أيا عذبات البان من أيمن الحمى

الشاعر: ابن رشيد البغدادي · البحر: الطويل

هذه القصيدة من شعر ابن رشيد البغدادي، من العصر المملوكي، وتقع في 271 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الألف.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أيا عذبات البان من أيمن الحمى ... رعى الله عيشا في رباك قطعناه

سرقناه من شرخ الشباب وروْقه ... فلما سرقنا الصفو منه سُرقناه

وجاءت جيوش البين يقدمها القضا ... فبدد شملا بالحجاز نظمناه

حرام بذي الدنيا دوام اجتماعنا ... فكم صرمت للشمل حبلاً وصلناه

فيا أين أيام تولت على الحمى ... وليل مع العشاق فيه سهرناه

ونحن لجيــــران المحصب جيرة ... نوفي لهم حسن الوداد ونرعاه

ونخلو بمن نهوى إذا رقد الورى ... ويجلو علينا من نحب محياه

فقــــرب ولا بعــــد وشمــــل مجمع ... وكأس وصال بيننا قد أدرناه

فهاتيك أيام الحياة وغيرها ... ممات فياليت النوى ما شهدناه

فيا ما أمر البين ما أقتل الهوى ... أما يا الهوى إن الهنا قد سلبناه

فــــو الله لم يبــــق الفــــراق لذاذة ... فلو من سبيل للفراق فرقناه

فأحبابنا بالشوق بالحب بالجوى ... لحرمة عقد عندنا ما حللناه

لحــــق هوانــــا فيــــكــــم وودادنــــا ... لميثاق عهد صادق ما نقضناه

أعيدوا لنا أعيادنا بربوعكم ... ووقت سرور في حماكم قضيناه

فما العيش إلا ما قضينا على الحمى ... فداك الذي من عمرنا قد عددناه

فياليت عنا أغمض البين طرفه ... ويا ليت وقتا للفراق فقدناه

وترجع أيام المحصب من منى ... ويبــــدو ثراه للعيون حصباه

وتسرح فيه العيس بين ثمامة ... وتستنشق الأوراح نشر خزاماه

ونشكو إلى أحبابنا طول شوقنا ... إليهم وماذا بالفراق لقيناه

فلا كانت الدنيا إذا لم يعاينوا ... هم القصد في أولى المشوق وأخراه

عليكم سلام الله يا ساكني الحمى ... بكم طاب رياه بكم طاب سكناه

وربـــــكــــــم لولاكـــــم مــــــا نــــــوده ... ولا القلب من شوق إليه أذبناه

أسكان وادي المنحنى زاد وجدنا ... بمغنى حماكم ذاك مغنى شغفناه

نحنّ إلى تلك الربــــوع تشوقاً ... ففيها لنا عهد وعقد عقدناه

ورب يرانا مــــا سلونا ربوعكم ... وما كان من ربع سواه سلوناه

فيا هل إلى ربع الأعاريب عودة ... فــــذاك وحــــق الله ربع حببناه

قضينا مع الأحباب فيه مآربا ... إلى الحشر لا تنسى سقى الله مرعاه

فشدوا مطايانا إلى الربع ثانيا ... فإن الهوى عن ربعكم ما ثنيناه

ففــــي ربعهم لله بيت مبارك ... إليه قلوب الخلق تهوى وتهواه

يطوف به الجاني فيغفر ذنبه ... ويسقط عنه جرمه وخطاياه

فكــــم لذة كــــم فرحــــة لطــــوافه ... فلله مــــا أحلى الطواف وأهناه

نطوف كأنا في الجنان نطوفها ... ولا هم لا غم فــــذاك نفيناه

فواشوقنا نحو الطواف وطيبه ... فذلك شــــوق لا يعبر معناه

فمن لم يذقه لم يــــذق قــــط لذة ... فذقه تذق يا صاح ما قد أذقناه

فوالله ما ننسى الحمى فقلوبنا ... هناك تركناها فيا كيف ننساه

ترى رجعــــة هــــل عودة لطوافنا ... وذاك الحمى قبل المنية نغشاه

ووالله ما ننسى زمان مسيرنا ... إليه وكل الركب قد لذ مسراه

وقــــد نسيت أولادنا ونساؤنا ... وأموالنا فالقلب عنهم شغلناه

تــــراءت لنا أعلام وصل على اللوى ... فمن أجلها فالقلب عنهم لويناه

جعلنا إله العرش نصب عيوننا ... ومَنْ دونه خلف الظهور نبذناه

وسرنا نشق البيد للبلد الذي ... بجهد وشق للنفوس بلغناه

رجالاً وركبانا على كل ضامر ... ومن كل ذي فج عميق أتيناه

نخوض إليه البر والبحر والدجى ... ولا قاطع إلا وعنه قطعناه

ونطوي الفلا من شدة الشوق للقا ... فتمسي الفلا تحكي سجلاً قطعناه

ولا صدنا عن قصدنا فقد أهلنا ... ولا هجر جار أو حبيب ألفناه

وأموالنــــا مبذولة ونفوسنا ... ولم نبق شيئاً منهما ما بذلناه

عرفنا الذي نبغي ونطلب فضله ... فهان علينا كل شيء بذلناه

فمن عرف المطلوب هانت شدائد ... عليه ويهوى كل ما فيه يلقاه

فيا لو ترانا كنت تنظر عصبة ... حيارى سكــــارى نحو مكة وُلاه

فلله كم ليل قطعناه بالسرى ... وبر بسير اليعملات بريناه

وكم من طريق مفزع في مسيرنا ... سلكنا وواد بالمخاوف جزناه

ولو قــــيــــل إن النــــار دون مزاركــــم ... دفعنا إليها والعذول دفعناه

فمولى الموالي للزيارة قد دعا ... أنقعد عنها والمزور هو الله

ترادفت الأشواق واضطرم الحشا ... فمن ذا له صبــــر وتضرم أحشاه

وأسرى بنا الحادي فأمعن في السرى ... وولى الكرى نوم الجفون نفيناه

ولما بدا ميقات إحرام حجنا ... نزلنا به والعيس فيه أنخناه

ليغتسل الحجاج فيه ويحرموا ... فمنه نلبي ربنا لا حرمناه

ونادى مناد للحجيج ليحرموا ... فلم يبق إلا من أجاب ولباه

وجــــردت القمصان والكل أحرموا ... ولا لبس لا طيب جميعاً هجرناه

ولا لهو ولا صيد ولا نقرب النسا ... ولا رفــــث لا فسق كُلاً رفضناه

وصرنا كأموات لففنا جسومنا ... بأكفاننا كل ذليل لمولاه

لعــــل يــــرى ذل العباد وكسرهم ... فيرحمهم رب يرجون رحماه

ينادونه : لبيك لبيك ذا العلا ... وسعديك كل الشرك عنك نفيناه

فلو كنت يا هذا تشاهد حالهم ... لأبكاك ذاك الحال في حال مرآه

وجوههــــم غبــــر وشعث رءوسهم ... فـــــلا رأس إلا للإله كشفناه

