ماذا يريد الناسُ مني
الشاعر: خليل شيبوب · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة حزينة
هذه القصيدة من شعر خليل شيبوب، من العصر الحديث، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف التاء، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ماذا يريد الناسُ مني ... إن كنتُ قد أكثرتُ حزني
أفنيتُ عمري في البكاء ... وفي الرجاءِ وفي التمني
ذهــــبَ الشبابُ وما ملأتُ ... بــــنوره قلبي وجفني
يا منزل الفتيان والفتيات ... ضاعت عليكَ شبيبتي وحياتي
وبقيتُ فيك مخلَّدَ الحسرات ... إنــــمــــا العمر الطويلُ
يشبهُ العمر القصيرا ... إنـــــمـــــا الحــــظُّ القــــليــــلُ
يشبه الحظَّ الكثيرا ... ودفنتُ فيك مودتي وودادي
وأطلتُ عنكَ تغيُّبي وبعادي ... وجهلتُ بعدكَ موردَ اللذات
فَطَموني عنكَ طفلاً ... لاهــــيــــاً فــــي غــــفــــلاتــــي
تــــاركــــاً صــــحــــباً وأهلا ... تــــاركــــاً فــــيكَ حياتي
فنزلتُ في أرض الغريبِ وحيدا ... متحملاً بأسَ الزمانِ شديدا
طاوي الضلوع على لظى الجمرات ... أنــــنــــا كنا جميعاً
ســـــــــــتَّةـــــــــــً أُمّــــــــــاً وأَب ... رزقـــــــا أربـــــــعـــــــةً غُـــــــر
راً مــــيــــامــــيــــنــــاً نُجُب ... فتفرَّقَ الأبناءُ قبل أوان
أسفاً وغُيِّبَ في الثرى الأبوان ... في فترةٍ حُسِبا مع الأموات
دفــــــن الأبــــــنـــــاءُ بـــــدراً ... دفــــن الأبــــنــــاءُ شــــمسا
قد أعادا الجفنَ بحراً ... وأعـــــادا القـــــلبَ رمـــــســـــا
هلا ذكرتَ أبي وطول حنانه ... وسناءَ طلعته وحُرَّ جنانهِ
وكمال أخلاقٍ وغرَّ صفات ... كان لم يُبلِ الشبابا
مـــــشـــــرقــــاً كــــالنــــيــــرات ... أنـــــــه صـــــــار تـــــــرابـــــــا
وعــــــظــــــامــــــاً نــــــخــــــرات ... فذكت عليه أضالعٌ ونفوس
أَخذت عليها للشقاء نحوس ... عهداً على أن تسكن الظلمات
يــــا لهــــا اللَه نــــفــــوســــاً ... حُــــرةَ الطــــبــــعِ كــــريــــمــــه
حــــالفــــت يــــاســــاً وبؤساً ... وجـــــــراحـــــــاتٍ أليـــــــمـــــــه
لم تنسَ أمي وهي جوهرة الحمى ... بنتُ الطهارة أختُ سكان السما
نزل الكمالُ بها بأكرم ذات ... أنــــهــــا عــــاشت حزينه
بــــعــــده عــــشرين شهرا ... وهــــــي للداء رهــــــيــــــنــــــه
تـــــحـــــســــب الليــــلة دهــــرا ... نزل السقامُ بها فأكثر همَّها
وأزال رونقها وأبلى جسمها ... وغدت كذابلة من الزهرات
فــــــقــــــضــــــت ذاتَ مـــــســـــاءِ ... وابنُها في البعدِ مُكرَه
فــــــي ديــــــار الغــــــربــــــاءِ ... لم تــــبــــاركــــهُ بــــنــــظــــره
اليوم يذكرها ويكبي آيسا ... من عمره ذاكي الأضالع تاعسا
دامي الجفون مفلَّلَ العزمات ... إيـــــه يـــــا أم حـــــيـــــاتــــي
ذهــــبــــت فــــيــــك أنــــينا ... صــــامــــتــــاً فــــي خــــلواتــــي
أَذرفُ الدمــــعَ الســــخــــينا ... أتذكر العيشَ القديمَ وكلنا
يتلفُّ حولكِ ناعمين بانسنا ... لاهين عن دهرٍ وعن أوقات
قــــــاتــــــلَ اللَه القـــــضـــــاءَ ... لم يــــــــراعَ لك حــــــــرمــــــــه
أنــــــــــه صـــــــــبَّ البـــــــــلاءَ ... قاتلاً من غير رحمه
لو كنتِ بالمهجات توقين الردى ... يا أم قَلَّت أن تكونَ لك الفدا
فتمَنَّعين بهذه المهجات ... ليــــــــت أنــــــــي مــــــــا ولدتُ
ما الذي في العيش أَلقى ... أنـــــــــا يـــــــــا أم وجــــــــدتُ
