أَسدَت يَدُ اللَهِ إِلى الإِنسانِ
الشاعر: حماد الباصوني · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر حماد الباصوني، من العصر الحديث، وتقع في 39 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَسدَت يَدُ اللَهِ إِلى الإِنسانِ ... ما عَمَّهُ مِن صَيِّبِ الإِحسانِ
وَمِنَ الفَضائِلِ ما اِستَقادَت نُهيَتي ... وَسَمَت بِأَخيلَتي وَصِدقِ بَياني
وَتَمَلَّكَت حِسّي وَمالَت بِالهَوى ... وَتَجاذَبَت سَرَعاً جَريرَ عِناني
فَجرَى عَلى القرطاسِ شُهدُ يَراعَتي ... وَحَنَت عَلَيهِ أَضالِعي وَجَناني
وَنَزَعتُ مِن قَلبي غَرانيقَ الدُنى ... وَمَلَأتُهُ بِالحَمدِ وَالشُكرانِ
وَالنَفسُ تَرجو وُدَّها مِن مُخلِصٍ ... لِلَهِ فــــي الإِســــرار وَالإِعــــلانِ
ناجَيتُها وَالبَدرُ يُشبِهُ صَفحَةً ... فَوقَ المِياهِ شَديدَةَ اللَّمَعانِ
فِضِيَّةً نُثِرَت عَلى حافاتِها ... ما ماثَلَ الدينارَ حَولَ جُمانِ
عَبَثَت بِها الأَمواجُ حَتّى خِلتُها ... بَينَ اليَدَينِ سَريعَةَ الخَفَقانِ
تِلكَ الطَبيعَةُ قَد طَبَت آياتُها ... عَيني وَسَمعي وَالنُهى وَلِساني
فَتَعَظَّمَت فيها العِنايَةُ سَرمَداً ... إِذ أَبدَعَتها زينَةَ العُمرانِ
وَتَصَوَّرَت فيها الأَماني وَالمُنى ... مِن سَلوَةِ المَحزونِ وَالوَلهانِ
فيها الأَديبُ يَرى العَزاءَ لِنَفسِهِ ... مِمّا أَلَمَّ بِها مِنَ الأَشجانِ
وَدَهى الفُؤادَ عَلى جَلادَةِ صَبرِهِ ... مِن مُنكِرٍ أَو جاهِلٍ وَجَبانِ
لا يَرعَوي إِن جِئتَهُ بِعَجيبَةٍ ... تَعتَزُّ بِالإِنجيلِ وَالفُرقانِ
وَذَوو الخَلاعَةِ يَنعَمونَ بِلَهوِهِم ... فَوقَ الرُبى وَعَلى صَدى الأَلحانِ
أَمّا الحَصيفُ فَعِزُّهُ في خَلوَةٍ ... أَو في اِجتِماعٍ راقَ بِالإِخوانِ
أَو في تَأَمُّلِ ما حَوَتهُ جَوانِحٌ ... مِن مُعجِزٍ أَعيا لَهُ الثَقَلانِ
أَو في السَمَواتِ العُلا مِن رَوعَةٍ ... جَلّت عَنِ التَكييفِ وَالتبيانِ
أَو في ضِياءِ البَدرِ يَسطَعُ نورُهُ ... يَكسو الرِياضَ جَلائِلَ الأَلوانِ
أَو في النَباتِ وَما اِحتَواهُ نضارَةً ... وَالطَلُّ أَلماسٌ عَلى الأَغصانِ
تِلكَ المَناظِرُ جاذَبَتني صَبوَتي ... فَطَرِبتُ حَتّى صِرتُ كَالنَشوانِ
فَكَأَنَّني في عالَمٍ غَيرِ الَّذي ... جَحَدَ الإِلَهَ وَهامَ بِالنُكرانِ
أَو أَنَّنــــي في جَنَّةٍ رُوّادُها ... إِلفــــانِ مِــــن حورٍ وَمِن وِلدانِ
وَجَلائِلُ النَعماءِ غالَت مُهجَتي ... وَتَجَلَّلَت بِبَقِيَّةِ الوِجدانِ
وَلِذا رَأَيتُ هَناءَتي في وَحدَتي ... بَينَ الحُقولِ مُقَلِّباً إِنساني
فيما أَعَدَّ اللَهُ مِن آلائِهِ ... لِلعامِلينَ عَلى مَدى الأَزمانِ
وَعَلى رَجا الأَنهارِ أَسكُنُ لِلهَوى ... فَيُثيرُ نارَ صَبابَتي إِسكاني
