هَل بَعدَ شَيبكَ مِن عُذرٍ لِمُعتَذِرِ
الشاعر: ابن أبي حصينة · البحر: البسيط
هذه القصيدة من شعر ابن أبي حصينة، من العصر الفاطمي، وتقع في 50 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
هَل بَعدَ شَيبكَ مِن عُذرٍ لِمُعتَذِرِ ... فَازجُر عَنِ الغَيِّ قَلباً غَيرَ مُنزَجِرِ
ما أَنتَ وَالبِيضُ في شِعرٍ تَفُوهُ بِهِ ... بَعدَ البَياضِ الَّذي قَد لاحَ في الشَعَرِ
فَلا تَكُن مِن ظَعينِ الجِزعِ ذا جَزَعٍ ... وَلا بِمَن حَلَّ وَادي السِدرِ ذا سَدَرِ
وَاَردع فُؤادكَ عَن وَجدٍ يُخامِرُهُ ... إِذا نَزَلنَ ذَواتُ الخُمرِ بِالخَمَر
فَالراجِحُ اللُبِّ يَأبى أَن يُحَمِّلَهُ ... وِزراً هَوى الرُجَّحِ الأَكفالِ وَالأُزُرِ
أَو يَطَّبِيهِ وَشملُ الحَيِّ مُنشَعِبٌ ... رَبعٌ بِشِعبِ يَعارٍ دارِسُ الأُثَرِ
قَد كانَ مَأوى ظِباءِ الأُنسِ فَاتَّخَذَت ... عُفرُ الظِباءِ بِهِ مَأوى مِنَ العَفَرِ
فَلَيسَ يَبرَحُ مُحتَلاً بِدِمنتِهِ ... سِربٌ مِن الغِيدِ أَو سِربٌ مِنَ البَقَرِ
فَكُلُّ جازِئَةٍ مِنهُنَّ جاثِمَةٌ ... بِحَيثُ كانَ ذَواتُ الدَلِّ وَالخَفَرِ
جِنسانِ ما أَشتَبها إِلّا لِأَنَّهُما ... نَوافِرٌ قَلَّما يَألفَن بِالنَفَرِ
يا ظَبيَةً لا تَبيتُ اللَيلَ ساهِرَةً ... هَلا رَثَيتِ لِمَوقُوفٍ عَلى السَهَرِ
أَورَدتِهِ بِالمُنى وِرداً عَلى ظَمَإٍ ... وَما شَفَيتِ غَليلَ الصَدرِ في الصَدَرِ
لَقَد بَخِلتِ وَفَضلُ البُخلِ مَكرُمَةٌ ... مِنَ الأُناثِ كَفَضلِ الجُودِ في الذَكَرِ
لا حَبَّذا صَفَرٌ شَهراً فَقَد صَفِرَت ... يَدايَ مِن زَورَةِ الأَحبابِ في صَفَرِ
كَأَنَّ أَعشارَ قَلبي يَومَ بَينِهِمِ ... تُذكى بِزِندَين مِن مَرخٍ وَمِن عُشَر
يا سَاكِنينَ بِحَيثُ الخَبتُ مِن هَجَرٍ ... أَطَلتُمُ الهَجرَ مُذ صِرتُم إِلى هَجَرِ
عُودوا غِضاباً وَلا تَنأى دِيارُكُم ... فَقِلَّةُ الماءِ تُرضي الكُدرَ بِالكَدِرِ
يا دَهرُ لا تَستَقِل جُرماً بِنَأيِهِمِ ... فَإِنَّ جُرمَكَ جُرمٌ غَيرُ مُغتَفَرِ
ما لُمتُ غَيرَكَ في تَغييرِ وُدِّهِمِ ... لِأَنَّ صَرفَكَ مَجبُولٌ عَلى الغِيَرِ
سَحَبتُ بُردَيكَ في غَيٍّ وَفي رَشَدٍ ... وَذُقتُ طَعمَيكَ مِن حُلوٍ وَمِن صَبِرِ
فَما حَمَدتُكَ في بُؤسي وَلا رَغَدي ... وَلا شَكَرتُكَ في نَفعي وَلا ضَرَري
لَكِنَّ شُكري لِمَن لَو لا مَكارِمُهُ ... لَكُنتَ فَلَّلت مِن نابي وَمن ظُفُري
فَتّىً يَعَمُّ جَميعَ الخَلقِ نائِلُهُ ... كَما تَعُمُّ السَماءُ الأَرضَ بِالمَطَرِ
