مــاء الجــفــون بــوجــهــه مــذ أشــرقــا
الشاعر: شرف الدين الحلي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر شرف الدين الحلي، من العصر الأيوبي، وتقع في 93 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف القاف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مــاء الجــفــون بــوجــهــه مــذ أشــرقــا — كـــم نـــاظـــر بـــدمــوعــه قــد أشــرقــا
رشــــأ يُــــفَـــوِّق عـــن قـــســـيِّ حـــواجـــب — نــبــلاً بــغــيــر مــقــاتــلي لا يــتـقـى
ثـــمـــل المـــعـــاطــف لم يَــزُرَّ قِــبــاءه — إلا عــلى مــثــل القــضــيــب أو ارشـقـا
أنــا مــن تــمــادى هــجــره فــي مــأتــم — فـــاعـــجــب لخــدي بــالدمــوع مُــخَــلَّقــا
كـــالبـــدر يــســري فــي نــجــوم قــلائد — مــتــبــلجــاً مــن فــوق غــصــن فــي نـقـا
لم يــكــف ضــعــف الخــصــر فــي أردافــه — حــتــى اغــتـدى بـعـيـونـنـا مـتـمـنـطـقـا
أجــــرى عــــلى عـــاداتـــه دمـــعـــي ولو — كـــشـــف الظــلامــة ردَّ ذاك المــطــلقــا
ورأى دليــــل جــــنــــون قــــلبـــي أنـــه — بــســلاســل الأصــداغ أضــحــى مــوثــقــا
جــعــل الغــرام قِــرى مــلاحــتــه فــكــم — نــــاراً أثــــار وكـــم دمـــاء أهـــرقـــا
غـــنـــيــت ثــنــايــاه بــخــمــر رضــابــه — حـــتـــى صــفــا فــي كــأس فــيــه وروقــا
مـــا زال يـــغـــرب طـــرفــه فــي فــعــله — حـــتـــى أصـــاب وســـهـــمـــه مــا فــوقــا
وبــــدت له آيــــات حــــســــن لم يـــقـــم — بـــرهـــانـــهـــا إلا وكـــنـــت مــصــدقــا
فـــبـــلحـــظـــه وبــوجــنــتــيــه وثــغــره — راحٌ ســكــرت بــنــشــرهــا مــســتــنــشـقـا
فـــانـــظـــر إلى عـــنــقــود صــدغ خــصــه — مــن غــيــر عــصــر بــالرحــيــق مـعـتـقـا
كـــتـــب العــذار عــلى صــحــيــفــة خــدِّه — بــالمـسـك فـي الكـافـور سـطـراً مُـلحـقـا
فــزهــا بــنــفــســجــه الجـنـيّ وقـد غـدا — بــالورد فــي روض المــلاحــة مــحــدقــا
إنـــي لأظـــمـــأ مـــا أكـــون إذا جـــرى — مـــاء الحـــيــاء بــوجــهــه وتــرقــرقــا
قــمــر ســقــيــم الطــرف عــقــرب صــدغــه — يُــثْــنِــي عــزائمــنــا ويــهــزأ بـالرٌّقَـى
يــا مــثــنــيــاً مـن حـسـنـه عَـطـفـاً عـلى — قــلب يــبــيــت مــن التــصــبــر مُــمْـلقـا
هــا قــد رأيــت خــضــوع ســائل أدمــعــي — أفـــكـــان عـــاراً أن تُـــرَى مــتــصــدِّقــا
ســــل عــــن ســــوى جـــلدي فـــإن لم أدع — تــعــليــله حــتــى قــضــى فــلك البــقــا
مــا بــات قــلبــي للصــبــابــة مـمـسـكـاً — حــتــى غــدا جــفــنــي لدمــعــي مـنـفـقـا
ســكــن الضــنــا جــســمــي ســكـون مـقـيـد — ومــشــى الغــرام إلى فــؤادي مــطــلقــا
فـــفـــداك قـــلب قـــد مـــلكـــت قــيــاده — لم يــرج مــن رِقِّ الصــبــابــة مــعــتـقـا
