يَا جِيرةَ الحيِّ أَيْنَ الحيُّ قَدْ بانُوا

الشاعر: أبو الصوفي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة شوق

هذه القصيدة من شعر أبو الصوفي، من العصر الحديث، وتقع في 95 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة شوق.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

يَا جِيرةَ الحيِّ أَيْنَ الحيُّ قَدْ بانُوا ... أين الذين لهم فِي القلب أَشْجانُ

أَيْنَ الهَوادجُ إِذ زُمَّتــ رَكائبُها ... قَدْ حازَ دونَنا وَعْرٌ وكُثْبان

أَيْنَ الَّذِين بنَوا فِي القلبِ مسكنَهم ... بَيْنَ الجَوانحِ والأضلاعِ قَدْ كانوا

يا جِيرتي يَا أُباةَ الضَّيم أَيْنَ همُ ... وهل أنا بعدهم فِي الناسِ إِنسان

بانوا فبانتْ شجوني والهوى نَصَبٌ ... فكيف لي وفراقُ الحيِّ خُسران

زَمّوا ركائبَهم والقلبُ عندهمُ ... فها أنا اليومَ جسمٌ مَا لَهُ شان

زَوَّدتُهم نظرةً والشوقُ مُحْتَدم ... وعارضُ الدمعِ فِي الخدين هَتّان

وخَلَّفوني أُراعِي النجمَ مرتقِباً ... مُدلَّهاً فِي عِراكِ البين وَلْهان

يا ليتيم أخذوني والفؤادَ معاً ... لَمْ يبقَ لي بعدهم هَمٌّ وأحزان

بالله يَا جِيرتي أَيْنَ الحُدوج سَرَتْ ... فأنتُم جيرتي للحيِّ جيران

لا تكتموا بالهوى أقسمتُ أن لكم ... سِرّاً لَهُ فِي فؤادي اليومَ كتمان

هم أَنْجَدوا وفؤادي ضاع بَيْنَهمُ ... أم أَتْهَموا إنني بالحيِّ حَيْران

لله وا أســــفــــي إن الهــــوى أَسَــــفٌ ... قَدْ كَانَ قلبي وفيه الحيُّ سُكان

والآن لما غدَوا أصبحتُ منطرِحاً ... وهل يقوم بغير الرُّوح جُثْمان

قَدْ كَلَّفوني لحاقَ الرَّكْبِ واظَمَئي ... وكيف يَلحق إِثْرَ الركب ظمآنُ

فقمتُ أَخبِط بالوَعْساءِ مُلتمِساً ... وناقتي وسَرابُ البيد سِيّان

وكلما قَطعتْ وهْداً سلكتُ بِهَا ... مَجاهِلاً حَقَّها سَهْل وأَحْزان

وَجْناً شَمّرْدَلة مثلُ الظَّليم لَهَا ... صــــدرٌ أُعِــــدَّ بِهِ للسَّبــــْق مَــــيْــــدان