يُنبيكَ بِالبِشرِ عَن بُشرى مُؤَمَّلَةٍ ... فَالبِشرُ أَحسَنُ ما في أَوجُهِ البَشَرِ
يَعلَو الأَسِرَّةَ مِنهُ بَدرُ مَملَكَةٍ ... أَبهى مِنَ البَدرِ لا يُعطي سِوى البِدَرِ
حَجِّيــ إِلَيهِ وَتَطوافي بِحَضرَتَهِ ... نَظيرُ حَجِّيـ وَتَطوافي وَمُعتَمَرِي
حَتّى إِذا ما اِستَلَمنا ظَهرَ رَاحَتِهِ ... قامَت مَقامَ اِستِلامِ الرُكنِ وَالحَجَرِ
زُرهُ نَزُر مِن أَبي العُلوانِ خَيرَ فَتىً ... يُزارُ مِن وُلْدِ قَحطانٍ وَمِن مُضَرِ
وَالقَ المُعِزَّ بنَ فَخرِ المُلكِ تَلقَ فَتىً ... يُحَقِّقُ الخُبرُ عَنهُ صِحَّةَ الخَبَرِ
حَكى أَباهُ فَقالَ الناسُ كُلُّهُمُ ... مِن أَطيَب العُودِ يُجنى أَطيَبُ الثَمَرِ
بَنى مِنَ الفَخرِ ما لَم يَبنِهِ أَحَدٌ ... إِلّا الطَراخينُ مِن أَجدادِهِ الغُرَرِ
ماتُوا وَعاشُوا بِحُسنِ الذِكرِ بَعدَهُمُ ... وَالذكرُ يَحيى بِهِ الأَمواتُ في الحُفَرِ
لا يُصبِحُونَ حَليبَ الدَرِّ ضَيفَهُمُ ... أَو يُمزَجَ الدَرُّ لِلضِيفانِ بِالدُرَرِ
سُودُ المَرائِرِ لا يُفشَونَ يَومَ وَغىً ... إِلّا عَلى لَحِقِ الآطالِ كَالمِرَرِ
هُمُ اللُيوثُ وَلَكن لا تَرى لَهُمُ ... مِثلَ الليوثِ أَظافيراً سِوى الظَفَرِ
أَو مُرهَفاتٌ إِذا هَزوا مَضارِبَها ... هَزُوا بِهِنَّ قُلُوبَ البَدوِ وَالحَضَرِ
وَذُبَّلٌ مِن رِماحِ الخَطِّ حامِلَة ... مِنَ الأَسِنَّةِ نيراناً بِلا شَرَرِ
إِذا هَوَوا في مُتونِ الدارِعينَ بِها ... حَسِبتَهُم غَمَسوا الأَشطانَ في الغُدُرِ
مِن كُلِّ مَن تُرِك الذِكرُ الجَميلُ لَهُ ... مُخَلَّداً في غِرارِ الصارِمِ الذَكَرِ
رُوحي الفِداءُ لَهُم قَوماً تُرابُهُمُ ... عَلَيَّ أَكرَمُ مِن سَمعِي وَمِن بَصَرِي
ذَمَمتُ شَرخَ شَبابي عِندَ غَيرِهِمِ ... وَعُدتُ أَحمَدُ طِيبَ العَيشِ في الكِبَرِ
يا ابنَ السَمادِعَةِ الشُمسِ الَّذينَ هُم ... في كُلِّ وِزرٍ لَنا أَحمى مِنَ الوَزَرِ
غالَيتُ في الحَمدِ حَتّى صِرتَ مُشتَرِياً ... مِنَ القَريضِ سُطُورَ الحِبرِ بِالحَبَرِ
لا خَلقَ أَكرَمُ عَفواً مِنكَ عَن زَلَلٍ ... وَلا أَعَفُّ عَنِ الفَحشاءِ وَالنُكُرِ
تَبيعُ نَفسَكَ في كَسبِ النَفيسِ بِها ... إِنَّ الخَطيرَ لَمِقدامٌ عَلى الخَطَرِ
لَو كُنتَ في الزَمَنِ الماضي لَما تَرَكُوا ... ذِكراً يُسَيَّرُ إِلّا عَنكَ في السِيَرِ
يا مَن تَأَلَّمَ قَلبي مِن تَأَلُّمِهِ ... فَباتَ في غَمَراتِ الهَمِّ وَالفِكَرِ
شَكَوتَ فَاِشتَكَتِ الدُنيا وَلا عَجَباً ... إِنَّ الكُسُوفَ لَمَحتُومٌ عَلى القَمَرِ
فَاِسلَم رَفيعَ بِناءٍ المَجدِ شاهِقَهُ ... وَعِش طَويلَ رِداءِ العِزِّ وَالعُمُرِ
وَلا سَلَكت طَريقاً غَيرَ مُتَّسِعٍ ... وَلا هَمَمتَ بِأَمرٍ غَيرَ مُتَدِرِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الجزع: جَزَعَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً؛ الجَزُوع: ضِدُّ الصَّبُورِ عَلَى الشرِّ، والجَزَعُ نَقِيضُ الصَّبْرِ. جَزِعَ، بِالْكَسْرِ، يَجْزَعُ جَزَعاً، فَهُوَ جَازِع … (لسان العرب)
- الرجح: رجح: الرَّاجِحُ: الوازِنُ. ورَجَحَ الشيءَ بِيَدِهِ: رَزَنه ونَظر مَا ثِقْلُه. وأَرْجَحَ الميزانَ أَي أَثقله حَتَّى مَالَ. وأَرْجَحْتُ لِفُلَانٍ ورَجَّحْت تَرْجيحاً إِذا أَعطيته راجِحاً. ورَجَح الشيءُ يَرْجَحُ ويَرْجِحُ و … (لسان العرب)
- السدر: سدر: السِّدْرُ: شَجَرُ النَّبْقِ، وَاحِدَتُهَا سِدْرَة وَجَمْعُهَا سِدْراتٌ وسِدِراتٌ وسِدَرٌ وسُدورٌ[[. قوله: [سدور] كذا بالأَصل بواو بعد الدال، وفي القاموس سقوطها، وقال شارحه ناقلًا عن المحكم هو بالضم]]؛ الأَخيرة نادرة … (لسان العرب)
- بالخمر: خمر: خامَرَ الشيءَ: قَارَبَهُ وَخَالَطَهُ؛ قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: هامَ الفُؤادُ بِذِكْراها وخامَرَهُ ... مِنْهَا، عَلَى عُدَواءِ الدَّارِ. تَسْقِيمُ وَرَجُلٌ خَمِرٌ: خَالَطَهُ دَاءٌ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأُراه عَلَى النّ … (لسان العرب)
- بشعب: شعب: الشَّعْبُ: الجَمعُ، والتَّفْريقُ، والإِصلاحُ، والإِفْسادُ: ضدٌّ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: وشَعْبٌ صَغِيرٌ مِنْ شَعْبٍ كبيرٍ أَي صَلاحٌ قلِيلٌ مِنْ فَسادٍ كَثِيرٍ. شَعَبَه يَشْعَبُه شَعْباً، فانْشَعَبَ، وشَعَّبَه … (لسان العرب)
- تفوه: تفه: تَفِهَ الشيءُ يَتْفَهُ تَفَهاً وتُفوهاً وتَفاهةً: قَلَّ وخَسَّ، فَهُوَ تَفِهٌ وتافِهٌ. وَرَجُلٌ تافِهُ العقْل أَي قليلُه. والتافِهُ: الْحَقِيرُ الْيَسِيرُ، وَقِيلَ: الْخَسِيسُ القليلُ. وَفِي الْحَدِيثِ: قِيلَ يَا رَ … (لسان العرب)
- جزع: جَزَعَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً؛ الجَزُوع: ضِدُّ الصَّبُورِ عَلَى الشرِّ، والجَزَعُ نَقِيضُ الصَّبْرِ. جَزِعَ، بِالْكَسْرِ، يَجْزَعُ جَزَعاً، فَهُوَ جَازِع … (لسان العرب)
- دارس: درس: دَرَسَ الشيءُ والرَّسْمُ يَدْرُسُ دُرُوساً: عَفَا. ودَرَسَته الرِّيحُ، يتعدَّى وَلَا يتعدَّى، ودَرَسه الْقَوْمُ: عَفَّوْا أَثره. والدِّرْسُ: أَثر الدِّراسِ. وَقَالَ أَبو الْهَيْثَمِ: دَرَسَ الأَثَرُ يَدْرُسُ دُروساً … (لسان العرب)