للحديث ظُبى، وفرعت لمعرفته رُبَى، وهبّت لتفهمّه
شمالاً وصبا، وكان ثقة، وكانت الأنفس على تفضيله متّفقه، وأما أدبه فلا تُعبَر لُجَّتُه، ولا تُدحَض حُجَّته، وله شعر لم أجد منه إلاّ ما نفث به أنفة، وأوصى فيه من تخلّفه، فمن ذلك قوله، وقد دخل إشبيلية فلم يلق فيها مبرّة، ولم ير من أهلها تَهلُّل أسرّة، فأقام بها حتى أخلقه مقامه، وأطبَقه اغتِمَامه، فارتجل وقال:
تنكّر من كُنّا نُسَرُّ بِقُربِهِوصار زُعَاقاً بعدما كان سَلْسَلا
وَحُقَّ لِجَارٍ لم يوافقه جارُهُولا لاَءمَتْه الدّار أنْ يتحوّلا
بَليتُ بحمص والمقام بِبلْدةٍطويلاً لَعَمْري يورثُ البِلَى
إذا هان حُرٌّ عِنْدَ قَوْمٍ أتَاهمُولم يَنْأ عَنْهم كان أعمى وأجْهَلا
ولم تُضْرَب الأمثال إلاّ لعالموما عوقب الإنسانُ إلاّ ليعقِلا
وله أيضاً يوصي أبنه بمقصورة:
تَجَافَ عن الدُّنيا وهوِّن لقَدْرِهَاووفِّ سبيل الدين بالعُرْوَة الوُثْقَى
وسارِعْ بتقوى الله سِرّاً وجهرةًفلا ذمّة أقْوى هُدِيتَ من التَّقْوِى
ولا تنس شُكْرَ الله في كُلِّ نِعْمَةٍيَمُنُّ بها فالشُّكْرُ مُستَجْلِب النُّعمَى
فَدَعْ عَنْكَ ما لا حظّ فيهِ لِعَاقِلٍفإنَّ طريقَ الحقِّ أبلجُ لا يَخْفَى
وشُحَّ بأيامٍ بَقِينَ قَلاِلٍوعُمْرٍ قَصيرٍ لا يدوم ولا يَبقَى
ألم ترَ أن العُمْرَ يَمْضي مولِّيَاً فجِدَّتُه تَبلَى ومُدَّتُه تَفْنَى
نخوضُ وَلْهو غَفْلَةً وجَهالةًونَنشُرُ أعمالاً وأعْمارُنَا تُطْوَى
تواصِلُنَا فيه الحوادثُ بالرَّدَىوَتَنتَابًنَا فيه النوائِبُ بالبَلْوَى
عَجِبتُ لِنَفْس تُبْصِرُ الحقَّ بَيِّنَاًلدَيها وَتأبَى أن تفارقَ ما تَهْوَى
وَتَسْعَى لما فيهِ عليهَا مضرَّةٌوقد عَلِمتْ أنْ سَوفَ تُجزَى بما تَسْعَى
ذُنُوبيَ أخْشَاها ولستُ بآيسٍوربِّيَ أهْلٌ أنْ يُخَافَ وأن يُرْجَى
وإنْ كان ربّي غافراً ذَنْبَ من يَشَافإنّي لا أدري أأُكْرَمُ أم أُخْزَى
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع