من «المرقصات والمطربات» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)
دموع الفراق
-
أبت عيناي بعدك أن تناماوكيف ينام من ضمن السقاما
بكيت من الفراق لما ألاقيوراجعت الصبابة والغراما
وعدت إلى العراق برغم أنفيوفارقت الجزيزرة والشآما
على شط الشآم وساكنيهسلامُ مسلم لقي الحماما
مذكرةٌ مؤنثةٌ مهاةٌإذا برزت تشبهها غلاما
تعاف الماء والعسل المصفىوتشرب من فتوتها المداما
تقول لسيفها يا سيف أبشرستُروى من دم وتُقدّ هاما
وقائلة لها من وجه نصحعلامَ قتلتِ هذا المستهاما
فكان جوابها حُسن مسنٍأأجمعُ وجه هذا الحراما
لقد ربحت تجارة كل صبٍتهاديه حبيبته السلاما
وقول بشار:
يا رب إني قد عرضت بهجرهافإليك أشكو ذاك يا رباه
مولاة سوء تستهين بعبدهانعم الغلام وبئست المولاه
طل ولكني حرمت نعيمهووصاله إن لم يغثني الله
يا رب إن كانت حياتي هكذاضراً عليّ فما أريد حياه
الشعر والغناء لها خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى.
وقد ذكر إبن حرداذبه أن الشعر والغناء لبشار وإنه هوى جارية تغني فتعلم الغناء من أجلها وقال الشعر، ولم يزل يتوصل إليها بذلك حتى صار مقدماً بين المغنين وأن هذا الشعر له فيها والصنعة أيضاً.
أخبرني أحمد بن محمد أبو الحسن الأسدي قال: حدثني محمد بن صالح بن شيخ بن عمير عن أبيه قال: حجب طل عن علية فقالت وصحفت إسمه في أول بيت:
يا سروة البستان طال تشوقيفهل لي إلى ظل لديك سبيل
متى يلتقي من ليس يقضي خروجهوليس لمن يهوى إليه دخول
عسى الله أن نرتاح من كربة لنافيلقى إغتباطاً خلة وخليل
عروضه من الطويل والغناء لعلية.
حدثني أبو عبد الله أحمد بن الحسين الهشامي قال: قالت علية في طل وصحفت إسمه في هذا الشعر وغنت فيه:
سلم على ذاك الغزالالأغيد الحسن الدلال
سلم عليه وقد لهيا غل ألباب الرجال
خليت جسمي ضاحياًوسكنت في ظل الحجال
وبلغت مني غايةلم أدرِ فيها ما إحتيال
الشعر والغناء لعلية خفيف رمل، وذكر غير هذا أن الغناء لأحمد بن المكي في هذه الطريقة.
أخبرني محمد بن يحيى قال: حدثني ميمون بن هروق عن محمد بن علي بن عثمان الشطرنجي أن علية كانت تقول الشعر في خادم لها يقال له رشا وتكني عنه، فمن شعرها فيه وكنّت عنه بزينب، وكانت مولعة به:
وجد الفؤاد بزينباوجداً شديداً متعباً
أصبحت من كلفي بهاأدعى سقيماً كنصبا
ولقد كتبت عن إسمهاعمداً لكي لا تغضبا
وجعلت زينب سترةوكتمت أمراً معجبا
قالت وقد عزَّ الوصالل ولم أجد لي مذهبا
والله لا نلت المودة أو تنال الكوكبا
هكذا ذكر ميمون بن هرون وروايته فيه عن المعروف بالشطرنجي ولم يحصل ما رواه هذا الصوت شعره لأبن رهيمة المدني والغناء ليونس الكاتب ولحنة من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر وهو من زيانيب يونس المشهرات وقد ذكرته معها، والصحيح أن علية غنت فيه لحناً من الثقيل الأول بالوسطى.
