أَيا وَطَني وَقاكَ اللَهُ عابا
الشاعر: حماد الباصوني · البحر: الوافر · الغرض: قصيدة وطنية
هذه القصيدة من شعر حماد الباصوني، من العصر الحديث، وتقع في 91 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة وطنية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَيا وَطَني وَقاكَ اللَهُ عابا ... وَبَلَّغَكَ المَقاصِدَ وَالرِغابا
وَشادَ لَكَ القِبابَ عَلى الرَواسي ... مِنَ العَلياءِ تَختَرِقُ السَحابا
أَيا وَطَني أُجِلُّكَ في فُؤادي ... لِما لكَ مِن حُقوقٍ لَن تُشابا
أَجِنُّ لَكَ الحَنينَ عَلى وَفائي ... وَأَمنَحُكَ المُهى ما الخَطبُ نابا
أُقَدِّمُ ما تُهيبُ بِهِ حَياتي ... وَلَن أَنسى عُهودَكَ وَالصِحابا
إِذا ما اليَأسُ قَد مَلَكَ الحَنايا ... دَعَونا ذا المَعارِجِ فَاِستَجابا
فَجَنَّبَكَ الإِلَهُ هُوانَ شانٍ ... وَأَرجَعَ مَجدَكَ الماضي مُهابا
وَنَوَّلَكَ الحُقوقَ فَصُنتَ مَجداً ... وَرَوَّعَ خاطِرَ الشاني فَخابا
وَطالَعَكَ الهَناءُ فَنِلتَ عِزّاً ... وَطُلتَ الدَهرَ فَخراً وَاِجتِلابا
وَكَوَّنَ مِن بَنيكَ الغُرِّ طَوداً ... تَخِرُّ لَهُ الجَبابِرَةُ اِنسِحابا
وَمَهَّدَ في الفُؤادِ مَكينَ حُبٍّ ... يُخالِطُ أَعظُماً وَدَماً وَلابا
أَيا وَطَني أُحابيكَ اِجتِهادي ... وَحَقِّكَ مِن وَفَى في الحُبِّ حابى
أُقَدِّمُ مُهجَتي لَكَ ما حَييتُ ... أَزُفُّ بَنِيَّ وَالمالَ اِرتِغابا
أَما قَد كُنتَ قِدماً في عَلاءٍ ... وَقد كَرَّ القَديمُ لَكَ الإِيابا
وَقَد عَزَّ الشَبابُ بِكَ اِعتِزازاً ... وَضَحَّوا بِالنَفيسِ لَكَ اِقتِرابا
وَهَبّوا لِلحَياةِ وَفي هَواها ... يَرودونَ المَسالِكَ وَالعُبابا
وَفي الحُرِيَّةِ اِقتَسَموا المَنايا ... وَذاقوا المُرَّ ظُلماً وَاِغتِرابا
أُزامِلُ في الحَياةِ أَسىً وَنُكراً ... وَأَرتَبُّ البَنينَ لَكَ اِرتِبابا
وَقَد مَدَّت لي الخَمسونَ باعاً ... تُنازِعُني شَباباً مُستَطابا
تُساجِلُني الهُمومَ عَلى عُهودٍ ... إِذا سَرَّت يَكونُ لِيَ اِختِلابا
مَصائِبُ عَصرِنا جَلَّت مُصاباً ... فَأَعيَتنا وَقَطَّعَت السِبابا
وَتَبَّتــ مِن نِياطِ القَلبِ تَبّاً ... يُشيعُ الرُعبَ في الجِسمِ اِنسِكابا
وَلَولا هِمَّةٌ شَمّاءُ فينا ... لَمزَّقَ جَهلُنا الحَسبَ اِرتِيابا
حَقيقٌ ما يُقالُ بِأَنَّ دَهري ... يُحاكي الأُفعُوانَ شَباً وَنابا
حَقيقٌ إِنَّ دَهري ذا اِفتِراسِ ... يُمَثِّلُ صَولَةَ الأَسَدِ اِنتِشابا
نَرومُ الخُلدَ في دارِ الدَنايا ... وَنَقرَأُ في صَحائِفَنا اِنقِلابا
أَقولُ وَلَوعَتي تُزجي الأَماني ... لَعَلَّ الله يَهدينا الصَوابا
عَلى الأَخلاقِ هَذَّبنا شَباباً ... يَسيرُ إِلى الكَمالِ وَلَن يُعابا
أُقَرِّبُ لِلبَنينَ الشُهدَ قاباً ... وَأَرجو أَن تُساغَ لَهُم رُضابا
هِيَ النَفعُ المُفيدُ لِبُرءِ داءٍ ... يَحِزُّ العَقلَ يَختَرِمُ الشَبابا
وَتِلكَ نَصائِحي قَد قُمتُ فيها ... بِما رامَ الطَبيبُ لَهُم شَرابا
فَلِمَ أَترُك لِفائِدَةٍ مَناحي ... وَلا لِلنُجحِ في الإيلاجِ بابا
إِذا ما الجَهلُ حَطَّ بِنا رِحالاً ... وَأَنحى في البِلادِ غَدَت خَرابا
وَإِنْ نُصْحُ الهُداةِ لَنا تَوانَى ... تَحَوَّلَتِ الطباعُ بِنا ذِئابا
فَيا وَيحَ البِلادِ لِمَن تَغافى ... وَذي التُبَّانِ لَو مَلَكوا القِصابا
تَراهُ كَشَيهَمٍ جَحَرَ الرَكايا ... وَأَوصَدَ دونَهُ الحُجُبَ اِرتِعابا
يُراعُ كَنِقنِقِ الدَوِّ اِرتِجافاً ... إِذا ما الرَوعُ أَصلاهُ التِهابا
وَعِندي أَنَّ سارِبَةَ اللَيالي ... إِذا فَحَّتــ تَكونُ أَخَفَّ نابا
بَني الأَوطانِ وَيَحكُمو نُهوضاً ... إِلى العَلياءِ نَلتَمِسُ اِنتِسابا
فَيُملي الحَزمُ ما أَوحى يَراعي ... عَلى الدُنيا وَإِن مُلِئَت صِعابا
وَنُرسِلُ فَوقَ زُهرِ النَجمِ عَزماً ... وَنَملِكُ هامَةَ الجَوِّ اِغتِصابا
وَنُعلي النيلَ رَغمَ الدَهرِ مَجداً ... وَنَحمي مَن بِسُدَّتِنا أَهابا
نَقودُ وَلا نُقادُ كَما الضَحايا ... وَنَضرِبُ بِالصَقيلِ وَإِن تَنابى
لَنا أَريُ الجَنى أَن لَو رَضينا ... وَجَرْضُ الصابِ لَو كُنّا غِضابا
فَقِدماً قَد خَضَبنا وَجهَ أَرضٍ ... وَأَخضَعنا المَمالِكَ وَالرِّقابا
وَرَوَّينا عَلى الظَمَأِ العَوالي ... كَما أَعلامُنا عَلَتِ الهِضابا
وَفي الأَهرامِ شاهِدُنا عِياناً ... وَمِصرُ اليَومَ أَجدَرُ أَن تُهابا
يَدِبُّ دَمُ الجَدودِ بِنا دَبيباً ... فَما زِلنا فَراعِنَةً صِلابا
عَزيفُ الجِنِّ يُشبِهُنا بِحَربٍ ... وَأَنغامُ الخليعِ إِذا تَصابى
قِياماً يا بَني وَطَني قِياماً ... لِتُحيوا ما مِنَ الأَجلالِ غابا
وَكونوا لِلبِلادِ مَنارَ عِلمٍ ... تُضيءُ السَهلَ تَختَرِقُ النَقابا
وَناجوا النَفسَ لَو بَلَغَت مُناهاً ... وَقولوا لِلوَرى قَولاً صَوابا
فَما تنمو العُقولُ بِغَيرِ زادٍ ... وَلا تَسمو البِلادُ بِنا اِضطِّرابا
نُــــزَوِّدُ كُــــلَّ يَــــومٍ نَظمَ دُرٍّ ... شَبيبَتَنا مِنَ الأَدَبِ اللُبابا
أَقولُ شَبيبَةً نَهَضَت فَكانَت ... مِثالَ بَواتِرٍ خَذَمَت شعابا
لَعَلَّ اللَهَ يُنشِئُنا جَديداً ... فَنُظهِرَ لِلمَلا العَجَبَ العُجابا
وَنَخطوَ لِلعُلا خُطُواتِ آلٍ ... وَحَسبُ الفَخرِ أَن شِدنا القِبابا
وَنُسعِدَ قَومَنا عَمَلاً وَقَولاً ... وَنُرسِلَ لِلسَما ضَوءاً شِهابا
وَنَخطُبَ في نَوادينا ذِراباً ... وَنَسلُكَ مَسلَكاً فينا مُجابا
أَمامي يا بَنِيَّ فَإِنَّ قَومي ... رَأَوا رَأيي وَحانَ لَهُم مَثابا
حَنانَيكِ بِلادي إِنَّ قَلبي ... وَهَى مِمّا يُحِسُّ بِهِ اِكتِئابا
فَدامَ النيلُ فيكِ حَياةَ شَعبٍ ... يُناضِلُ دونَه ما الحَقُّ غابا
أَيُحرَمُ أَن يَكونَ لَنا تُراثٌ ... وَظَهرُ الأَرضِ مَملوءٌ كِلابا
نُعَلِّل بِالوُعودِ عَلى شِفارٍ ... أَبانَت مِن حناجِرِنا مُصابا
وَيُهضَمُ حَقُّنا في كُلِّ مَنحىً ... إِذا رَأَوا الجِهادَ لَها رِكابا
وَفَــــوقَ رُؤوسِنا سِربٌ يَدِفُّ ... نَذيرُ المَوتِ إِن طاروا غضابا
فَأَينَ مِنَ الوَفاءِ عُهودُ قَومٍ ... تُرى حِبراً عَلى وَرَقٍ مُذابا
يَسيلُ الدَمعُ مِن عَينيَّ سَحّاً ... بِعَبرَةِ واكِفٍ فَقَدَ الشَبابا
فَما سيمَ القَطينُ كَما نُسامُ ... وَلا بِيعوا كَما اِبتَعنا ذَهابا
وَلا قاسَت بِلادٌ ما نُقاسي ... وَلا طُرِدَت أَكابِرُها غِلابا
فَعَيبٌ أَن نُذَلَّ وَقَد عَرَفنا ... هَوانَ النَفسِ مَعجَزَةً وَصابا
خَبَرنا كُلَّ مُرتَخَصٍ وَغالٍ ... فَما رُمنا سِوى الحَقِّ اِنكِبابا
فَإِنّي ما رَأَيتُ كَفَوزِ ساعٍ ... وَلا مِثلَ الشُجاعِ طَوى اليَبابا
وَلا كَالشَهمِ نالَ عُلا وَجاهاً ... وَلا كَالعِلمٍ بَلَّغنا الرِغابا
بَنِيَّ لَقَد رَأَيتُ اليَومَ فيكُم ... رَجيحَ العَقلِ مَن سامَى السَحابا
فَهِمّوا وَاِفتَحوا لِلعِلمِ باباً ... وَجولوا جَولَةَ تنهي الكِتابا
فَيَخبُثُ في المَناقِعِ عَذبُ ماءٍ ... وَإِن سَالَ الأُجاجُ حَلا وَطابا
وَدينوا بالمَكارِمِ ما حَييتُم ... تَدينوا الدَهرَ لِلناسِ الرِقابا
وَوالوا وَالدَينِ بِخَيرِ بِرٍّ ... لِتَلقَوا مِن مُهَذِّبِكُم رِحابا
فَما قَولٌ إِذا طَلَبَت رَؤومٌ ... وَقَد عقَّ البَنونَ لَها اِرتِبابا
وَمِن عَجَبٍ تَلِدنَ لَنا عَجيباً ... أَحارَ اللُبَّ وَاِنتَزَعَ النِصابا
وَتُزلِفُ لِلنُهى أَلفَ اِعتِبارٍ ... تَخيسُ يَراعَتي فيهِ اِنصِبابا
وَماذا أَبتَغي وَالنيلُ يُزجي ... نُفوساً تَرقُبُ العَليا اِرتِقابا
بَلى إِنَّ الزَمانَ يَعودُ فينا ... وَيَجبُرُ ما أَهاضَ وَما اِستَرابا
فَحَيِّ النيلَ يا اِبنَ النيلِ دَوماً ... وَقَــــدِّم مُهجَةً لِأَبٍ أَهابا
وَضِنَّ الدَهرَ بِالدِمَنِ العَوافي ... عَلى رَغمِ الجَحودِ وَإِن تَظابى
فَنِيلُكَ قَد أَشاحَ إِلى دِرَفسٍ ... تَجَلَّلَ بِالقُلوبِ هَوىً سِقابا
وَإِن كانَ الزَمانُ رَماهُ غَدراً ... بِأُحبولِ المَصادِ فَقَد أَنابا
تَجاوَبَ وَالنُفوسَ صَدىً دَوِيّاً ... تَخالُ الجَرْسَ كَالنايِ اِجتِذابا
وَرَفَّ عَلى النُفوسِ فَدَتهُ نَفسي ... وَأَهلِيَ وَالبَنونَ وَما اِستَطابا
حَياةُ الأُمَّةِ الأَخلاقُ فيها ... فَأحيوا خُلقَها تَنَلِ السَحابا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الحقوق: حقق: الحَقُّ: نَقِيضُ الْبَاطِلِ، وَجَمْعُهُ حُقوقٌ وحِقاقٌ، وَلَيْسَ لَهُ بِناء أَدْنَى عدَد. وَفِي حَدِيثِ التَّلْبِيَةِ: لبَّيْك حَقّاً حَقًّا أَيْ غَيْرَ بَاطِلٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ أَيْ أَنَّهُ أكَ … (لسان العرب)
- الرواسي: روس: رَاسَ رَوْساً: تَبَخْتَر، وَالْيَاءُ أَعلى. وراسَ السَّيْلُ الغُثاءَ: جَمَعَهُ وحَمَلَه. ورَوائِس الأَودية: أَعاليها، مِنْ ذَلِكَ. والرَّوائِسُ: المتقدِّمة مِنَ السَّحَابِ. والرَّوْسُ: الْعَيْبُ؛ عَنْ كُرَاعٍ. والرّ … (لسان العرب)
- الشاني: شأن: الشَّأْنُ: الخَطْبُ والأَمْرُ والحال، وجمعه شُؤونٌ وشِئانٌ؛ عَنِ ابْنِ جِنِّي عَنْ أَبي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ؛ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مِنْ شأْنه أَن يُعِز … (لسان العرب)
- القباب: قبب: قَبَّ القومُ يَقِبُّون قَبّاً: صَخِبُوا فِي خُصومة أَو تَمَارٍ. وقَبَّ الأَسَدُ والفَحْلُ يَقِبُّ قَبّاً وقَبِيباً إِذا سَمِعْتَ قَعْقَعةَ أَنْيابه. وقَبَّ نابُ الْفَحْلِ والأَسَد قَبّاً وقَبِيباً كَذَلِكَ يُضيفُونه … (لسان العرب)
- المعارج: عرج: العَرَجُ والعُرْجة: الظَّلَعُ. والعُرْجة أَيضاً: مَوْضِعُ العَرَج مِنَ الرِّجْل. والعَرَجان، بِالتَّحْرِيكِ: مِشْية الأَعرج. وَرَجُلٌ أَعرج مِنْ قَوْمٍ عُرْج وعُرجان، وَقَدْ عَرَج يَعْرُج، وعَرُج وعَرِج عَرَجاناً: م … (لسان العرب)
- المقاصد: قصد: الْقَصْدُ: اسْتِقَامَةُ الطَّرِيقِ. قَصَد يَقْصِدُ قَصْدًا، فَهُوَ قاصِد. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ؛ أَي عَلَى اللَّهِ تَبْيِينُ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ والدعاءُ إِليه بِالْحُجَجِ وَال … (لسان العرب)