ســلَّمــتَ بـعـد سُـرَى الحـيـاةِ وَوَدَّعُـوا
الشاعر: عبد الحليم حلمي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر عبد الحليم حلمي، من العصر الحديث، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف العين.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ســلَّمــتَ بـعـد سُـرَى الحـيـاةِ وَوَدَّعُـوا — أسـفـى عـليـكَ حـفـظـتَ قـومـاً ضـيّـعـوا
ذهـبـوا بـقـلبـك عـنـكَ يـوم تـرَحَّلـُوا — فـــبـــأى قـــلبٍ بـــعـــدهـــم تــتــوجَّع
ذهـبـوا ولو نَـظـر والقَطين لأَبصروا — ظــمــأى حــشــاشـاتٍ سـقـتـهـا الأدمـع
فــكــأنــهـم يـوم الرحـيـلِ اليـكَ مـن — إسـرافـهـم فـى البـخـلِ لم يـتـطلَّعوا
وكـــأنَّ قـــلبَـــكَ فـــى دمــوعِــك ذائبٌ — وكــأن لحــمــكَ عــن عــظــامِــك يُـنـزع
وكـــأن ظِـــلَّك عــنــكَ أصــبَــح ســائِلاً — وكــأنَّ صــبــرَك كــاد مــثــلك يــجــزع
أتــراهــمـو ذكـروا زمـانَـك حـيـنـمـا — كـنـتَ الأَريـجَ مـتـى سـطـعـتَ تـضـوَّعوا
فــالآنَ يــنــسـون الذى صـنـع الهـوى — بـهـم وهـل يـنـسـى الهـوى مـا يَـصـنَع
فـاربـأ بـنـفـسـك لا يـمـتـكَ غـرامُهم — إنَّ الغـــرام ســـحـــابـــةٌ تـــتـــقــشَّع
لو كــان يــنــفــع صــاحـبٌ كـان الذى — أخـــلقـــتُ أيَّاــمــى عــليــه يــنــفــع
قــد كــان يُــرتِــعُــنـى بـأنـضـرَ جـنـةٍ — مــن خُــلَقــه يــوم اللقــاءَِ فــأرتــع
حـــتَّى اذا خـــفَّ الزمـــان بـــكــفَّتــى — لم ألقَ مـــنـــه غـــيـــر مــا أَتــوقَّع
حَــســبُ الشــبــيــبـةِ أنـنـى جـرَّعـتُهـا — لعـــبـــى وبـــتُّ لجـــدِّهــا أتــجــنــرع
فــي خــيــرِ أعــضــاءِ الفــتـى شـرٌ له — أُذنٌ تــــنِــــفّــــرُهُ وعـــيـــنٌ تُـــوقـــع
تـصـفـو الحـيـاةُ لجـاهـل يُـمـسـى بها — أعــمــى أصــمَّ فــلا يــرى أو يــسـمـع
ولســـالكٍ سُـــبُــلَ البــلاهــةِ غــافــلٍ — لا النــاسُ تــردعــهُ ولا هــوَ يُــردع
كــم واقــف لى فـى الحـيـاة بـمـرصـدٍ — ســـبـــبَ الوفــاءِ له أمــدُّ ويــقــطــعُ
فــنــزعـتُ شـيـطـانَ الخـنـا فـى رأسـه — وتـــركـــتـــهُ مـــتــخــبِّطــاً يــتــفــزَّع
شــرُّ الأنــام فــتــى يــبـيـحـك عـرضَه — وتــصــونُ عــرضَــك وهــو فــيــه يـرتـع
كــثــر الحــواســد فـاسـتـزدت جـلالةً — وعــلمــتُ أنــى مــن يــضــرُّ ويــنــفــع
وصـرفـتُ نـفـسـى فـى الحياة الى منًى — لا بــدَّ تُــدرك أو يــحــيــنَ المـصـرعُ
دنــيــا كــرسـتـوف الجـديـدة أعـلنـى — مــا أضــمـرتـه مـن الفـضـاء الأضـلعُ
مــاذا يــكــون غــداً ومــا هـو كـائن — خـلفَ السـمـاءِ ومـا الجـهـات الأربع
أعــرقــتِ مــن عُــمــدٍ لهــا أو غـايـةٍ — حــتــى يــحـدَّ بـهـا الفـضـاء الأوسـع
أبـــنـــوك جـــنٌ أم رجـــالٌ مــثــلنــا — أم هـــم حـــديـــدٌ أم لظًـــى تــتــدفَّع
مــن كــل مـقـتـبـلِ الصـبـا فـى بُـردِه — يَـــســـتــقــبــلُ الأَيــامَ شَــيــخٌ أروَع
صـــبٌّ بـــأبـــكـــارِ العــلا غــرمــاتُه — أشـــــراكُهـــــنَّ وطــــيــــرهــــنَّ الوُقَّع
وله بــظــهــر الغــيــب أذنٌ تـقـتـفِـى — أَثَــرَ القــضــاءِ ومــقــلةٌ لا تــهـجـع
وعـــليـــه يــعــرض كــلُّ وحــىٍ نــفــسَه — ضَــرِعــاً عــلى بــابِ النــهَـى يـتـشـفَّع
قــوم مــن الجــنَّاـن تـخـتـطـف الدَجـى — مـــن حـــجــر أُمِ الليــلِ وهــو مَــدرَّعُ
المــرهــفــونَ مــن الحــديــد مـرجِّعـاً — يــمــضــى المــغــنـى والحـديـدُ يـرَجِّعُ
البــالغـوا أهـلَ الشَّمـالِ وسـاكـنـوا — عـــرضَ الهـــواءَِ فـــكـــلُّ جــوٍّ مــرتــع
رفـعـوا المـعـارجَ للسـمـاواتِ العلا — وتــفــرَّقــوا فــى عــرضِهـا وتـجـمَّعـوا
وزَنُـوا الريـاحَ ووزَّعـوا شـمس الضحى — ليــلاً فــأمــســت فــى الديـار تُـوزَّع
طـاروا بـأمـثـال القصور الى السها — تـخِـذوا الهـواء مـقـاعـداً وتـربَّعـوا
رصــدوا المــنـاجـمَ والنـجـومَ فـهـذه — تــــنــــشــــقُّ طـــيِّعـــةً وهـــذي أطـــوَعُ
رفـعـواالبـيـوتَ الى السماكِ فأصبحت — عُــمُــداً يـشـدُّ بـهـا السـمـاكُ ويـرفَـع
بسطوا المطامعَ فى البحار وأنفَذُوا — رُسُـلَ الرِّيـاحِ الى المـحـالِ وأرجعوا
ركـبـوا الحـديـد فـهـل لصـالح نـاقةٌ — تَــمــضــى فـتـحـسـدهـا البـروقُ اللمَّع
شــقُّوا البــحــارَ فــهـل لمـوسـى آيـةٌ — بــعــصــاه يــتــلوهــا فــتــاه يـوشـع
بـل أنـطـقـوا المـوتَـى وعـيـسى شاهد — بـالغـيـب يـبـصـرُ مـا يـكـونُ ويـسـمـعُ
تــلك الطـبـيـعـةُ مـا تـكـون فـإنـهـا — اُمٌّ لنـــا تَـــلِدُ العـــقـــولَ وتُــرضِــع
تـلك الحـقـول ومـا الذى تـنـميه بل — مـــا هـــؤلاء الجــن فــيــهــا تــزرعُ
بــل كـيـف هـذا النـاسُ يـخـلُقُ نـفـسَه — ويــحــلُّ مــعــقــود القــضــاءِ ويـصـدَع
بـل كـيـف سـادَ المـعـجـزيـن وأصـبـحت — تــخــشَــى عــزائمَه الســيــوف القُــطَّع
بـل كـيـف صـار مـهـيـمـنـاً ومـسـيـطرا — يــنــهَــى ويــأمــر والمــقــادر طُــيَّع
يــا رب هـل أمـسـى ابـنُ آدَمَ قـائمـا — بـالأَمـر يـحـفـضُ فـى الوجـود ويـرفع
آمــــنـــتُ بـــالله الذى لا غـــيـــره — فـى الكـون يُـعـطـى مـن يـشـاء ويمنع
أرضٌ بـــهـــا السُّورىُّ أكـــبـــرُ هــمــةً — مـــنـــه بـــشـــرقــيِّ الشــآم وأشــجــع
يــمــضــي اليــهــا والعــزيــمـةُ عـدَّةٌ — شَــبِــقــاً بــادراك العـلا لا يـقـنـع
غُـــصَّتـــ بـــه فـــكـــأنَّ كـــلَّ ثــنــيــةٍ — يــشــدو بــمــنــبـرهـا خـطـيـب مـصـقـع
لم يــــنــــسَ أن بـــلاده عـــربـــيـــةٌ — وجـــدودهُ القـــدمــاء فــيــهــا تُــبَّعُ
وكــرائمُ الأحــجــار أيــن وضــعـتَهـا — ليــســت تــحــول ولو يـحـولُ المـوضـع
وتـسـابـقـت فـيـهـا النـساءُ على هدًى — فــطــريــقــهــنَّ الى الأمـانـى مَهـيـع
مــن كــلِّ بــكـرٍ تُـيِّمـت بـابـن العـلا — ومــن العــفــافِ عـلى سـنـاهـا بُـرقـع
شــرقــيَّةــٌ فــى طــبــعــهــا غــربــيــةٌ — فــى فــعــلهــا وحــريــصــةٌ لا تُـخـدع
واذا تــقــنَّعــت الأوانــسُ بــالتُّقــى — فـــلأى شـــيـــءٍ بـــعـــده تـــتـــقَـــنَّع
ولقـد جـهـلتُ كـيـانَ مـصـرَ فـهـل تـرى — بــابــاً الى تــلك الطــريـقِ فـتـقـرع
لا ديــنَ فــى مــصـرٍ فـيـهـديـهـا ولا — خُـــلُقٌ يـــكـــونـــهـــا ورأىٌ يـــجــمــع
مــا هــذه الأيــام غــيــر ضــيــافــةٍ — والنـــاس فـــيـــهـــا راحـــلٌ ومـــودّع
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف العين — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بقلبك: قلب: القَلْبُ: تَحْويلُ الشيءِ عَنْ وَجْهِهِ. قَلَبه يَقْلِبُه قَلْباً، وأَقْلَبه، الأَخيرةُ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ. وَقَدِ انْقَلَب، وقَلَبَ الشيءَ، وقَلَّبه: حَوَّله ظَهْراً لبَطْنٍ. وتَقَلَّبَ الشيءُ ظ …
- دموعك: الدَّمُوعُ :- من العيون: الكثيرة الدمع أو سريعتها؛ للهلوع الجزوع عَيْنٌ دَموعٌ/ ثرىً دَموعٌ، أي يسيل منه الماءُ أو يكادُ.