لا تستقر عَلَى الخُفَّين داميةٌ ... من الذَّميل ولا الضَّبُعَين قِرِدان

لا أَمترِي ناقتِي بالساق من تعبٍ ... إِذ لَمْ يَؤُدْها الوَنَى وَهْدٌ وقِيعان

ولا السِّياط لَهَا فِي دَمِّها أَثَرٌ ... قَدْ ساقنا من سياطِ الشوقِ عِيدان

رَنّاحةٌ إِن مشتْ مثلُ الهُيام بِهَا ... كالبحر من رَهَج يَعْلوه طُوفان

تنسابُ فِي جَرْيها أَوْسعتُها عَنَقاً ... كَأَنَّها بالفَلاةِ القَفْرِ ثعبان

في جَرْيها رَمَلٌ فِي مشيها وَجَل ... لانتْ مَعاطِفُها والركبُ جَذلان

فقلت يَا ناقتي والرَّحْلُ مُختضِب ... من أَدمُعي مَا لهذا الحيِّ تِبيان

إِن السَّرَى يَا رعاك اللهُ أَجْهَدني ... وَقَدْ كفاكِ النوى نَصٌّ ووِخْدانُ

فَنَهْنَهنِي ناقتي أن الزمانَ لَهُ ... فِي خطة البين تَطْنيب وأوطان

كنا لَفي سِنةٍ والدهرُ مُنتيِه ... حَتَّى انتبهنا وَطَرْفُ الدهرِ وسْنان

إن الزمان أخو الأشجانِ من قِدَمٍ ... لا تستقر لعينِ الدهر أَجفان

لا زال ذا الدهرُ مَغْروماً بِنَا كَلِفاً ... مُشتِّتاً شملَنا فالدهرُ خَوّان

رُحماك يَا دهرَنا لَمْ أَجْنِ فاحشةً ... بذلتُ نُصْحي أعُقْبَى النصح حرمان

أَوّاهِ منك تُريني وَجْه عارِفةٍ ... أًَحنو إِلَيْكَ وَمَا للوجهِ برهانُ

خَوَّلَتني جَنةً راق النعيمُ بِهَا ... أبعدَ ذَاكَ النعيمِ اليومَ نيران

أَقصَيتني عن كرامٍ كنت أَعهدُهم ... لَمْ يبقَ لي بعدَهم يَا دهرُ سُلوان

أهكذا صحبةُ الأشرافِ يَا زمني ... يكون من قربِهم للمرءِ خسران

إِلَى متى أحتسِي كأسَ الهموم وكم ... أُقاسي زماناً لَهُ بالرأس عُنوان

أمَا كفَى أنني بالشيبِ مُلتثِمٌ ... حَتَّى علا مثلَه بالفَوْد تِيجان

قد راعني والصِّبا تَنْدو غَوارِبُه ... وشِرَّتي والشبابُ الغَضُّ رَيْعَانُ

فقمت والهمُّ يَلْحوني بشَفْرته ... وللفَوادحِ فِي جنبيَّ أَفْنانُ

فلم أزل أَكْدح الأيامَ ملتمِساً ... كَنْفاً ألوذ بِهِ إِن عوزَّ إمكان

فبتُّ أرصد عينَ النجمِ مرتقِباً ... من ذا هو اليومَ لِلاّجِين مِعْوان

فلم أجد وَزَراً مما أًُكابِده ... من الزمانِ فعَزَّ اليومَ وِجْدان

وَلَمْ أجد ف الورى إِلاَّ مخادَعةً ... من الخَدينِ فما للحقِّ أَخْذان

أرى للمحبِّ يراني دونَه قَدْراً ... وَلَيْسَ يعلم أَنَّ الكِبْرَ نُقْصان

إن الفتى نَعست عيناه عن سَفهٍ ... فِي طبعه ولطبعِ الغيرِ يَقْظان

جِبِلَّةٌ فِي طباعِ الناسِ لازمةٌ ... لو أنهم أنصفوا فِي الحكم مَا شانوا

كم ذا أُقضِّيـ حياةً مَا نَعِمتُ بِهَا ... كَيْفَ النعيمُ وكلُّ الدهر أَشْجان

ضاق الخِناقُ وضاقت بالثراء يدي ... فليس لي بسِوى الرحمنِ حِسْبان

وَلَيْسَ لي ملجأٌ كيما أَلوذ بِهِ ... ســــوى أبــــي طــــارقٍ للعِرْضِ صَوّان