حكى ذلك إبن المكي عن أبيه وأخبرني به ذكاء عن القاسم بن زرزور. أخبرني محمد بن يحيى قال: حدثني الحسين بن يحيى الكاتب أبو الجماز قال: حدثني عبيد الله بن العباس الربيعي قال: لما علم من عليه أنها تكنى عن رشا بزينب قالت:
القلب مشتاق إلى ريبيا ربما هذا العيب
قد تيمت قلبي فلم أستطعإلا البكايا عالم الغيب
خبأت في شعري إسم الذيأردته كالخبء في الجيب
قال: وغنت فيه لحناً من طريقة خفيف الرمل الأول فصحفت إسمها في ريب، قال: وكانت لأم جعفر جارية يقال لها طغيان فوشت بعلية إلى رشا وحكت عنها ما لم تقل فقالت علية:
لطغيان خف من ثلاثين حجةجديد فلا يبل ولا يتخرق
وكيف بلا خف هو الدهر كلهعلى قدميها في الهواء معلق
فأخرقت خفاً ولم تبلِ جورباًوأما سراويلاتها فتمزق
قال: وحلف رشا أن لا يشرب النبيذ سنة فقالت:
قد تبت الخاتم في خنصريإذ جاءني منك تجنيك
حرمت شرب الراح إذ عفتهافلست في شيء أعاصيك
فلو تطوعت لعوضتنيمنه رضاب الريق من فيك
فيازينباً قد أرقت مقلتيأمتعني الله بحبيك
غنت فيه علية هزجاً.
أخبرني جحظة ومحمد بن يحيى قالا: حدثنا ميمون بن هرون قال: حدثني الحسين بن إبراهيم بن رياح قال: قال لي محمد بن إسمعيل بن موسى الهادي: كنت عند المعتصم وعنده مخارق وعلوية ومحمد بن الحرث وعقيد فتغنى عقيد وكنت أضرب عليه.
وقال:
نام عذالي ولم أنموأشتفى الواشون من سقمي
وإذا ما قلت ألمٌشك من أهواه في ألمي
فطرب المعتصم وقال: لمن هذا الشعر والغناء فأمسكوا، فقلت لعلية، فعرفت غلطتي وأن القوم أمسكوا عمداً، فقطع بي وتبين حالي فقال: لا ترع يا محمد فإن نصيبك فيها مثل نصيبي.
الغناء لعلية خفيف رمل وقد قال قومٌ أن هذا اللحن للعباس بن أشرس الطنبوري مولى خزاعة وأن الشعر لخالد الكاتب.
أخبرني محمد بن يحيى قال: حدثني أحمد بن يزيد قال: حدثني أبي قال: كنا عند المنتصر فغناه بنان لحناً من الرمل الثاني وهو خفيف الرمل.
وقيل:
يا ربة المنزل بالبركوربة السلطان والملك
تحرجي بالله قتلنالسنا من الديلم والترك
فضحكت فقال لي: ممّ تضحك، قلت من شرف قائل هذا الشعر وشرف من عمل اللحن فيه وشرف مستمعه، قال: وما ذاك، قلت: الشعر فيه للرشيد والغناء لعلية بنت المهدي وأمير المؤمنين مستمعه.
فأعجبه ذلك وما زال يستعيده.
حدثني إبراهيم بن محمد بن بركشة قال: سمعت شيخاً يحدّث أبي وأنا غلام فحفظت عنه ما حدثه به ولم أعرف إسمه قال: حدثني إسحق بن إبراهيم الموصلي قال: عملت في أيام الرشيد لحناً وهو:
سقياً لأرض إذا نمت نبهنيبعد الهدّو بها قرع النواقيس
كأن سوسنها في كل شارقةعلى الميادين أذناب الطواويس
قال: فأعجبني مراراً وعملت على أن أباكر به الرشيد فلقيني في طريقي خادم لعلية بنت المهدي فقال: مولاتي تأمرك بدخول الدهليز لتستمع من بعض جواريها غناء أخذته عن أبيك وشكّت فيه الآن، فدخلت معه إلى حجرة قد أفردت لي كأنها كانت معدة فجلست وقدّم لي طعام وشراب فنلت حاجتي منهما.