أنـــــنـــــي يـــــا أم أَشـــــقــــى ... كنتِ الأمانَ لروحي المتفزع
كنتِ الشفاءَ لقلبي المتقطع ... كنت الحياةَ إذا فقدتُ حياتي
إنَّ قــــــــلبَ الأم كــــــــنــــــــزٌ ... كــــــــله حــــــــب وســــــــعــــــــد
وهــــو بــــيــــن النــــاس رمــــزٌ ... فــــيــــه لطــــفُ اللَه يــــبــــدو
لكن فقدتُ حنانه المتدفقا ... يروي شبابي في الحياة ليورقا
مستبشراً بالزهر والثمرات ... انــــــضــــــب الأدمـــــعَ دهـــــري
غير أن النفس تبكي ... بـــــدمـــــوع مـــــثـــــل جــــمــــر
في الحشا تذكو وتذكي ... قومي انظريني بعد موتك عانيا
يا أم أني متُّ موتاً خافيا ... لما فقدتُ لندبك العبرات
مــــن ليــــأسي واحتراقي ... ولبـــــــؤســـــــي وشـــــــقـــــــائي
مـــــــا الذي صـــــــرتُ ألاقــــــي ... مــــن تــــبــــاريــــح العناء
ضاعت عليكَ شبيبتي وحياتي ... وبقيتُ فيك مخلدَ الحسرات
يا منزلَ الفتيان والفتيات ... ماذا يريد الناسُ مني
إن كنت قد أكثرت حزني ... أفنتيُ عمري في البكاءِ
وفي الرجاءِ وفي التمني ... ذهــــب الشبابُ وما ملأتُ
بــــنوره قلبي وجفني
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف التاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- التمني: تمن: تَيْمَن: اسمُ مَوْضِعٍ؛ قَالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ: سَمَوْتُ لَهُ بالرَّكْبِ، حَتَّى وجَدْتُه ... بتَيْمَنَ يَبْكِيه الحمامُ المُغَرِّدُ وترَكَ صَرْفَهُ لَمَّا عَنَى بِهِ البُقْعة. وَفِي حَدِيثِ سالمٍ سَبَلانَ ق … (لسان العرب)
- الحسرات: حسر: الحَسْرُ: كَشْطُكَ الشَّيْءَ عَنِ الشَّيْءِ. حَسَرَ الشيءَ عَنِ الشَّيْءِ يَحْسُرُه ويَحْسِرُه حَسْراً وحُسُوراً فانْحَسَرَ: كَشَطَهُ، وَقَدْ يَجِيءُ فِي الشِّعْرِ حَسَرَ لَازِمًا مِثْلُ انْحَسَر عَلَى الْمُضَارَعَة … (لسان العرب)
- الفتيان: (فَتَى) الْفَاءُ وَالتَّاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى طَرَاوَةٍ وَجِدَّةٍ، وَالْآخَرُ عَلَى تَبْيِينِ حُكْمٍ. الْفَتِيُّ: الطَّرِيُّ مِنَ الْإِبِلِ، وَالْفَتَى مِنَ النَّاسِ: وَاحِدُ ا … (مقاييس اللغة)
- الكثيرا: ثرا: الثَّرْوَة: كَثْرَةُ العَدَد مِنَ النَّاسِ وَالْمَالِ. يُقَالُ: ثَرْوَة رجالٍ وثَرْوَة مالٍ، والفَرْوة كالثَّرْوة فَاؤُهُ بَدَلٌ مِنَ الثَّاءِ. وَفِي الْحَدِيثِ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ لُوطٍ إِلا فِي ثَر … (لسان العرب)
- بنوره: نور: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى: النُّورُ؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ بِنُورِهِ ذُو العَمَاية ويَرْشُدُ بِهُدَاهُ ذُو الغَوايَةِ، وَقِيلَ: هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي بِهِ كُلُّ ظُهُورٍ، وَالظَّاهِرُ فِي نَف … (لسان العرب)
- تغيبي: (غَبَيَ) الْغَيْنُ وَالْبَاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى تَسَتُّرِ شَيْءٍ حَتَّى لَا يُهْتَدَى لَهُ. مِنْ ذَلِكَ الْغَبْيَةُ) وَهِيَ الزُّبْيَةُ، وَسُمِّيَتْ لِأَنَّ الْمَصِيدَ جَهِلَهَا حَتَّى … (مقاييس اللغة)
- شبيبتي: شبب: الشَّباب: الفَتاء والحداثةُ. شبَّ يشِبُّ شَبَابًا وَشَبِيبَةً. وَفِي حَدِيثِ شُرَيْحٍ: تجوزُ شهادةُ الصِّبيان عَلَى الْكِبَارِ يُسْتشَبُّون أَي يُسْتشْهَدُ مَنْ شبَّ مِنْهُمْ وكَبر إِذا بَلَغ، كأَنه يَقُولُ: إِذا تح … (لسان العرب)