لو كــان قــلبــك مــثــل عِــطــفــك ليـنـاً — لرثــــى ورق لفــــيـــض دمـــع مـــا رقـــا
مــــاذا تـــعـــد لمـــن تـــعـــاديـــه إذا — مــا طــرفــك اغـتـال المـحـب المـشـفـقـا
ولربّ داعـــيـــة جـــعـــلت ضـــمـــيـــرهـــا — عــزمــي وحــزمــي والمــنــى والأيــنـقـا
وتـــنـــوفـــة مـــرهـــوبـــة أقــبــلتــهــا — أمــــلاً إذا دجـــت النـــوائب أشـــرقـــا
بــمــشــمــريــن إذا اسـتـمـاتـت بـيـنـهـم — سـنـة الكـرى اتـخـذوا الوسـاد المرفقا
أَلِفُـــوا مـــنــادمــة السُّهــاد كــأنــمــا — ضــنــوا بــفــضــلة كــأســه أن يــهــرقــا
تــطــفــو وتــرســب عـيـسـهـم مـن جـوبـهـا — وَعْــثَ الســهــولة واليــفــاع الأخــلقــا
وإلى المــقــر الظــاهــريِّ طــووا بــهــا — بــيــداء طــامــســة المــعــالم سَــمْـلَقـا
وشـــدوا لهـــا بــمــدائحــي فــيــه وقــد — شــكــت الكــلال فــمــا أَغَــذَّ وأَعْــنــقــا
حــــتـــى إذا وردت حـــيـــاض ســـمـــاحـــه — لم تـــلق إلا طـــافـــحـــاً مـــتـــدفــقــا
فـــتـــفــيــؤوا الظــل الغِــيَــاثِــيَّ الذي — أَمِــنــوا بــه لفــح الهـجـيـر المـحـرقـا
فــهـنـاك لم يـجـدوا المـعـالي نـبـتـهـا — ذاو ولم يــــردوا الســـمـــاح مـــرنَّقـــا
واسـتـنـشـقـوا مـن قـرب مـغـنـاه الغـنـى — إيــهــاً فــمــا أذكــى ســنــاه وأعــبـقـا
فـــوحـــقـــهـــم مـــا صـــادفــت آمــالهــم — مــن دون غــمــر نــداه بــابــاً مــغـلقـا
ونــدى يــد الغــازي بــن يـوسـف كـم يـد — أولى وكـــــم أمـــــل لراج حـــــقـــــقــــا
مـــلك بـــبـــيـــض ظُـــبـــاتــه وهــبــاتــه — يــجــدي ويــردي مــنــعــمــاً أو مـصـعـقـا
بـــأنـــامـــل وَكَـــفَــتْ نــدىً وكَــفَــتْ ردىً — فــالجــود يــرجــى والبــســالة تــتــقــى
يـــهـــب الرديــنــيــات ســمــراً والظُّبــا — قُـــضُـــبـــاً وقَـــبَّ الأعــوجــيــة ســبــقــا
والطــعــن قــد ســلب الأســنــة لونــهــا — بـــدم يُـــعَـــتِّقـــُه تَـــعَـــصْـــفَـــرَ أزرقــا
والبـــيـــض فــي حــلق الدِّلاص كــأنــهــا — صـــبـــح جـــرى مـــا بــيــن نَــوْرٍ فُــتِّقــَا
والســـمـــر تـــعـــجــم خــطّ كــلِّ مــهــنــد — تــثــنــيــه فــي صــحــف الوجـوه مـعـلقـا
وإذا الجــيــاد مــســحــن ثــوب عــجـاجـه — شــقــتــه مــرهــفــة الظــبــا فــتــمـزقـا
ذو عـــزمـــة كـــالســـهــم خــالط ثــغــره — أو كــالحــســام العــضــب صـادف مـفـرقـا
ثَــانَــى أبــيــه لنــصــرة التـوحـيـد كـم — مـــن أمـــة التــثــليــث أردى فــيــلقــا
يا ابن الأولى حاطوا العلا مذ جمعوا — مــن شــمــلهــا مــا كــان قــبـل مـفـرقـا
أحــــرزت غــــايــــة كـــل مـــجـــد بـــاذخ — أعـــيـــا المــلوك ونــلتــه مــتــفــرقــا
وقــــرعـــت ذروة مـــفـــخـــر لو أنـــهـــم — هـــمـــوا بــه لرأوه صــعــب المــرتــقــى
وتـــنـــاولت أيــدي مــســاعــيــك العــلا — مـــذ بـــات عــنــهــا كــل بــاع ضــيــقــا
إنَّ الرمـــاح وقـــد بــنــت لك ســمــرهــا — شــرفــاً أنــاف عــلى النــجــوم مــحـلقـا
حــطــمــتــهـا بـالطـعـن فـي ثُـغَـر العـدا — فـــلأجـــلهــا رعــد الحــســام وأبــرقــا
فــإذا بــعــثــت مــن الســهــام مــســدّداً — فــي إثــرهــا فــســبــيــله أن يــمــرقــا
لله مــــنــــك يــــدٌ إذا ضــــنّ الحـــيـــا — فــي أزمــة شــمــنــا حـيـاهـا المـغـدِقـا
لولا تــوقــد نــار بــأســك فــي الوغــى — لأخــضــرّ مــنــهــا الســمــهــريّ وأورقــا
عَــثَّرْت ســمــعــي فــي صــفـاتـك فـاكـتـسـى — عِــيّــاً ومــا زال البــليــغ المُــفْــلِقــا
إنْ قــلت غــيــثــاً كــنــت أنــت مــنـجِّيـاً — غــرقــى النــفــوس وكـان ذاك المـغـرقـا
أو قــلت أنــت الليــث فــي بــأس فــكــم — غـــادرت بـــالأقْـــدام مـــن ليـــث لقـــا
وإذا ظــلمــت الغــيــث فــي تــشــبــيـهـه — بـــنـــداك ألزم بـــرقـــه أن يــخــفــقــا
فـــلطـــالمـــا جُـــنَّ الغـــمـــام ووجــهــه — جـــهـــم وجُـــدْتَ مـــع النــدى مــتــألقــا
والطــود لو شــاء احــتــزامــك نــســفــه — قـــســـراً لكــلف نــفــســه أن يــصــعــقــا
فــليــعــتــرف بــالعــجــز مــثــلي شـاعـر — يــرجــو لوصــفــك أن يــكــون مــحــقــقــا
فـــلأنـــتَ ســرُّ الله فــي الدنــيــا وإن — ســاءت مــقــالتِــيَ الحــســود الأحــمـقـا
لم يــبــد صــنــع الحــلم فـيـك تـصـنـعـاً — كـــلاّ ولا خـــلق الســـمـــاح تَـــخَـــلُّقــا
فــافــخــر فــفــخــر عــلاك مـن جـرثـومـة — ســمــقــت وأيــســر فــضـلهـا أن تَـسْـمُـقـا
يــا ابــن الذي أخــلى السـواحـل عـنـوة — مــن كــل مــاضــي البـأس مـرهـوب اللِّقـا
هــو أنــقــذ البــيــت المــقــدس عــنــوة — والظـــلم قـــد عـــمَّ البـــلاد وطــبــقــا
لم يـــبـــق غـــيـــرَ كــنــائس مــهــجــورة — ألقــى بــســاكــنــهــنّ خــطــبــاً مــوبـقـا
حــمــد الفــرار هــزيــمــهــم وأســيـرهـم — فــي قــيــده يــبــكــي القـتـيـل تَـحَـرُّقـا
فــــتــــح بــــه قــــرت جـــوانـــب مـــكـــة — وليـــثـــرب وضـــريـــح ســاكــنــهــا وقــى
وحــنــا عــلى مــصــرٍ فــأنــقـذ بـالظـبـا — عــضــب الخــلافــة بـعـد إخـفـاء التـقـى
وأعــاد بــرد المــصــطــفــى وقــضــيــبــه — مـــتـــجـــددَيْـــن وأوشــكــا أن يَــخْــلُقــا
والأرض مـــغـــرمـــة بـــحـــبـــك لم تــزل — تـــبـــدي إليـــك صـــبـــابـــة وتــشــوقــا
فـــلســـوف تــمــلأهــا بــأحــســن ســيــرة — عــدلاً تــمــهــد غــربــهــا والمــشــرقــا
أنــــا ذلك العــــبــــد الذي أوليـــتـــه — نــعــمــاً غــدا بــجــســامــهــا مـتـطـوقـا
رُفِــضَــتْ بــمــصــر فــضــائلي فــهـجـرتـهـا — هــجــر القــلى وتــركــت خــلفــي جِــلَّقــا
وعــلقــت مــنــك بــمــاجــد مــهــمـا أقـل — فـــيـــه كـــفـــانــي أن أقــول مــصــدّقــا
وصـــرفـــت مــدحــي عــن مــلوك لم يــكــن — إلا ريــــاء فــــيــــهــــم وتــــمــــلقــــا
وأنــفــت إذ غــدت الحــمــام بــجــهـلهـا — مـــنـــي إلى طــرق الهــدايــة أســبــقــا
فــالوُرق تــخــتــار الغــصــون لسـجـعـهـا — فــتــعــاف ذاويــهــا وتَهْــوَى المــورقــا
أضــحــى جــنــابــك لا الأثــيــل مَــظِــنَّةً — لِلْخَـــمْـــسِ لذتُ بـــه فـــكـــنـــتُ مُــوَفَّقــا
أمــــلى عـــلى جـــوديِّ جـــودك مـــســـتـــو — فـــعـــلام فــي طــوفــانــه قــد أغــرقــا
يــمــمــت بــابــك بــائســاً مــســتــرزقــاً — فــأقــمــت مــرجــوَّ النــدى مــســتــرزقَــا
وشــقــيــت عــنــد مــعــاشــر فــارقــتـهـم — فـاعـتـضـت عـنـدك بـالنـعـيـم عـن الشـقا
ووجـــدت غـــصــن الجــود حــيــن هــززتــه — فــيــنــان أخــضــر والنــدى مــتــعــبـقـا
أتـــخـــيـــر الألفـــاظ فــيــك ولم أقــم — يــومــاً بــوحــشــي الكــلام مُــشَــقْــشِـقـا
فــاســتــجــلهــا زُهــر الجــفـون كـأنـهـا — عُـــتْـــب تـــولد مـــن نــتــيــجــتــه لقــا
مــســكــيــة النــفــحـات يـعـضـد بـعـضـهـا — بــعــضــاً إذا كــثــر المــقــال ولفــقــا
مــثــل الحــديــقــة بــهــجـة مـا جـادهـا — نـــوء ســـوى جـــدوى يـــديــك ولا ســقــى
زفــــت إلى مــــلك المـــعـــالي زفـــهـــا — مــــلك المــــعــــانـــي رقـــة وتـــألقـــا
فــورثــت طــول بــقــائهــا مــتــمــتــعــاً — فــالدهــر يــفــنــى وهـي دائمـة البـقـا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف القاف — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- القضيب: القَضِيبُ : الغُصنُ أو الغصنُ المقطوعُ؛ ضربَ الوَلَد بالقضيب. ــ: شريطٌ طويل ممدَّد من الصّلب تسير عليه القُطُر، سكّة حديديّة؛ انزلق القطار عن القضبان الحديدية وانقلب بركَّابه.- الرَّجل: ذَكَره.-: السيفُ القطّاع ج قُضْبَ …
- بدموعه: الدَّمُوعُ :- من العيون: الكثيرة الدمع أو سريعتها؛ للهلوع الجزوع عَيْنٌ دَموعٌ/ ثرىً دَموعٌ، أي يسيل منه الماءُ أو يكادُ.
- بعيوننا: العُيُونُ الثانَوِيةُ والعُيون العَرَضِيَّةُ: [بصيغة الجمع]، في النبات، هي زمعات تنمو حول الزمعة الأصلية فتخلفها إذا تلفت.
- بوجهه: الوُجْهَةُ : الجانب أو الموضع يُتَّجَهُ إليه وِلكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا. -: كلُّ مكانٍ استقبلته كالقبْلة وشبهِها. - الأمرِ: وَجْهُهُ؛ عرض لهم وجهة نظره. -: النّاحية أو الجانب؛ من الوجهة الإنسانيّة / من الوجهة الق …
- ثمل: ثمل: الثُّمْلة والثَّمِيلة: الحَبُّ والسَّويق وَالتَّمْرُ يَكُونُ فِي الوِعاء يَكُونُ نِصْفَه فَمَا دُونَهُ، وَقِيلَ: نِصْفَه فَصَاعِدًا. والثُّمَل: جَمْعُ ثُمْلة. أَبو حَنِيفَةَ: الثَّمِيل الحَبُّ لأَنه يُدَّخر؛ وأَنشد …