طربنَ فَهِجْنَ لِي داءً دفينا
الشاعر: شرف الدين الحلي · البحر: الوافر
هذه القصيدة من شعر شرف الدين الحلي، من العصر الأيوبي، وتقع في 50 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
طربنَ فَهِجْنَ لِي داءً دفينا ... حمائمُ كم ثنين الوجد فينا
سجعنَ فكم فجعنَ فؤاد صبٍّ ... أصيب غداة رجّعنَ الحنينا
فكم قَرَّبْنَ من نائي غرام ... لقلب حين طَرَّبْنَ اللحونا
فبتنا فوق أكوار المطايا ... بكاسات التذكر منتشينا
وبرق لاح معترضاً فأهدى ... تبسمه لذي طرب شجونا
عجبت لسيف دجلة إذ رآني ... غريباً بالأبيرق نازلينا
أراني حاجراً بديار بكر ... لقد أدنى الوميض نوىً شَطُونَا
فبتّ ولم أكن بسناه غرّاً ... أرجم في حقيقته الظنونا
سقى الله العقيق وساكنيه ... وإن لم يقض موسره الديونا
فكم بين الخيام هناك غيد ... كأمثال الدُّمى لوناً ولينا
وركب أدلجوا وسروا فباتوا ... على شعب الرجال موسَّدينا
طوت أسرارهم فكر الفيافي ... فباتوا في حشاها مضمرينا
إذا تيار آذيِّ الدياجي ... طمى مُتَلاَطِماً كانوا سفينا
أضاء لهم سنى قبسٍ فقالوا ... على دهشٍ أنخنَ بطور سينا
فقلت لِيَهْنِكم نيل الأماني ... فقد وافيتمُ البلد الأمينا
إذا الملك المظفر جئتموه ... وَخَيَّمْتُمْ بميّافارقينا
فدونكمُ شهاباً مستنيراً ... أضاء دجى كما جلَّى الدجونا
فأعجب ما رأينا أنّ بحراً ... إليه جلبتمُ الدُّرَّ الثمينا
ففي القصر المشيد شاذويّ ... أغر قد احتوى دنيا ودينا
يجود فيبذل الدنيا احتقاراً ... ولكن يمنع الدين المصونا
إلى إيوانه نصُّوا المطايا ... وإن كانت رذايا قد بُرِينَا
تغنَّوا باسم غازي واتركوها ... ملاعبة أزمتها البُرِينا
فيا إقبال وجه القصد منكم ... إذا قابلتمُ ذاك الجبينا
من النفر الذين لهم وجوه ... تضيء إذا الحوادث كنَّ جونا
فكم حملوا جداول في بحور ... أو اعتقلوا إلى أسد عرينا
وإن عريت متون الأرض كانوا ... لمعترٍّ حيا ومقربينا
إذا رفع الحجاب الإذن عنه ... فغضُّوا من مهابته العيونا
له يومان في كرم وبأس ... كما يُرجى مُنىً يُخشى المنونا
له آيات مجد لو رآها ... عُرابة لم يمدَّ لها يمينا
أصفوة جوهر الشرف المصفى ... وقد كان الورى حَمَأً وطينا
ومن أقدامهم في كل حرب ... لأعناق الأعادي كم وطينا
متى عودتمُ الجرد المذاكي ... تبيت على مرابطها صفونا
أجيلوها كأمثال السعالي ... إلى حرم المعالي معلمينا
فعين الملك طامحة إليكم ... مؤرقة وقد رقدت سنينا
ففيم السمر لم ترعف نجيعاً ... وبيض الهند لم تجف الجفونا
كأني بالأعاجم قد جعلتم ... فسيحات القفار لهم سجونا
وأصبح هامهم حَبّاً حصيداً ... كأنهم جنوا حرباً طحونا
فكم قد خضتمُ غمرات حرب ... وكم قد رضتمُ زمناً حرونا
ومرجع كل مملكة إليكم ... وأرباب الممالك أجمعونا
وعن كثب تراها مقدمات ... عليهن الكماة مسوّمينا
فيا ابن الرافعين منار مجد ... أرانا صبح نصرهم المبينا
غرستم نعمةً في كلِّ أرض ... فقمتم للمحامد تجتنونا
فدونك من بنات الفكر بكراً ... لغير الكفء تأبى أن تلينا
إذا طوت الفلا ملأته نَشْراً ... وَرَجَّعَها الحُداة مغردينا
رمى بِالقِيلَوِيِّ وبي ولاء ... رأى سهلاً تجشمنا الحزونا
فجئنا قبل وفد البيت نُزْجِي ... ركاب الحمد نحوك موجفينا
على عرفات عرفك قد وقفنا ... ولم نك في الدعاء مقصرينا
ويَمَّمْنا مُنىً فيها ظفرنا ... بكل منى فنمنا آمنينا
فتمِّمْ عشر موسى في اقتدار ... يشيِّد للهدى حصناً حصينا
فدمت ودام جدّك في سعود ... وآخر منتهى حمدي أمينا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- التذكر: ذكر: الذِّكْرُ: الحِفْظُ لِلشَّيْءِ تَذْكُرُه. والذِّكْرُ أَيضاً: الشَّيْءُ يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ. والذِّكْرُ: جَرْيُ الشَّيْءِ عَلَى لِسَانِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَن الدِّكْرَ لُغَةٌ فِي الذِّكْرِ، ذَكَرَهُ يَذْكُرُه … (لسان العرب)
- الحنينا: لحن: اللَّحْن: مِنَ الأَصوات الْمَصُوغَةِ الْمَوْضُوعَةِ، وَجَمْعُهُ أَلْحانٌ ولُحون. ولَحَّنَ فِي قِرَاءَتِهِ إِذا غرَّد وطرَّبَ فِيهَا بأَلْحان، وَفِي الْحَدِيثِ: اقرؤُوا الْقُرْآنَ بلُحون الْعَرَبِ. وَهُوَ أَلْحَنُ ال … (لسان العرب)
- اللحونا: حنأ: حَنَأَتِ الأَرضُ تَحْنَأُ: اخْضَرَّت والتفَّ نَبْتُها. وأَخْضَر ناضِرٌ وباقِلٌ وحانِئٌ: شَدِيدُ الخُضْرة. والحِنّاءُ، بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ: مَعْرُوفٌ، والحِنّاءَةُ: أَخصُّ مِنْهُ، وَالْجَمْعُ حِنّانٌ، عَنْ أَبي … (لسان العرب)
- الوميض: وَمَضَ: ومَضَ البرْقُ وَغَيْرُهُ يَمِضُ ومْضاً ووَمِيضاً ووَمَضاناً وتوْماضاً أَي لَمَعَ لمْعاً خَفِيّاً وَلَمْ يَعْتَرِضْ فِي نَواحي الغَيم؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أَصاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ ومِيضَه، ... كلَمْعِ الي … (لسان العرب)
- بديار: دَيَرَ: التَّهْذِيبُ: الدَّيْرُ الدَّارَاتُ فِي الرَّمْلِ، ودَيْرُ النَّصَارَى، أَصله الْوَاوُ، وَالْجَمْعُ أَدْيارٌ. والدَّيْرَانِيُّ: صَاحِبُ الدَّيْرِ. ابْنُ سِيدَهْ: الدَّيْرُ خَانُ النَّصَارَى؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: د … (لسان العرب)
- بسناه: سنا: سَنَت النارُ تَسْنُو سَناءً: عَلا ضَوْءُها. والسَّنا، مقصورٌ: ضوءُ النارِ والبرْقِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: السَّنا، مقصورٌ، حَدُّ مُنْتَهى ضوْءِ البرْقِ. وَقَدْ أَسْنَى البرْقُ إِذَا دَخلَ سَناهُ عليكَ بيتَك أَو وقَع ع … (لسان العرب)
- بكاسات: بكس: التَّهْذِيبُ: ابْنُ الأَعرابي بَكَسَ خَصْمَه إِذا قَهَرَهُ. قَالَ: والبُكْسَةُ خِرْقَةٌ يُدَوِّرُهَا الصِّبْيَانُ ثُمَّ يأْخذون حَجَرًا فَيُدَوِّرُونَهُ كأَنه كُرَةٌ، ثُمَّ يَتَقَامَرُونَ بِهِمَا، وَتُسَمَّى هَذِهِ … (لسان العرب)
- تبسمه: بسم: بَسَمَ يَبْسِم بَسْماً وابْتَسَمَ وتَبَسَّم: وَهُوَ أَقلُّ الضَّحِك وأَحَسنُه. وَفِي التَّنْزِيلِ: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: التَّبَسُّم أكثرُ ضَحِك الأَنبياء، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالس … (لسان العرب)