لبسنا دروعاً من خضوع لربنا ... وما كان من درع المعاصي خلعناه

وذاك قليل فــــي كثير ذنوبنا ... فيا طالما رب العباد عصيناه

إلى زمــــزم زمــــت ركــــاب مطينا ... ونحو الصفا عيس الوفود صففناه

نــــؤم مقاماً للخليل معظماً ... إليه استبقنا والركاب حثثناه

ونحن نلبي في صعود ومهبط ... كذا حالنا في كل مرقى رقيناه

وكــــم نشز عال علته رفودنا ... وتعلو به الأصوات حين علوناه

نحج لبيت حجه الرسل قبلنا ... لنشهد نفعاً في الكتاب وعدناه

دعانا إليه الله قبل بنائه ... فقلنا له لبيك داع أجبناه

أتيناك لبيناك جئناك ربنا ... إليك هربنا والأنام تركناه

ووجهك نبفي أنت للقلب قبلة ... إذا ما حججنا أنت للحج رمناه

فما البيت ما الأركان ما الحجر ما الصفا ... وما زمزم أنت الذي قد قصدناه

وأنت منانا أنت غاية سولنا ... وأنــــت الذي دنيا وأخرى أردناه

إليك شددنا الرحل نخترق الفلا ... فكم سُدَّ سَدُّ في سواد خرقناه

كذلك ما زلنا نحاول سيرنا ... نهارا وليلاً عيسنا ما أرحناه

إلى أن بدا إحدى المعالم من منى ... وهب نسيم بالوصال نشقناه

ونادى بنا حادي البشارة والهنا ... فهذا الحمى هذا ثراه غشيناه

وما زال وفــــد الله يقصــــد مكة ... إلى أن بدا البيت العتيق وركناه

فضجت ضيوف الله بالذكر والدعا ... وكبرت الحجــــاج حيــــن رأيناه

وقــــد كــــادت الأرواح تــــزهــــق فرحــــة ... لما نحن من عظم السرور وجدناه

تصافحنا الأملاك من كان راكبا ... وتعتنق الماشي إذا تتلقاه

فطفنــــا بــــه سبعاً رملنا ... وأربعة مشينا كما قد أمرناه

كــــذلك طـــــاف الهــــاشــــمــــي محمــــد ... طواف قدوم مثل ما طاف طفناه

وسالت دموع من غمام جفوننا ... على ما مضى من إثم ذنب كسبناه

ونحن ضيوف الله جئنا لبيته ... نريد القرى نبغي من الله حسناه

فنادى بنا أهلا ضيوفي تباشروا ... وقروا عيونا فالحجيج قبلناه

غدا تنظروني في جنان خلودكم ... وذاك قراكم مع نعيم ذخرناه

فأي قرى يعلو قرانا لضيفنا ... وأي ثواب مثل ما قد أثبناه

وكل مسيء قــــد أقلنا عثاره ... ولا وزر إلا عنكم قــــد وضعناه

ولا نـــــصــــــب إلا وعـــــنــــــدي جـــــزاؤه ... وكل الذي أنفقتموه حسبناه

سأعطيكم أضعاف أضعاف مثله ... فطيبوا نفوساً فضلنا قد فضلناه

فيا مرحبا بالقادمين لبيتنا ... إلى حججتم لا لبيت بنيناه

علي الجزا مني المثوبة والرضى ... ثوابكــــم يــــوم الجــــزا أتـــــولاه

فطيبوا سروراً وافرحوا وتباشروا ... وتيهوا وهيموا بابنا قد فتحناه

ولا ذنب إلا قــــد غفرناه عنكم ... وما كان من عيب عليكم سترناه

فهذا الذي نلنا بيوم قدومنا ... وأول ضــــيـــــق للصـــــدور شــــرحــــنـــــاه

وبتنا بأقطار المحصب من منى ... فيا طيب ليل بالمحصب بتناه

في يومنا سرنا إلى الجبل الذي ... من البعد جئناه لما قد وجدناه

فــــلا حـــــج إلا أن نــــكـــــون بأرضــــه ... وقوفاً وهذا في الصحيح رويناه

إليه ابتدرنا قاصدين إلهنا ... فلولاه مــــا كنا لحج سلكناه

وسرنا إليــــه قاصدين وقوفنا ... عليه ومن كل الجهات أتيناه

عـــــلى عـــــلمــــيـــــه للوقـــــوف جــــلالة ... فلا زالتا تحمى وتحرس أرجاه