وَتَكَسُّرُ الأَمواجِ يَنثُرُ لُؤلُؤاً ... مُتَجَمِّعاً في الراحِ وَالأَردانِ
وَنَسيمُها يَهفو عَلَيَّ مُحَمَّلاً ... بِهَوى المُحِبِّ كَنَفحَةِ الرَيحانِ
قَد مَرَّ يَنشُرُ صَفحَةً أَخفَيتُها ... دَهري عَنِ الأَهلينَ وَالجيرانِ
فيها يَرى كَيفَ المَوَدَّةَ صُنتُها ... وَحَفِظتُها مِن خَلَّةِ الهِجرانِ
وَرَفَعتُها عَمّا يَشينُ صَفاءَها ... مِن ريبَةِ الوَسواسِ وَالبُهتانِ
قالَ العَواذِلُ قَد بَعَثَت نَجِيَّةً ... تَدنو مِنَ الحُسّادِ وَالخِلّانِ
لاموا عَلَيَّ فَريدَةً جَلَّيتُها ... تَختالُ بَينَ خَرائِدٍ وَغَوانِ
حُــــفَّتــــ بِــــتِربٍ مِن لِداتٍ نُهَّدٍ ... يَخطِرنَ في ثَوبٍ جَليلِ الشانِ
وَغَلائِلٍ مِصرِيَّةٍ تَزهو بِها ... بَينَ الكَواعِبِ مُعصِراتُ زَماني
قَد فُصِّلت أَسطارُها بِقَلائِدٍ ... وَتَرَصَّعَت بِالدُرِّ وَالعُقيانِ
مِن كُلِّ مَعنىً طارِفٍ قَد سُقتُهُ ... وَتَليدِ مَبنىً هَذَّبَتهُ بَناني
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- القرطاس: قرطس: القِرْطاس: مَعْرُوفٌ يُتَّخذ مِنْ بَرْدِيّ يَكُونُ بِمِصْرَ. والقِرْطاس: ضَرْب مِنْ برُود مِصْرَ. والقِرْطاس: أَديم يُنْصَب للنِّضال، ويسمَّى الغَرَض قِرْطاساً. وَكُلُّ أَديم ينصَب للنِّضال، فاسمُه قِرطاس، فإِذا أَ … (لسان العرب)
- اللمعان: لمع: لَمَعَ الشيءُ يَلْمَعُ لَمْعاً ولَمَعَاناً ولُمُوعاً ولَمِيعاً وتِلِمّاعاً وتَلَمَّعَ، كلُّه: بَرَقَ وأَضاءَ، والْتَمَعَ مِثْلُهُ؛ قَالَ أُمية بْنُ أَبي عائذ: وأَعْفَتْ تِلِمّاعاً بِزَأْرٍ كأَنه ... تَهَدُّمُ طَوْدٍ … (لسان العرب)
- بالحمد: حمد: الْحَمْدُ: نَقِيضُ الذَّمِّ؛ وَيُقَالُ: حَمدْتُه عَلَى فِعْلِهِ، وَمِنْهُ المَحْمَدة خِلَافُ الْمَذَمَّةِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ*. وأَما قَوْلُ الْعَرَبِ: بدأْت بالحمدُ … (لسان العرب)
- بياني: بين: البَيْنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ جَاءَ عَلَى وجْهَين: يَكُونُ البَينُ الفُرْقةَ، وَيَكُونُ الوَصْلَ، بانَ يَبِينُ بَيْناً وبَيْنُونةً، وَهُوَ مِنَ الأَضداد؛ وشاهدُ البَين الوَصل قَوْلُ الشَّاعِرِ: لَقَدْ فَرَّقَ الواش … (لسان العرب)
- جرير: جرر: الجَرُّ: الجَذْبُ، جَرَّهُ يَجُرُّه جَرّاً، وجَرَرْتُ الْحَبْلَ وَغَيْرَهُ أَجُرُّه جَرّاً. وانْجَرَّ الشيءُ: انْجَذَب. واجْتَرَّ واجْدَرَّ قَلَبُوا التَّاءَ دَالًا، وَذَلِكَ فِي بَعْضِ اللُّغَاتِ؛ قَالَ: فقلتُ لِصا … (لسان العرب)
- حافاتها: حفأ: الحَفَأُ: البَرْدِيُّ. وَقِيلَ: هُوَ البَرْدِيُّ الأَخْضَرُ مَا دَامَ فِي مَنْبِته، وَقِيلَ مَا كَانَ فِي مَنْبَتِهِ كَثِيرًا دَائِمًا، وَقِيلَ: هُوَ أَصله الأَبيض الرَّطْب الَّذِي يُؤْكَلُ. قَالَ: أَوْ ناشِئ البَرْ … (لسان العرب)