نشرت عقود سمائها الأنداء
الشاعر: شرف الدين الحلي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر شرف الدين الحلي، من العصر الأيوبي، وتقع في 64 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
نشرت عقود سمائها الأنداء ... بيد النسيم فللثرى إثراء
وبدت تشاهير الربيع كأنما ... نشرت حبائر وشيها صنعاء
وافتر ثَغْر الأُقحوانة باسماً ... إذ للشقيقة مقلة رمداء
والأرض قد زُهِيَتْ بِحَلْي نباتها ... والجــــو حلّة سحبه دكناء
والروض في نشوات سحرته وقد ... طافت عليه الدِّيمة الوطفاء
وثنى الحيا عِطف الغدير فصفقت ... أوراقـــــه وتـــــغــــنَّتــــ الورقــــاء
فكأن أعطاف الغصون منابر ... والوُرق في أوراقها خطباء
فأجب نديم فقد دُعيت إلى الذي ... سنته قبلُ لمثلك الندماء
قد آن أن تهفو بعطفك نشوة ... تدنيك منها قهوة صهباء
أما الربيع فقد بدا وغصونه ... هِــــيــــفُ القــــدود وأرضه زهراء
فعلام نومك والمُدام شروطها ... ســــــاقٍ أغـــــنُّ وروضـــــة غـــــنّـــــاء
وأزل خَسَاسَاتِ النفوس فإنها ... صديت وما غير النفوس جلاء
فبنا من الماء القَراح وشربه ... رِيٌّ ونــــحن إلى المُدام ظِماء
فاكس الكؤوس بها وحي لعل أن ... تحيي المدامة ما أمات الماء
فأدر من الراح الشَّمول حُشاشة ... تسري بها في روحي السراء
عذراء كللها الحَباب بتاجه ... فأتتك توهم أنها شمطاء
يسعى بها ثَمِل القوام كأنه ... غصن تميل بعِطفه النَّكباء
في ظل دوحٍ ظل ناضر روضه ... وانـــــســـــاب جَـــــدوله ورق هـــــواء
وكأنما أَرَجُ النسيم إذا سرى ... عِطْراً على الغازي الغياث ثناء
ملك إذا قعد الملوك عن العلا ... قامت لطاعة أمره العلياء
تَعْتَدُّ أنفسها لعزة ملكه ... خَوَلاً ولا تعتاده الخُيلاء
غَمْرُ الندى تشقى به أمواله ... أضعاف ما تشقى به الأعداء
تتقاصر الأفهام عن إدراكه ... فتحار إذ تتظاهر اللألاء
فإذا تجلى للعيون تراجعت ... حسرى وأغشاها سنىً وسناء
متيقظ العزمات في الأزمات لا يحت ... ل مــــقــــلة عــــيــــنــــه إغــــفــــاء
مهما بدا لك مُوقِعاً ومُوَقَّعا ... فهنالك الإِعطاب والإعطاء
فرياحه بعداته وعفاته ... تجري ومنها زَعزع ورُخاء
ذا المُلكُ لا ما زُخْرِفت أخباره ... وأَتَــــتْ مــــقلَّدة به الأنباء
كم جِيدَ روض جلاله وتفجرت ... بــــالرزق فــــوق ظلاله الأنواء
لم تخله من نصرها هنديّةٌ ... زرقـــــاءُ أو خَـــــطِّيـــــَّةٌ ســـــمــــراء
أو نَثْرَة حَصْداءُ أو عاديةٌ ... حــــــواء أو مــــــقــــــورة جــــــرداء
حيث الظُّبا برق وفيض دم العدا ... ودق وَمَــــدْجُــــوُّ العجاج سماء
والأُسد من فوق الأجادل غابها ... أسلاتها وعلى المتون إضاء
والجو بالسمر اللّدان جفونه ... وطف ومقلة شمسه كحلاء
يا كافل الملك العقيم وكفأه ... إن عُــــدَّت الكفلاء والأكفاء
أنـــــت الذي بـــــنــــواله ونــــزاله ... تحيى الرفاة وتصعق الأحياء
ولأنت في هذا الزمان وأهله ... كالدرة اختلطت بها الحصباء
لله بأسك والسيوف مجالها ... بين الظُّلى وحلى السيوف دماء
سكنت نافرة الخطوب فما لها ... بــــطــــش ولا للحادثات مَضَاء
وأَنافَ جَدُّك والإباء على الذي ... شــــــادت لك الأجـــــداد والآبـــــاء
