تجاوز إلى المحتوى

من «المرقصات والمطربات» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)

أخبار كعب وصاحبته ميلاء

هو أبو خثعم كعب بن مالك أو عبد الله أو خثعم بن لأبي بن رباح بن ضمرة طائي من عرب الحجاز يُعرف بالمخيل، وكان جوَّاداً سخياً شجاعاً، ملوف الصورة.

و" ميلاء " هي بنت لأبي بن رباح أصغر أخواتها كانت أجمل نساء الحجاز، وكان كعب قد خطب إلى عمه أخت ميلاء، وكانت تسمى أم عمرو فزوّجه بها فشغف بها شديداً وألفها طويلاً، وأنه دخل عليها يوماً فوجدها قد نضت ما عليها وهي عريانة فسرَّته حين نظر إليها، فقال: أنشدك الله هل تعلمين امرأة أحسن منك فقالت: نعم أختي ميلاء، فقال: ومن لي بأن أنظرها، فأخبأته وأرسلت إليها فحضرت، فلما رآها وقعت من قلبه موقعاً أدى إلى زوال عقله من العشق، فأنطلق في طلبها فأستعرضها وشكا إليها ما لقي من جبها، فأعلمته أنها أعظم من ذلك في حبه، وشعرت أختها فتبعتها فرأتهما يتشاكيان المحبة فمضت إلى أخوتها وكانوا سبعة فأخبرتهم بذلك، وقالت: أما أن تزودوا كعباً من ميلاء، أو تغيبوها عني.

فلما علم أخوتها به هرب إلى الشام مكث بها أياماً، وأن شامياً خرج يريد الحج فضلت به الطريق فأسترشده امرأة وكانت بالتقدير المحتوم ميلاء وإلى جانبها أختها فأنشد الشامي متمثلاً:

أفي كل يومٍ أنت من بارح الهوىإلى الشمّ من أعلام ميلاء تاظر
للشاعر كعب بن مشهور المخبلي، اقرأ القصيدة
بعمشاء من طول البكاء كأنمابها حرّ نا طرفها متحادر
منى المنى حتى إذا قلت المنىجرى وأكف من دمعها متبادر
كما أرفض سلك يعد ما ضم ضمةبخيط الفتيل اللؤلؤ المتناثر

قلت: وهذا الشعر قاله كعب حين علق ميلاء قبل وقوعه إلى الشام والمنصف تبع الشيرزي في أنه قاله بالشام وأصل الحال غلط الشيرزي في قوله الشم فإنه قرأها إلى الشام بدليل أن الشامي لما أنشد الشعر سألته ممن الرجل قال: من الشام، قالت: أو تعرف صاحب الشعر. قال: هو أعرابي إسمع كعب إنه يحتمل أن معرفتها من ذكر إسمها ويكون ما ذكر صحيحاً.

ولما أخبرها بإسم الأعرابي أقسما عليه أن لا يبرح حتى ينظره أخوتها فإنهم يكرمونه، ثم سألاه هل تروي له غير ذلك، قال: نعم وأنشد:

خليليَّ قد رضت الأمور وقستهابنفسي وبالفتيان كل مكان
ولم أخفِ يوماً للرفيق ولم أجدخلياً ولا ذا البث يستوان
من الناس إنسانان ديني عليهمامليان لولا الناس قد قفياني
منوعان ظلامان ما ينصفاننيبدلهما والحسن قد خلياني
يطيلان حتى يعلم الناس أننيقضيت ولا والله ما قضياني
خليليّ أما أم عمرو فمنهماوأما عن الأخرى فلا تسلاني
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «خليلى إنى قد أرقت ونمتما»
بلينا بهجران ولم يرَ مثلنامن الناس إنسانان يهتجران
أشد مصافاة وأبعد عن قلىوأعصى لواشٍ حين يكتنفان
يبين طرفانا الذي في نفوسناإذا إستعجمت بالمنطق الشفتان
فو الله ما أدري أكل ذوي هوىعلى شكلنا أم نحن مبتليانِ
فلا تعجبا مما بي اليوم من هوىفبي كل يوم مثل ما ترياني
خليلي عن أي الذي كان بيننامن الوصل أو ماضي الهوى تسلاني
وكنا كريمي معشرٍ حم بينناهوى فحفظناه بحسن صيان
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «خليلى ليس الشوق أن تشحط النوى»
نذود النفوس الحائمات عن الهوىوهن بأعناق إليه ثواني
للشاعر كعب بن مشهور المخبلي، اقرأ القصيدة
سلاه بأم العمر يشفي فقد بدابه السقم لا يخفى وطول هوان
فما زادنا بعد المدى نقص حدهولا رجعنا ن عملنا بيان
خليليّ لا والله ما لي بالذيتزيدان من هجر الصديق يدان
ولا لي بالهجر إعتلاق إذا داكما أنتما بالبين معتلقان
ولا لاهياً يوماً إلى الليل كلهيبيض لطيفات الخصور رواني
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «خليلى إنى قد أرقت ونمتما»
يمنيننا حتى يرعن قلوبناويخلطن طلاً ظاهراًبليان
أعينيّ يا عينيّ حتّام أنتمابهجران أم العمر تختلجان
فما أنتما إلا عليّ طليعةعلى قرب إعتدائي كما ترياني
لو أن أم العمر أضحت مقيمةبمصر ودوني الشحر شحر عمان
إذن لرجوت الله يجمع بينناوإنا على ما كان ملتقيان
من البيض نجلاء العيون كلاهمامقيم وعيشي ضارب جران
أفي كل يوم أنت رام بلادهابعينين إنساناً هما غرقان
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «خليلي من عليا هلال بن عامر»
إذا ذرفت عيناي قالت صحابتيلقد ولعت عيناك بالهملان
ألا فأحملاني بارك الله فيكماإلى حاضر الروحاء ثم ذراني
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «خليلي من عليا هلال بن عامر»

هذا ما نقله الجلّ: وأخرج هنا عن الأغاني ن قوله ولا لاهياً يوماً إلى آخر القصيدة لم ينشده الشامي قلت وقوله ففي كل يوم أنت رام وقوله: ألا فأحملاني البيتان مسروقان من كلام عروة بن حزام.

ثم نزل وجاء أخوتهما فأكرموه ودلوه على الطريق بعد أن إستخبروا منه عن كعب وموضعه، ثم توجهوا في طلبه وضعفت ميلاء على ما رواه في نهاية الأدب بصداع أصابها.

فلما حضروا بكعب زل ناحية، وصادف وقد وفاتها رأى الناس عند البيت مجتمعين، فأحس قلبه بالشر. فقال لصبي بأزاء البيت الذي هو فيه من أبوك.

قال كعب وكان تركه صغيراً حين مضى إلى الشام فقال له ما إجتماع الناس على طنب هذا البيت قال: على خالتي ميلاء ماتت الساعة.

فلما سمع ذلك وضع يده على قلبه واستند إلى طنب البيت، وحُرك فوجد ميتاً فدفنوه إلى جانبها.

رحمة الله عليهما.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من صوت

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.