مُملَّك إن رأى المهمومُ سَحْنته ... لَمْ يبرحَ الأرضَ إِلاَّ وهْو جَذْلان

خلائقٌ يَتنامَى المرءُ غُرْبَته ... فلُطفُها عِوَضُ الأوطانِ أَوْطانُ

مملك لا يرى الدِّينارَ ناظرُه ... فما لَهُ لاجتماعِ المالِ خُزّان

لو أنما حَلَّت الدنيا براحتِه ... لَمْ يبقَ يوماً بوجهِ الأرض جَوْعان

ما قام فِي بلدٍ إِلاَّ وسال بِهَا ... من فَيْضِه ببقاعِ الأرضِ وِدْيان

فكم لَهُ من تُراثِ المجدِ أَوْرَثه ... أُولو المَكارِمِ سُلطان وسلطان

فبابُه يلْتَجي حَتَّى البقاعِ بِهِ ... وَقَدْ شكى من ظفار الخوفَ عُريان

أتاهم ناصِرٌ والأمرُ مرتبِك ... والخوفُ مَا بَيْنَهم يُزْجِيه طُغيان

لا يخرجون عَلَى الأبواب من حذَرٍ ... خوفَ القتالِ وهم فِي الحرب شجعان

في ثامنٍ حَلَّ والعشرين ساحتَهم ... من شهرِ شعبانَ نِعْمَ الشهر شعبانُ

فأصبحوا عُزَّلاً من دونِ أسلحةٍ ... والوعرُ من أَمْنِه والسهلُ ملآنُ

والبَهْمُ تَرْعَى الحيا فِي القفرِ سائمةً ... مَا راعَها بالفَلا والدَّوِّ ذِئْبان

والأرضُ تَرْجِف من خوفٍ ومن فرحٍ ... والإنس والجنّ فِي الحالين صِنْوان

أمست ظفار بأمنِ اللهِ فِي حَرَم ... ووجهُها بمليك الأرضِ رَيَّان

تَهْمِي بِهَا من سَحابِ الفخرِ غاديةٌ ... يَخْضرُّ من وَدْقها للمجد أغصان

واستمطرتْ تَذْرِف العينين من فرحٍ ... إن الكريم لَيَبْكي وهْو فرحان

وغَيَّمـــ الأَفْقُ وانهلَّت مَدامعُه ... كَأَنَّما قَدْ عرا عينيه هَمْلانُ

واخضرَّتِ الأرضُ مثلَ الروضِ ضاحكةً ... وَقَدْ كستْها ثيابَ الزَّهر ألوانُ

وزَمْجَر البحرُ مسروراً وهاج بِهِ ... عَواصفٌ فكأن البحر غضبان

فيا لَهُ من خريفٍ زادني كَلَفاً ... مَا أَبْهَج الأُنسَ أن لو طال إِدمان

طابتْ لَنَا سَكَناً حَتَّى غَدت وطناً ... فها إذن نحن بالجريب رُكْبانُ

في أرضِ يعبوبَ تَخْدي اليَعْملات بِنَا ... يَحفُّنا من زهور الروضِ أغصانُ

بنفسجٌ وشَميمُ الجُلَّنارِ بِهَا ... وزِمْبقٌ وكبارُ الدَّوح ميطان

والياسَمين كمثلِ الدوحِ مُشتبِكٌ ... وَقَدْ كُسِي من ثيابِ الزهر أَكفان

تمشي بِنَا والحَيا يعلو كَواهِلَها ... وفَرْشُنا نَفْحُها ورد ورَيْحَان

تَرْقَى سَنابِكها فَوْقَ السما حُبُكاً ... كَأَنَّما نحن فَوْقَ العرشِ سُكّان

ظَلّتْ بِنَا ترتمي بالبيدِ جافلةً ... كَأَنَّما نحن بالبيداء قُطّان

جُبْنا بِهَا فَدْفَداً راقتْ نضارتُه ... كالبحرِ خُضرتُه حَفَّته غِيطانُ

حَتَّى ارتحلْنا لأرضٍ راقَ منظرُها ... أرضٍ لَهَا من صنوفِ الحسن ألوان

سكانُها من كشوب زان مسكنَهم ... يحمون أرضَهُم شِيبٌ وشُبان

أرض لَهَا فِي تبوكٍ قِسْمَةٌ مُزِجت ... بحسنِ بهجتها والحسنُ فَتّان

ثُمَّ انتهى سيرُنا والأُنسُ يَخْفِرُنا ... أرض لَهَــــا قُــــطُــــنٌ للجودِ أخدان