ثم خرج خادم فقال لي: تقول لك مولاتي أنا أعلم أنك قد غدوت إلى أمير المؤمنين بصوت قد أعددته له محدث فاسمعنيه ولك جائزة سنية تتعجلها، ثم ما يأمر به لك بين يديك ولعله لا يأمر لك بشيء ولا يقع الصوت منه بحيث توخيت فيذهب سعيك باطلاً. فأندفعت فغنيتها إياه ولم تزل تستعيده مراراً، ثم أخرجت إلي عشرين ألف درهم وعشرين ثوباً وقالت: هذه جائزتك، ولم تزل تستعيده مراراً.
وقال إسمعيل بن عمار يخاطب إحدى الجواري:
هل من شفاء لقلب لج محزونصب يغيب إلى ريم إبن رامين
إلى ربيحة إن الله فضلهابحسنها وسماع ذي أفانين
وهاج قلبي منها مضحك حسنولثغة بعدرائي وفي سين
نفسي تأبى لكم إلا طواعيةوأنت تأبين لوماً أن تطيعيني
وتلك قسمة ضيزى قد سمعت بهاوأنت تتلينها ما ذاك في الدين
إن تسعفيني بذاك الشيء أرضَ بهوإن ضننت به عني فعينيني
أنت الطبيب لداء قد تلبس بيمن الجوى فأنفثي في فيّ وأرقيني
نعم شفاؤك منها أن تقول لهاأضنيتني يوم دير الملح فأشفيني
يا ربُ إن إبن رامين له بقرٌعينُ وليس لنا إلا البراذيني
لو شئت أعطيته مالاً على قدريرضى به منك عين الربرب العين
لا أنس سعدة والزرقاء يوم همابالبلح شرقية وق الدكاكين
يغنيان إبن رامين على طربللمسجعي تشتيت المحبين
أذاك أنعم أم يوم ظللت بهفراشي الورد في بستان شورين
يشوي لنا الشيخ شورين دواجنهبالجرد تاجٍ وشجاع الشعانين
تسقي طلاء لعمران يعقبهيمشي الأصحاء منه كالمجانين
تنزل أقدامنا من بعد صحتهاكأنها ثقلاً تقلعن من طين
نمشي وأرجلنا مطوية شللاًمشي الأوز التي تأتي من الصين
أو مشي عميان عمٌ لا دليل لهمسوى العصي إلى يوم السعانين
في فتية من بني تيم لهوت بهمتيم بن مرة لا تيم العديين
حمر الوجوه كانا من تحشمناحسناء شمطاء وافت من فلسطين
يا عائذ الله لولا أنت من شجتيلولا إبن رامين لولا ما يمنيني
في عائذ الله بيت ما مررت بهإلا وجئت على قلبي بسكين
يا أسد القبة الخضراء أنت لناأنس لأنك في دار إبن رامين
ما كنت أحسب الأسد تؤنسنيحتى رأيت إليك القلب يدعوني
لو لاك تؤنسني بالقرب ما بقيتنفسي إليك ولو مثلت من طين
وقال أحد الشعراء:
أشارت طرف العين خيفة أهلهاإشارة محزون ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحباًوأهلاً وسهلاً بالحبيب المسلم
وأبرزت طرفي نحوها لأجيبهاوقلت لها قول إمريء غير مفحم
هنيئاً لكم قتلي وصفو مودتيوقد سيط في لحمي هواك وفي دمي
لأحدهم:
يا هند أن الناس قد أفسدواودك حتى عزني المطلب
يا ليت من يسعى بنا كاذباًعاش مهاناً في أذى يتعب
شبيه ذنباً كنت أذنبتهقد يفغر الله لمن يذنب
وقد شجاني وجرت دمعتيإن أرسلت هند وهي تعتب
ما هكذا عاهدتنا في منىما أنت إلا ساحرٌ تخلب
حلفت لي بالله لا نبتغيغيرك ما عشت ولا نطلب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع