جادَت يَداكَ إِلى أَن هُجِّنَ المَطَرُ
الشاعر: ابن أبي حصينة · البحر: البسيط
هذه القصيدة من شعر ابن أبي حصينة، من العصر الفاطمي، وتقع في 56 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
جادَت يَداكَ إِلى أَن هُجِّنَ المَطَرُ ... وَزانَ وَجهُكَ حَتّى قُبِّحَ القَمَرُ
أَمسَت عُقولُ البَرايا فِيكَ حائِرَةً ... فَلَيسَ يُدرى هِلالٌ أَنتَ أَم بَشَرُ
لَو كُنتَ في عَصرِ قَومٍ سارَ ذِكرُهُمُ ... في الجاهِلِيَّةِ لَم تُكتَب لَهُم سِيَرُ
وَلَو لَحِقتَ زَمانَ الوَحيِ ما نَزَلَت ... إِلّا بِتَفضِيلِكِ الآياتُ وَالسُوَرُ
إِنَّ العُصُورَ وَأَهلِيها الَّذينَ مَضَوا ... مُذ مَرَّ ذِكرُكَ بِالأَسماعِ ما ذُكِرُوا
أَبدَعتَ في كُلِّ شَيءٍ أَنتَ فاعِلُهُ ... فَلَم يُقَس بِكَ لا بَدوٌ وَلا حَضَرُ
هَجَّنتَهُمُ وَأَبانَ الفَضلُ نَقصَهُمُ ... حَتّى لَأزرَت عَلى سُكّانِها الحُفَرُ
لا يَنعَتِ الناسُ جَوّاباً وَلا زُفَراً ... فَما يُدانِيكَ جَوّابٌ وَلا زُفَرُ
ما الخَبرُ كَالخَبَرِ المَروِيِّ مُذ زَمَنٍ ... يا صاحِ هَل يَتَساوى الخُبرُ وَالخَبَرُ
مَضى الزَمانُ وَمِن أَنبائِهِ أُمَمٌ ... رامُوا مَرامَكَ في الدُنيا فَما قَدَرُوا
إِنَّ المَحَلَّ الَّذي أَصبَحتَ مُدرِكَهُ ... دُونَ المَحَلِّ الَّذي أَصبَحتَ تَنتَظِرُ
إِذا صَعِدتَ مِنَ العَلياءِ في دَرَجٍ ... تَسَبَّبَت دَرَجٌ مِن فَوقِها أُخَرُ
لا يَنتَهِي لَكَ إِقبالٌ إِلى أَمَدِ ... وَلا يَنُصُّ إِلى وَقتٍ لَكَ العُمُرُ
تَرقى وَتَلقى نُجُومَ الجَوِّ هابِطَةً ... فَأَنتَ تَصعَدُ وَالعَيُوقُ يَنحَدِرُ
كانَ الزَمانُ بَهِيماً وَاِتَّفَقتَ لَهُ ... فَــــغَــــيَّرَت لَونَهُ أَيّــــامُكَ الغُرَرُ
أَمّا يَداكَ فَقَد أَمسَت مُسَلَّطَةً ... عَلى النُضارِ فَلا تُبقي وَلا تَذَرُ
أَفنَت كُنُوزَكَ وَاستَبقَت جَميل ثَناً ... يَعفُو الزَمانُ وَلا يَعفُو لَهُ أَثَرُ
لا أَقفَرَت شَجَراتٌ عَرَّقَت وَزَكَت ... فُرُوعُها فَزَكا مِنهُنَّ ذا الثَمَرُ
أَما الثُغُورُ فَقَد سُدَّت بِمُنتَجبٍ ... ماضِي العَزِيمَةِ ما في عُودِهِ خَوَرُ
جَلدٍ عَلى نُوَبِ الأَيّامِ مُصطَبرٍ ... لَولا نَداهُ لَقُلنا إِنَّهُ حَجَرُ
أَحَبُّ شَيءٍ إِلَيهِ في مَمالِكِهِ ... أَن يُجمَعَ الحَمدُ لا أَن تُجمَعَ البَدرُ
يُهدي إِلى التُربِ طِيباً طِيبُ أَخمَصِهِ ... حَتّى يَقُومَ مَقامَ العَنبَرِ العَفَرُ
مُبارَكُ الوَجهِ لا مِيثاقُهُ حَرِجٌ ... عَنِ الوَفاءِ ولا مَعرُوفُهُ عَسِرُ
يُجِدي وَيُردي فَإِمّا وَاهِباً نِعمَاً ... أَو سالِباً فَهوَ لا حُلوٌ وَلا صَبِرُ
أَثنَت عَلى فَضلِهِ العِيسُ الَّتي دَمِيَت ... أَخفافُها وَالسُرى وَالسَفرُ وَالسَفَرُ
أُنظُر لِتَنظُرَ شَيئاً جَلَّ خالِقُهُ ... يَحارُ فيهِ وَفي أَمثالِهِ النَظَرُ
طَوقاً عَلى المَلِكِ المَيمُونِ طائِرُهُ ... كَأَنَّهُ هالَةٌ فِي وَسطِها قَمَرُ
وَحُلَّةً مِن أَدِيمِ الشَمسِ مُشرِقَةً ... لا يَستَطيعُ ثَباتاً فَوقَها البَصَرُ
تَوَقَّدَ التِبرُ حَتّى لَو دَنَوتَ بِهِ ... مِن غَيرِ لَفحٍ رَأَيتَ النارَ تَستَعِرُ
قَد كَفَّها عَن كَثِيرٍ مِن تَوَقُّدِها ... خِرقٌ يُرى الماءُ مِن كَفَّيهِ يَنعَصِرُ
هَذا وَمِن أَنجُمِ الجَوزاءِ مِنطَقَةٌ ... مُرَصَّعٌ حَولَها الياقُوتُ والدُرَرُ
وَصارِماً ذَكَراً قَد نابَ حامِلُهُ ... عَنِ الخَليفَةِ هَذا الصارِمُ الذَكَرُ
أَطاعَهُ كُلُّ شَيءٍ طاعَةً حُتِمَت ... حَتّى القَضاءُ وَحَتّى الحَينُ وَالقَدَرُ
مِــــمّــــا تَــــخَــــيَّرَهُ عــــادٌ وَخَــــلَّفَهُ ... لِلسّادَةِ الغُرِّ مِن أَبنائِهِ مُضَرُ
كَأَنَّما حُمِّلَت مِنهُ حَمائِلُهُ ... عَقِيقَةً أَو جَرى في غِمدِهِ نَهَرُ
وَطامِحَ الطَرفِ نَهداً في سَبائِبِهِ ... طُولٌ يُحَبُّ وَفِي أَرساغِهِ قِصَرُ
كَــــأَنَّمــــا فَوقَ هادِيهِ وَلَبَّتِهِ ... مِنَ الحُلى جَمَراتٌ ما لَها شَرَرُ
يَمشِي بِأَروعَ لا يَهُفو بِهِ زَلَلٌ ... عَنِ الرَشادِ وَلا يَقتادُهُ الغَرَرُ
وَرايَةٌ باتَ مَعقُوداً بِذِروَتِها ... مِن فَوقِهِ العِزُّ وَالتَأيِيدُ وَالظَفَرُ
كَرَوضَةٍ مِن رِياضِ الحَزنِ مَونِقَةٍ ... مِنها اللَياحُ وَمِنها الأَخضَرُ النَضِرُ
تَلتَفُّ أَطرافُها وَالرِيحُ تَفتحُها ... كَما تَفَتَّحَ مِن أَكمامِهِ الزَهَرُ
تَهتَزُّ مِن فَرَحٍ وَالسَعدُ شامِلُها ... كَأَنَّما عِندَها مِن سَعدِها خَبَرُ
مِن خَلفِ أَطوَلَ مِنها باعَ مَكرُمَةٍ ... في المَجدِ لا مَلَلٌ فيهِ وَلا ضَجَرُ
أَناخَ وَفدٌ عَلى وَفدٍ بِساحَتِهِ ... وَعَرَّسَت زُمَرٌ في إِثرِها زُمَرُ
تَلقى مَوارِد فَخرِ المُلكِ مُترَعَةً ... لا الوِردُ يَنقُصُها شَيئاً وَلا الصَدَرُ
يَغدُو وَتَقدُمُهُ الأَعلامُ حائِمَةً ... كَالطَيرِ نازِحَةً عَن سَعدِها الطَيَرُ
خَفّاقَةً كَقُلوبِ الشانِئِينَ لَها ... إِذا تَمَكَّنَ مِنها الخَوفُ وَالحَذَرُ
وَهَت بُحُورُ العِدى وَالنُجبُ حامِلَةٌ ... تِلكَ القِبابَ عَلَيها الوَشيُ وَالحبَرُ
خُوصٌ تَهادى بِأَنماطٍ مُصَوَّرَةٍ ... تَكادُ تَنطِقُ في حافاتِها الصُوَرُ
مَواهِبٌ مِن إِمامٍ قَد بَذَلتَ لَهُ ... مَحَبَّةً مِنكَ ما في صَفوِها كَدَرُ
يا مَن تُقَصِّرُ في أَوصافِهِ كَلِمِي ... إِنّي إِلَيكَ مِنَ التَقصِيرِ مُعتَذِرُ
جَلَّت مَعالِيكَ عَن فَهمِي وَضِقتُ بِها ... ذَرعاً وَما بِيَ لا عِيٌّ وَلا حَصَرُ
أَنتَ الغَمامُ وَما لِي بِالغَمامِ يَدٌ ... أَعُدُّهُ وَهوَ جَمُّ الوَبلِ مُنحَدِرُ
زَهَت بِطَلعَتِكَ الدُنيا وَعَزَّ بِكَ ال ... عَمُودُ وَالدِينُ وَالإِسلامُ وَالثَغَرُ
عُمِّرتَ لِلمَجدِ عُمراً لا اِنقِضاءَ لَهُ ... إِنّي إِلى عُمرِكَ المَمدُودِ مُفتَقِرٌ
وَدُمتَ تَطلُبُ ما تَهوى فَتَبلُغه ... وَتَبتَغِي كُلَّ مَمنُوعٍ فَتَقتَدِرُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- بتفضيلك: فضل: الفَضْل والفَضِيلة مَعْرُوفٌ: ضدُّ النَّقْص والنَّقِيصة، وَالْجَمْعُ فُضُول؛ وَرُوِيَ بَيْتُ أَبي ذُؤَيْبٍ: وَشِيكُ الفُصُول بَعِيدُ الغُفُول رُوِيَ: وَشِيك الفُضُول، مَكَانَ الفُصُول، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَة … (لسان العرب)
- بدو: (بَدَوَ) الْبَاءُ وَالدَّالُ وَالْوَاوُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ظُهُورُ الشَّيْءِ. يُقَالُ: بَدَا الشَّيْءُ يَبْدُو: إِذَا ظَهَرَ، فَهُوَ بَادٍ. وَسُمِّيَ خِلَافُ الْحَضَرِ بَدْوًا مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُمْ فِي بَرَازٍ مِنَ … (مقاييس اللغة)
- ذكرهم: ذكر: الذِّكْرُ: الحِفْظُ لِلشَّيْءِ تَذْكُرُه. والذِّكْرُ أَيضاً: الشَّيْءُ يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ. والذِّكْرُ: جَرْيُ الشَّيْءِ عَلَى لِسَانِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَن الدِّكْرَ لُغَةٌ فِي الذِّكْرِ، ذَكَرَهُ يَذْكُرُه … (لسان العرب)
- ذكروا: ذكر: الذِّكْرُ: الحِفْظُ لِلشَّيْءِ تَذْكُرُه. والذِّكْرُ أَيضاً: الشَّيْءُ يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ. والذِّكْرُ: جَرْيُ الشَّيْءِ عَلَى لِسَانِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَن الدِّكْرَ لُغَةٌ فِي الذِّكْرِ، ذَكَرَهُ يَذْكُرُه … (لسان العرب)
- سكانها: سكن: السُّكُونُ: ضِدُّ الْحَرَكَةِ. سَكَنَ الشيءُ يَسْكُنُ سُكوناً إِذَا ذَهَبَتْ حَرَكَتُهُ، وأَسْكَنه هو وسَكَّنه غَيْرُهُ تَسْكيناً. وَكُلُّ مَا هَدَأَ فَقَدْ سَكَن كَالرِّيحِ والحَرّ وَالْبَرْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وسَك … (لسان العرب)
- فاعله: عله: العَلَهُ: خُبْثُ النَّفْس وضَعْفُها، وَهُوَ أَيضاً أَذَى الخُمارِ[[. قَوْلُهُ [وَهُوَ أَيْضًا أَذَى الْخُمَارِ] كذا بالأصل والتهذيب والمحكم، والذي في التكملة بخط الصاغاني: أدنى الخمار، بدال مهملة فنون، وتبعه المجد]] … (لسان العرب)
- قبح: قبح: القُبْحُ: ضِدَّ الحُسْنِ يَكُونُ فِي الصُّورَةِ؛ وَالْفِعْلُ قَبُحَ يَقْبُح قُبْحاً وقُبُوحاً وقُباحاً وقَباحةً وقُبوحة، وَهُوَ قَبِيحٌ، وَالْجَمْعَ قِباحٌ وقَباحَى والأُنْثَى قَبيحة، وَالْجَمْعُ قَبائِحُ وقِباحٌ؛ ق … (لسان العرب)
- لحقت: لحق: اللَّحْقُ واللُّحُوق والإِلْحاقُ: الإِدراك. لَحِقَ الشيءَ وأَلْحَقَهُ وَكَذَلِكَ لَحِقَ بِهِ وأَلْحَقَ لَحاقاً، بِالْفَتْحِ، أَيْ أَدْرَكَهُ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شَاهِدُهُ لأَبي دُوَادَ: فأَلْحَقَهُ، وَهُوَ سَاطٍ … (لسان العرب)