راقتْ بساتينُها روضاً بِهَا سَكَنٌ ... مثلُ الدُّمَى ظَبَياتُ الإِنسِ غِزْلانُ

ناختْ ركائبُنا والطيرُ تهتف مَا ... بَيْنَ الغصونِ لَهَا بالسَّجْعِ ألحان

والريحُ تَخْفق والأعلامُ قَدْ نُشِرت ... وأُنْسُنا كم لَهُ بالنُّطق إِعلانُ

وبيننا الملك الميمون ذو خُلْقٍ ... طَلْق المُحَيا فصيح النطق سَحْبان

مُــــدرَّع بفنون المجد مُتَّزِر ... بوجهه من طُروسِ الفضل عنوان

لا زال فِي فَلك الإسعادِ طالعُه ... يَنْهَلُّ من كفه بالجود فَيْضان

تِيهي ظفار فأنتِ اليومَ في شرفٍ ... تَقاصرتْ دونَه مصرُ ونَعمان

أتاك من مَدد الرحمنِ ذو كرمٍ ... أَمدَّه بجيوشِ النصر رَحْمَن

سموتِ من شرفٍ فَوْقَ النجوم عُلىً ... يَنْحطُّ عنك السُّها قَدْراً وكِيوان

حَلِيت بالمجدِ عِقْداً زانَه شرفٌ ... إن البقاعَ بشَرعِ العدل تَزْدان

أصبحتِ فِي حُلَل النُّعْمَى مَزَمَّلةً ... تُضْفِي عَلَيْكَ من التوفيق أرْدان

إِذ صرتِ بالملك الميمون آمنةً ... وجـــــنـــــدُه لَكَ أنــــصــــارٌ وأعــــوان

فلْيَهْنِك الشرفُ المخفورُ من ملك ... يدور بالسعدِ مَهْمَا دار أزمان

أرَّحــــتُه زمــــنــــاً حَلَّ الأمانُ بِهِ ... نصرٌ وبرٌّ وتوفيقٌ فإمكان

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من الصحاح، لسان العرب:

  • بانوا: أنى الشئ يأنى إنى، أي حانَ. وأَنى أيضاً: أدرك. قال الله تعالى: (غَيْر ناظرينَ إناهُ) أي نُضْجَه. ويقال أيضاً: أَنى الحميمُ، أي انتهى حرُّه. ومنه قوله تعالى: (وبَيْنَ حَميمٍ آنٍ) أي بالغٍ إناهُ في شدَّة الحرّ. وكلُّ مدركٍ … (الصحاح)
  • بنوا: نوأ: ناءَ بِجِمْلِه يَنُوءُ نَوْءًا وتَنْوَاءً: نَهَضَ بجَهْد ومَشَقَّةٍ. وَقِيلَ: أُثْقِلَ فسقَطَ، فَهُوَ مِنَ الأَضداد. وَكَذَلِكَ نُؤْتُ بِهِ. وَيُقَالُ: ناءَ بالحِمْل إِذَا نَهَضَ بِهِ مُثْقَلًا. وناءَ بِهِ الحِملُ إ … (لسان العرب)
  • جيرتي: جير: جَيْرِ: بِمَعْنَى أَجَلْ؛ قَالَ بَعْضُ الأَغفال: قَالَتْ: أَراكَ هارِباً لِلْجَوْرِ ... مِنْ هَدَّةِ السُّلْطانِ؟ قُلْتُ: جَيْرِ قَالَ سِيبَوَيْهِ: حَرَّكُوهُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وإِلا فَحُكْمُهُ السُّكُونُ … (لسان العرب)
  • خسران: خسر: خَسِرَ خَسَرَ خَسْراً[[. قوله: [خسر خسراً إلخ] ترك مصدرين خسراً، بضم فسكون، وخسراً، بضمتين كما في القاموس]]. وخَسَراً وخُسْراناً وخَسَارَةً وخَسَاراً، فَهُوَ خاسِر وخَسِرٌ، كُلُّهُ: ضَلَّ. والخَسَار والخَسارة والخَي … (لسان العرب)
  • دوننا: دَوَنَ: دُونُ: نقيضُ فوقَ، وَهُوَ تَقْصِيرٌ عَنِ الْغَايَةِ، وَيَكُونُ ظَرْفًا. والدُّونُ: الْحَقِيرُ الْخَسِيسُ؛ وَقَالَ: إِذا مَا عَلا المرءُ رامَ العَلاء، ... ويَقْنَع بالدُّونِ مَن كَانَ دُونا وَلَا يُشْتَقُّ مِنْهُ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • هَمِّي أتى من هِمَمِي
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة