تجاوز إلى المحتوى

مثل عربي

إنَّ العَصا قُرِعَتْ لِذِي الْحِلْم

من «مجمع الأمثال» لأبي الفضل الميداني (ت ٥١٨هـ)

ما معنى مثل «إن العصا قرعت لذي الحلم»؟

يضرب لمن إذا نبه انتبه

ما قصة مثل «إن العصا قرعت لذي الحلم»؟

قيل: إن أول من قُرِعت له العصا عمرُو بن مالك بن ضُبَيْعة أخو سعدِ بن مالك الكِناني، وذلك أن سعداً أتى النعمانَ بن المنذر ومعه خيل له قادها، وأخرى عَرَّاها، فقيل له: لم عَرّيت هذه وقُدْت هذه؟قال: لم أقد هذه لأمْنَعَهَا ولم أعر هذه لأهَبَهَا. ثم دخل على النعمان، فسأله عن أرضه، فقال: أما مَطَرها فغَزير، وأما نَبْتها فكثير، فقال له النعمان: إنك لَقَوَّال، وإن شئت أتيتك بما تَعْيا عن جوابه، قال: نعم، فأمر وَصيفاً له أن يَلْطِمَهُ، فلطَمه لَطْمة، فقال: ما جواب هذه؟قال: سَفِيه مأمور، قال: الْطِمْه أخرى، فلطمه، قال: ما جوابُ هذه؟قال: لو أَخِذ بالأولى لم يعد للأخرى، وإنما أراد النعمان أن يتعدَّى سعد في المنطق فيقتله، قال: الطمه ثالثة، فلطمه، قال: ما جواب هذه؟قال: رَبٌّ يؤدب عبده، قال: الْطِمْه أخرى، فلطمه، قال: ما جواب هذه؟قال: مَلَكْتَ فأسْجِحْ، فأرسلها مثلاً، قال النعمان: أصَبْتَ فامكُثْ عندي، وأعجبه ما رأى منه، فمكث عنده ما مكث. ثم إنه بَدَا للنعمان أن يبعث رائداً، فبعث عمراً أخا سَعْد، فأبطأ عليه، فأغضبه ذلك فأقسم لئن جاء ذامّاً للكلأ أو حامداً له ليقتلنه، فقدم عمرو، وكان سعد عند الملك، فقال سعد: أتأذن أن أُكلمه؟قال: إذَنْ يقطع لسانك، قال: فأشير إليه؟قال: إذن تقطع يدك، قال: فأقرع له العصا؟قال: فَاقْرَعْها، فتناول سعد عَصَا جليسِه وقَرَع بعصاه قرعةً واحدة، فعرف أنه يقول له: مكانك، ثم قرع بالعصا ثلاث قرعات، ثم رفعها إلى السماء ومَسَح عَصَاه بالأرض، فعرف أنه يقول له: لم أَجد جَدْباً، ثم قرع العصا مراراً ثم رفعها شيئاً وأومأ إلى الأرض، فعرف أنه يقول: ولا نَبَاتاً، ثم قرع العصا قرعةً وأقبل نحو الملك، فعرف أنه يقول: كَلِّمه، فأقبل عمرو حتى قام بين يدي الملك، فقال له: أخْبِرْنِي هل حمدت خِصْباً أو ذممت جَدْبا؟فقال عمرو: لم أذمم هُزْلا، ولم أحمد بَقْلا، الأرضُ مُشْكِلة لا خِصْبُها يعرف، ولا جَدْبُها يوصف، رائدُها واقف، ومُنْكِرها عارف، وآمنُها خائف. قال الملك: أَوْلى لك، فقال سعد بن مالك يذكر قَرْع العصا:

قَرَعْتُ العَصَا حتى تبيَّنَ صاحِبِيولم تَكُ لولا ذاك في القوم تُقْرَعُ
للشاعر سعد بن مالك البكري، اقرأ القصيدة
فقال: رأيتُ الأرضَ ليس بمُمْحِلولا سارح فيها على الرعْيِ يَشْبَعُ
للشاعر سعد بن مالك البكري، اقرأ القصيدة
سَوَاء فلا جَدْب فيعرفَ جَدْبُهاولا صَابَهَا غَيْثٌ غَزير فتُمْرِعُ
للشاعر سعد بن مالك البكري، اقرأ القصيدة
فَنَجَّى بها حَوْباء نَفْسٍ كريمةٍوقد كاد لولا ذَاكَ فِيهِمْ تقطعُ
للشاعر سعد بن مالك البكري، اقرأ القصيدة

هذا قول بعضهم. وقال آخرون في قولهم « إن العصا قرعت لذي الحلم»: إن ذا الحلم هذا هو عامر بن الظَّرِبِ العَدْوَاني، وكان من حكماء العرب، لا تَعْدِل بفهمه فهماً ولا بحكمه حكماً، فلما طَعَنَ في السن أنكر من عقله شيئاً، فقال لبنيه: إنه قد كبرَتْ سِنِّي وعرض لي سَهْو، فإذا رأيتموني خرجْتُ من كلامي وأخذت في غيره فاقرعوا لي المِجَنَّ بالعصا، وقيل: كانت له جارية، يقال لها خصيلة، فقال لها: إذا أنا خُولِطْتُ فاقرعي لي العصا، وأُتيَ عامر بِخُنْثَى ليحكم فيه، فلم يَدْر ما الحكم، فجعل ينحَر لهم ويُطعمهم ويدافعهم بالقضاء، فقالت خصيلة: ما شأنك؟ قد أتلفْتَ مالك، فخبرها أنه لا يدري ما حكم الخنثى، فقالت: أَتْبِعْهُ مَبَاله. قال الشعبي: فحدثني ابن عباس بها قال: فلما جاء الله بالإسلام صارت سنة فيه.

وعامر هو الذي يقول:

أرى شَعَراتٍ على حاجِبَيّبيضاً نبتن جميعاً تُؤَامَا
ظَلْلتُ أهاهي بهنَّ الكلاب أَحْسَبُهُنَّ صِوَاراً قِياما
وأَحْسِبُ أَنْفِي إذا ما مَشَيْتُ شَخْصاً أمامي رآني فقاما
للشاعر عامر العَدواني، اقرأ القصيدة

يقال: إنه عاش ثلثمائة سنة، وعو الذي يقول:

تقول ابنتي لما رأتني كأننيسَليمُ أَفَاعٍ ليلهُ غير مودع
للشاعر عامر العَدواني، اقرأ القصيدة
وما الْمَوْتُ أفناني، ولكن تتابَعَتْعلى سِنُونَ مِنْ مَصيف ومَرْبَعِ
ثَلاَثُ مِئِينَ قد مَرَرْنَ كوامِلاًوها أنا هذا أرتجي مَرّ أَرْبَعِ
للشاعر عامر العَدواني، اقرأ القصيدة
فأصبحتُ مثلَ النَّسْر طارَتْ فراخُهإذا رام تَطْياراً يقال له: قَعِ
للشاعر عامر العَدواني، اقرأ القصيدة
أُخَبِّر أَخْبَارَ القرونِ التي مَضَتْولا بدَّ يوماً أن يُطَار بمَصْرَعِي
للشاعر عامر العَدواني، اقرأ القصيدة

قال ابن الأعرابي: أول من قرعت له العصا عامر بن الظَّرِب العَدْوَاني، وربيعة تقول: بل هو قيس بن خالد بن ذي الجَدَّيْن وتميم تقول: بل هو ربيعة بن مُخَاشِن أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم، واليمن تقول: بل هو عمرو بن حُمَمَة الدوسيّ.

قال: وكانت حكام تميم في الجاهلية أَكْثَمُ بن صَيْفي، وحاجب بن زُرَارة، والأقْرَع بن حَابس، وربيعة بن مُخَاشن، وضَمْرة بن ضَمْرة، غير أن ضمرة حكم فأخذ رِشْوة فغَدَر. وحُكام قَيْس: عامر بن الظَّرِب، وغَيْلاَن بن سَلَمة الثقفي، وكانت له ثلاثة أيام: يوم يحكم فيه بين الناس، ويوم ينشد فيه شعره، ويوم ينظر فيه إلى جماله، وجاء الإسلام وعنده عشر نسوة، فخيره النبي صلى الله عليه وسلم، فاختار أربعاً، فصارت سنة. وحكام قريش: عبدُ المطلب، وأبو طالب، والعاصي بن وائل. وحكيمات العرب: صُحْرُ بنت لقمان، وهند بنت الْخُسّ، وجمعة بنت حابس، وابنة عامر بن الظَّرِبِ الذي يقال له «ذو الحلم» قال المتلمس يريده:

لِذِي الْحِلْم قبل اليوم ما تُقْرَعُ العصَاوما عُلِّم الإنسان إلا لِيَعْلَمَا
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يعيرني أمي رجال لا أرى»

والمثل يضرب لمن إذا نُبِّه انتبه.

مثل «إن العصا قرعت لذي الحلم» في الشعر

لا غُروَ إن حُلَّمتَ مِن سَفَهٍإنَّ العَصا قُرِعَت لِذي الحِلمِ
للشاعر ابن هتيمل، اقرأ القصيدة

النص من «مجمع الأمثال» للميداني (ت ٥١٨هـ)، عن مجموعة «Arabic Proverbs Collection» لطه السلوي (رخصة CC BY 4.0)، بعد حذف حواشي المحقق المعاصر. المصدر · الرخصة · مصادر الموقع

من باب الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.