بارت نداك الغاديات فقصرت ... عنه فحمرة برقهن حياء
فالقطر والبحر الخِضَمُّ إذا هَمَى ... وطمى لدى هذي الهبات هباء
وطريد مسغبة نفت عنه الكرى ... فسرى تحت برجله الوجناء
فقد النِّدا فأهاب نُشْداناً به ... لو كان يسمع أو يجاب نداء
لو صابت الأنواء عاف ورودها ... ما لم يجانب صفوها الأقذاء
عُرِفَتْ به النفس الأبية والفتى ... من لم تفته حمية وإباء
ناديته والصبح قد شابت به ... لمم الدجا وانجابت الظلماء
حتام تنتجع السراب وهذه ... غدر تحف بوردها الأفياء
أسوى غياث الدين تَسْتَجْدِي المنى ... منه الغنى هيهات ذاك عناء
لا تبغ عن غازي بن يوسف معدلاً ... فــــسُــــراك حــــين تؤمه سراء
فأنخ بأشجع من علا مُتَمَطِّراً ... نَهْــــداً وأرفــــع مــــن عــــلاه لواء
واستسق وابله وحل بنجدةٍ ... تنجيك إن هطلت عليك سماء
فالأمن ممدود هناك رواقه ... والخِصب حيث القلعة الشهباء
في حيث يؤوي اللائذين بظله ... مــــجــــد أشــــم وعــــزة قــــعساء
فلديك منه إذا حللت جنابه ... مـــــــــلك أغـــــــــر ودولة غــــــــراء
أمفاجئ كرماً بِغُرِّ صنائع ... بي عن تحمل ثقلها إعياء
كم أشتكي ضعفي عن النعم التي ... تولى وكم تتضاعف اللألاء
لولاك جاب البيد فقري آيساً ... مــــمــــا يــــؤمــــله وخاب رجائي
ولطفت في الأرجاء أقصد أوجهاً ... مُرْبَدَّة فيها المديح هجاء
أنطقتني فأردت وصف مناقبٍ ... لا يستطاع لحصرها إحصاء
فإذا وقفت أمام ملكك منشداً ... حسدت عظيم مقامي الجوزاء
وأخجلة المثني عليك وهذه ... علياء يُحْصَر دونها البلغاء
وإذا العقول تحيرت في كن ... ه ما أوتيته فلتعذر الشعراء
فاسلم لأعياد يعودك سعدها ... ولها بملكك رونق وبهاء
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الهمزة، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الورقاء: رقأ: رَقَأَتِ الدَّمْعَةُ تَرْقَأُ رقْأً ورُقُوءًا: جَفَّتْ وانْقَطَعَتْ. وَرَقَأَ الدمُ والعِرْقُ يَرْقَأُ رَقْأً ورُقُوءًا: ارتفَع، والعِرْقُ سَكَنَ وانْقَطَع. وأَرْقَأَهُ هُوَ وأَرْقَأَهُ اللَّهُ: سَكَّنه. وَرَوَى الْ … (لسان العرب)
- الوطفاء: طفأ: طَفِئَتِ النارُ تَطْفَأُ طَفْأً وطُفُوءاً وانطَفَأَتْ: ذهَبَ لَهَبُها. الأَخيرة عَنِ الزَّجَّاجِيِّ حَكَاهَا فِي كِتَابِ الجُمل. وأَطْفَأَها هُوَ وأَطْفَأَ الحَرْبَ؛ مِنْهُ عَلَى الْمِثْلِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَز … (لسان العرب)
- باسما: سما: السُّمُوُّ: الارْتِفاعُ والعُلُوُّ، تقول منه: سَمَوْتُ وسَمَيْتُ مِثْلَ عَلَوْت وعَلَيْت وسَلَوْت وسَلَيْت؛ عَنْ ثَعْلَبٍ. وسَمَا الشيءُ يَسْمُو سُمُوّاً، فَهُوَ سامٍ: ارْتَفَع. وسَمَا بِهِ وأَسْماهُ: أَعلاهُ. وَيُق … (لسان العرب)
- بحلي: بحل: الأَزْهري: قَالَ فِي تَرْجَمَةِ ح ل ب قَالَ: أَما بَحَلَ وَلَبَحَ فإِن اللَّيْثَ أَهْمَلَهُمَا، قَالَ: وَرَوَى أَبو الْعَبَّاسِ عَنِ ابْنِ الأَعرابي أَنه قَالَ: البَحْلُ الإِدْقاع الشَّدِيدُ، قَالَ وهذا غريب. (لسان العرب)
- دعيت: دعت: دَعَتَه يَدْعَتُه دَعْتاً: دَفَعه دَفْعاً عَنِيفاً؛ وَيُقَالُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وسيأْتي ذِكْرُهُ. (لسان العرب)