وبينهما جزنا إليه بزحمة ... فيا طيبها ليت الزحام رجعناه

ولما رأيناه تعالى عجيجنا ... نلبي وبالتهليل منا ملأناه

وفيه نزلنا بكرة بذنوبنا ... وما كان من ثقل المعاصي حملناه

وبعد زوال الشمس كان وقوفنا ... إلى الليل نبكي والدعاء أطلناه

فكم حامــــد كــــم ذاكــــر ومسبح ... وكم مذنب يشكو لمولاه بلواه

فكم خاضــــع كــــم خاشع متذلل ... وكــــم سائل مــــدت إلى الله كفــــاه

وساوى عزيز في الوقوف ذليلنا ... وكم ثوب عز في الوقوف لبسناه

ورب دعانــــا ناظــــر لخضوعــــنــــا ... خبير عليم بالذي قد أردناه

ولمــــا رأى تــــلك الدمــــوع التــــي جــــرت ... وطول خشوع مع خضوع خضعناه

تجلى علينا بالمتاب وبالرضى ... وباهى بنا الأملاك حين وقفناه

وقال انظروا شعثا وغبرا جسومهم ... أجرنا أغثنا يا إلها دعوناه

وقد هجــــروا أموالهــــم وديارهم ... وأولادهم والكــــل يرفــــع شكــــواه

إلي فإنــــي ربــــهــــم ومليكهم ... لمن يشتكي المملوك إلا لمولاه

ألا فاشهدوا أني غفرت ذنوبهم ... ألا فانسخوا ما كان عنهم نسخناه

فقد بدأت تلك المساوي محاسنا ... وذلك وعـــــد مـــــن لدنـــــا وعــــدنـــــاه

فيا صاحبي من مثلنا في مقامنا ... ومن ذا الذي قد نال ما نحن نلناه

على عرفات قد وقفنا بموقف ... به الذنب مغفور وفيه محوناه

وقد أقبل الباري علينا بوجهه ... وقال ابشروا فالعفو فيكم نشرناه

وعنكم ضمنا كل تابعة جرت ... عليكم وأما حقنا فوهبناه

أقلناكم من كل ما قد جنيتم ... وما كان من عذر لدينا عذرناه

فيا من أسا يا من عصى لو رأيتنا ... وأوزارنــــا ترمى ويرحمنا الله

فإبليس مغموم لكثرة ما يرى ... من العتق محقوراً ذليلاً دحرناه

على رأسه يحثو التراب مناديا ... بأعوانه : ويلاه ذا اليوم ويلاه

وأظـــــهـــــر مـــــن حـــــســـــرة ونــــدامـــــة ... وكل بناء قــــد بناه هدمناه

تركناه يبكي بعدما كان ضاحكاً ... فكم مذنب من كفه قد سللناه

وكم أمل نلناه يــــوم وقوفنــــا ... وكم من أسير للمعاصي فككناه

وكم قد رفعنا للإله مطالبا ... ولا أحد ممن نحــــب نسيناه

وخــــصــــصــــت الآباء والأهل بالدعا ... وكــــم صــــاحــــب دان ونــــاء ذكــــرنـــــاه

كذا فعل الحجاج هاتيك عادة ... وما فعل الحجاج فيه فعلناه

وظـــــل إلى وقـــــت الغــــروب وقــــوفــــنــــا ... وقيل ادفعوا فالكل منكم قبلناه

أفيضوا وأنتم حامدون إلهكم ... إلى مشعر جاء الكتاب بذكراه

وسيروا إليه واذكروا الله عنده ... فسرنا وفي وقت العشاء نزلناه

وفيه جمعنا مغرباً وعشاءها ... ترى عائداً جمعاً لجمع جمعناه

وبتنا به حتى لقطنا جمارنا ... وربا شكرناه على ما هداناه

ومنه أفضنا حيثما الناس قبلنا ... أفــــاضوا وغفران الإله طلبنــــاه

ونحو منى ملنا بها كان عيدنا ... ونلنا بها ما القلب كان تمناه

فمن منكم بالله عيد عيدنا ... فعيد منى رب البرية أعلاه

وفيه رمينا للعقاب جمارنا ... ولا جرم إلا مع جمار رميناه

وبالجمرة القصوى بدأنا وعندها ... حلقنا وقصرنا لشعر حضرناه

ولما حلقنا حل لبس مخيطنا ... فيا حلقة منها المخيط لبسناه

وفيها نحرنا الهدي طوعاً لربنا ... وإبليس لما أن نحرنا نحرناه

ومن بعدها يومان للرمي عاجلاً ... ففيها رمينا والإله دعوناه

وإياه أرضينا برمــــي جمارنا ... وشيطاننا المرجوم ثم رجمناه

وبالخيف أعطانا الإله أماننا ... وأذهب عنا كل ما نحن نخشاه

وردت إلى البــــيــــت الحــــرام وفــــودنــــا ... تــــحــــن له كــــالطير حــــن لمــــأواه

وطــــفــــنا طوافا للإفاضة حوله ... وفزنا به بعد الجمار وزرناه

ومن بعد ما زرنا دخلناه دخلة ... كأنا دخلنا الخلد حين دخلناه

ونــــلنــــا أمــــان الله عــــنــــد دخوله ... كذا أخبر القرآن فيما قرأناه

فيا منزلاً قد كان أبرك منزل ... نزلناه في الدنيا وبيتاً وطئناه

تـــــرى حـــــجـــــةً أخـــــرى إليــــه ودخــــلةً ... وهــــذا عــــلى درب الورى نــــتــــمــــنــــاه

فإخواننا ما كان أحلى دخولنا ... إليه ولبثــــا فــــي ذراه لبثناه

نطوف به والله يحصي طوافنا ... ليسقط عنا ما نسينا وأحصاه

وبالحجر الميمون عجنا فإنه ... لرب السما والأرض للخلق يمناه

نقبله مــــن حبــــنا لإلهنا ... وكم لثمة طي الطواف لثمناه

وذاك لنا يــــوم القيامــــة شاهد ... وفيــــه لنــــا لله عهد عهدناه

ونستلم الركن اليماني طاعة ... ونستغفر المولى إذا ما لمسناه

وملتــــزم فيه التزمنا لربنا ... عهوداً وعقبى الله فيه لزمناه

وكم موقف فيه يجاب لنا الدعا ... دعونا به والقصد فيه نويناه

وصلى بأركان المقام حجيجنا ... وفــــي زمــــزم ماءً طهــــوراً وردنــــاه

وفيه الشفا فيه بلوغ مرادنا ... لما نحن ننويه إذا ما شربناه

وبين الصفا والمروة الوفد قد سعى ... فإن تمام الحج تكميل مسعاه

فسبعاً سعاها سيد الرسل قبلنا ... ونحن تبعناه فسبعاً سعيناه

نهرول فــــي أثنائهــــا كل مرة ... فهذاك من فعل الرسول فعلناه

وبعد تمام الحج والنسك كلها ... حللنا وباقي عيسنا قد أنخناه

فمن شاء وافى الصيد والطيب والنسا ... وقــــد تــــم حــــج للإله حججــــناه

ولما اعتمرنا كان أبرك عمرنا ... زمانا نراه باعتمار عمرناه

ولما قضينــــا للإله مناسكاً ... ذكرناه والمطلوب منه سألناه

فمن طالب حظاً بدنيا فما له ... خـــــلاق بــــأخـــــراه إذا الله لاقـــــاه

ومن طالب حسنا بدنيا لدينه ... وحــــسنــــا بأخــــراه وذاك يوفــــاه

وآخــــر لا يبغي مــــن الله حاجــــة ... سوى نظرة في وجهه يوم عقباه

وبات حجيج الله بالبيت محدقاً ... ورحــــمــــة رب العرش ثمت تغشاه

تداعت رفاقا بالرحيل فما ترى ... سوى دمع عين بالدماء مزجناه

لفــــرقــــة بيت الله والحجــــر الذي ... لأجلهما صعب الأمور سلكناه

وودعــــت الحــــجــــاج بــــيـــــت إلهــــهـــــا ... وكلهم تجري من الحزن عيناه

فــــللَّه كــــم بــــاك وصــــاحـــــب حــــســـــرة ... يـــــود بـــــأن الله كـــــان تـــــوفـــــاه

فلو تشهد التوديع يوماً لبيته ... فــــإن فراق البيت مــــر وجدنــــاه

فــــمـــــا فــــرقــــة الأولاد والله إنــــه ... أمــــر وأدهــــى ذاك شــــيء خبرنــــاه

فــــمــــن لم يجرب ليس يعرف قدره ... فجرب تجد تصديق ما قد ذكرناه

لقد صدعــــت أكبادنا وقلوبنا ... لما نحن من مر الفراق شربناه

والله لولا أن نــــــــؤمــــــــل عـــــــــودة ... إليه لذقنا الموت حين فجعناه

ومن بعد ما طفنا طواف وداعنا ... رحلنا لمغنى المصطفى ومصلاه

ووالله لو أن الأســـــنــــــة أشـــــرعـــــت ... وقامت حروب دونه ما تركناه

ولو أنـــــنــــــا عـــــلى الروس دونــــــه ... ومن دونه جفن العيون فرشناه

وتملك منا بالوصول رقبانا ... ويسلب منا كل شيء ملكناه

لكان يسيراً في محبة أحمد ... وبالروح لو يشرى الوصال شريناه

ورب الورى لولا مــــحــــمـــــد لم نكــــن ... لطيبة نسعى والركاب شددناه

ولولاه ما اشتقنا العقيق ولا قبا ... ولولاه لم نهوى المدينة لولاه

هو القصد إن غنت بنجد حداتنا ... وإلا فمــــا نجد وسلع أردنــــاه

وما مكة والخيف قل لي ولا منى ... وما عرفــــات قبل شرع أردناه

بــــه شرفت تلك الأماكن كلها ... وربك قد خــــص الحبيب وأعطاه

لمسجــــده سرنــــا وشــــدت رحالنا ... وبين يديه شوقنا قد كشفناه

قطعنا إليه كل بر ومهمه ... ولا شاغل إلا وعنا قطعناه

كــــذا عزمات السائرين لطيبة ... رعى الله عزماً للحبيب عزمناه

وكم جبــــل جزنــــا ورمــــل وحاجز ... ولله كــــم واد وشــــعــــب عبــــرنــــاه

ترنحنا الأشواق نحو محمد ... فنسري ولا ندري بما قد سريناه

ولما بدا جزع العقيق رأيتنا ... نشاوى سكارى فارحين برؤياه

شممنا نسيماً جاء من نحو طيبة ... فأهلاً وسهلاً يا نسيما شممناه

فقــــد ملئت منّا القلوب مسرة ... وأي سرور مثل مــــا قد سررناه

فوا عجباه كيف قرّت عيوننا ... وقد أيقنت أن الحبيب أتيناه

ولقياه منا بَعدَ بُعدٍ تقاربت ... فو الله لا لقيا تعادل لقياه

وصلنا إليه واتصلنا بقربه ... فلله مــــا أحلى وصــــولاً وصلناه

وقفنا وسلمنا عليه وإنــــه ... ليسمعنا من غير شك فديناه

ورد علينا بالسلام سلامنا ... وقد زادنا فوق الذي قد بدأناه

كذا كان خلق المصطفى وصفاته ... بذك في الكتب الصحاح عرفناه

وثــــم دعــــونــــا للأحــــبــــة كلهم ... فكم من حبيب بالدعاء خصصناه

وملنا لتسليم الإمامين عنده ... فإنهما حقاً هناك ضجيعاه

وكم قد مشينا في مكان به مشى ... وكــــم مدخل للهاشمي دخلناه

وآثاره فيها العيون تمتعت ... وقمنا وصلينا بحيث مصلاه

وكم قد نشرنا شوقتنا لحبيبنا ... وكم من غليل في القلوب شفيناه

ومسجده فيه سجدنا لربنا ... فلله ما أعلى سجوداً سجدناه

بروضة قمنا فهاتيك جنة ... فيا فوز من فيها يصلي وبشراه

ومنبره الميمون منه بقية ... وقفنا عليها والفؤاد كررناه

كذلك مثل الجذع حنت قلوبنا ... إليه كما ود الحبيب وددنــــاه

وزرنا قبا حبا لأحمد إذ مشى ... عسى قدماً يخطو مقاما تخطاه

لنبعث يوم البعث تحت لوائه ... إذا الله من تلك الأماكن ناداه

وزرنا مزارات البقيع فليتنا ... هناك دفنا والممات رزقناه

وحــــمــــزة زرنــــاه ومـــــن كــــان حوله ... شهيداً وأحداً بالعيون شهدناه

ولمــــا بلغنا من زيارة أحمد ... منانا حمدنا ربنا وشكرناه

ومن بعد هذا صاح بالبين صائح ... وقال ارحلوا يا ليتنا ما أطعناه

سمعنا له صوتاً بتشتيت شملنا ... فيا ما أمر الصوت حين سمعناه

وقمنا نؤم المصطفى لوداعه ... ولا دمــــع إلا للوداع صببــــناه

ولا صبر كيف الصبر عند فراقه ؟ ... وهيهات إن الصبر عنه صرفناه

أيصبر ذو عقل لفرقة أحمد ... فلا والذي من قاب قوسين أدناه

فواحسرتــــاه مـــــن وداع محمد ... وأواه مـــــن يــــــوم التـــــفـــــرق أواه

سأبكي عليه قدر جهدي بناظر ... من الشوق ما ترقى من الدمع غرباه

فيا وقت توديعي له ما أمره ... ووقت اللقا والله ما كان أحلاه

عسى الله يدنيني لأحمد ثانياً ... فيا حبذا قرب الحبيب ومدناه

فيا رب فارزقني لمغناه عودة ... تضاعف لنا فيها الثواب وترضاه

رحلنا وخلفنا لديه قلوبنا ... فكم جسد من غير قلب قلبناه

ولما تركنا ربعه من ورائنا ... فــــلا نــــاظر إلا إليه رددنــــاه

لنغنم منه نظرة بعد نظرة ... فلما أغبناه السرور أغبناه

فلا عيش يهنى مع فراق محمد ... أأفقد محبوبي وعيشي أهناه

دعوني أمت شوقاً إليه وحرقة ... وخطوا على قبري بأني أهواه

فيا صاحبي هذي التي بي قد جرت ... وهذا الذي في حجنا قد عملناه

فإن كنت مشتاقاً فبادر إلى الحمى ... لتنظر آثار الحبيب وممشاه

وتحظى بيت الله من قبل منعه ... كأنا به عما قليل منعناه

أليس ترى الأشراط كيف تتابعت ... فبادر واغنمه كما قد غنمناه

إلى عرفات عاجل العمر واستبق ... فثم إله الخلق يسبغ نعماه

وعيد مع الحجاج يا صاح في منى ... فعيد منى أعلاه عيداً وأسناه

وضح بها واحلق وسر متوجهاً ... إلى البيت واصنع مثل ما قد صنعناه

وكن صابراً إنا لقينا مشقة ... فإن تلقها فاصبر كصبر صبرناه

لقد بعدت تلك المعالم والربا ... فكم من رواح مــــع غدو غدوناه

فبادر إليها لا تكن متوانيا ... لعلك تحظى بالذي قد حظيناه

وحــــج بمــــال مــــن حــــلال عرفته ... وإيــــاك والمــــال الحــــرام وإيـــــاه

فمن كان بالمال المحرم حجه ... فعن حجه والله ما كان أغناه

إذا هـــــو لبــــى الله كــــان جــــوابــــه ... مــــن الله لا لبيــــك حــــج رددنــــاه

كذلك جانا في الحديث مسطرا ... ففي الحج أجر وافر قد سمعناه

ومن بعد حج سر لمسجد أحمد ... ولا تخطه تندم إذا تتخطاه

فوا أسف الساري إذا ذكــــر الحمى ... إذا ربع خير المرسلين تخطاه

ووالهـــــف الآتـــــي بــــحـــــج وعــــمــــرة ... إذا لم يكمل بالزيارة ممشاه

يعزى على ما فاته من مزاره ... فقد فاته أجر كثير بأخراه

نظرناه حقاً حين بانت ركابنا ... على طيبة حقاً وصدقاً نظرناه

وزادت بنا الأشواق عند دنونا ... إليها فما أحلى دنوا دنيناه

ولمــــا بــــدت أعلامها وطلولها ... تحدرت الركبان عما ركبناه

وسرنــــا مشــــاة رفعــــة لمحمد ... حثنا الخطا حتى المصلى دخلناه

لنغنم تضعيف الثواب بمسجد ... صلاة الفتى فيه بألف يوفاه

كذلك فاغنم في زيارة طيبة ... كما قد فعلنا واغتنم ما غنمناه

فإذ ما رأيت القبر قبر محمد ... فلا تدن منه ذاك أولى لعلياه

وقــــف بوقــــار عــــنده وسكينة ... ومثل رسول الله حيا بمثواه

وســــلم عليــــه والوزيريــــن عنــــد ... هوزره كم زرنا لنحصد عقباه

وبلغه عنا لا عدمت سلامنا ... فأنــــت رسول للرسول بعثناه

ومن كان منا مبلغا لسلامنا ... فإنا بمبلاغ السلام سبقناه

فيا نعمة لله لسنا بشكرها ... نقوم ولو ماء البحور مددناه

فنحمد رب العرش إذا كان حجنا ... بزورة من كان الختام ختمناه

عليك سلام الله ما دامت السما ... سلام كما يبغى الإله ويرضاه

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الألف، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:

  • الصفو: (صَفَوَ) الصَّادُ وَالْفَاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى خُلُوصٍ مِنْ كُلِّ شَوْبٍ. مِنْ ذَلِكَ الصَّفَاءُ، وَهُوَ ضِدُّ الْكَدَرِ ؛ يُقَالُ: صَفَا يَصْفُو، إِذَا خَلَصَ. يُقَالُ: لَكَ صَفْوُ هَ … (مقاييس اللغة)
  • المحصب: حصب: الحَصْبةُ والحَصَبةُ والحَصِبةُ، بِسُكُونِ الصَّادِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا: البَثْر الَّذِي يَخْرُج بالبَدَن وَيَظْهَرُ فِي الجِلْد، تَقُولُ مِنْهُ: حَصِبَ جِلدُه، بِالْكَسْرِ، يَحْصَبُ، وحُصِبَ فَهُوَ مَحْصُوبٌ. و … (لسان العرب)
  • بالحجاز: حجز: الحَجْز: الْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، حَجَز بَيْنَهُمَا يَحْجُزُ حَجْزاً وحِجازَةً فاحْتَجَز؛ وَاسْمُ مَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا: الحاجِزُ. الأَزهري: الحَجْز أَن يَحْجِز بَيْنَ مُقَاتِلَيْنِ، والحِجَاز الِاسْمُ، وَكَ … (لسان العرب)
  • تولت: تول: التُّوَلَة: الدَّاهِيَةُ، وَقِيلَ: هِيَ بِالْهَمْزِ، يُقَالُ: جَاءَنَا بتُولاته ودُولاته وَهِيَ الدَّوَاهِي. ابْنُ الأَعرابي: إِن فُلَانًا لَذُو تُولات إِذا كَانَ ذَا لُطْف وتَأَتٍّ حَتَّى كأَنه يَسْحَر صَاحِبَهُ. و … (لسان العرب)
  • دوام: دَوَمَ: دامَ الشيءُ يَدُومُ ويَدامُ؛ قَالَ: يَا مَيّ لَا غَرْوَ وَلَا مَلامَا ... فِي الحُبِّ، إِن الحُبَّ لن يَدامَا قَالَ كُرَاعٌ: دامَ يَدُومُ فَعِلَ يَفْعُلُ، وَلَيْسَ بقَوِيّ، دَوْماً ودَواماً ودَيْمومَةً؛ قَالَ أَب … (لسان العرب)
  • رباك: ربأ: رَبَأَ القومَ يَرْبَؤُهم رَبْأً، وربَأَ لَهُمُ: اطَّلَعَ لَهُمْ عَلَى شَرَفٍ. ورَبأتُهم وارْتَبأتُهم أَي رَقَبْتُهم، وَذَلِكَ إِذَا كُنْتَ لَهُمْ طَلِيعةً فَوْقَ شَرَفٍ. يُقَالُ رَبأَ لَنَا فُلَانٌ وارْتبأَ إِذَا اع … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة