هَذِي المَعاهدُ قِفْ بالحِمى واتَّئِدِ

الشاعر: أبو الصوفي · البحر: البسيط

هذه القصيدة من شعر أبو الصوفي، من العصر الحديث، وتقع في 70 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الدال.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

هَذِي المَعاهدُ قِفْ بالحِمى واتَّئِدِ ... وقوفَ صَبٍّ رماهُ الشوقُ بالكَمَدِ

هذي المعاهد دارُ الأُنس قَدْ وَلِعت ... نفسي بِهَا ووَهَى فِي حبها جَلَدي

هذي المعاهد قَدْ هام الفؤادُ بِهَا ... وشوقُها لَفَحتْ نيرانُه كبِدي

هذي المعاهد هذي بُغْيتي وبها ... أُنسي وغاية آمالي ومُعتَمدي

هذي المعاهد آثارُ الملوكِ بِهَا ... فاسجدْ لَهَا واخلعِ النَّعلين لا تَجِد

فكم مسارحُ غزلانٍ لَهَا رتَعَت ... وكم بِهَا كَانَتْ الأيامُ فِي رَغَد

وكم سَفَحْنَ عيونُ البيضِ من عَلَق ... فرقَ العواتقِ والأعناق والبُنْد

وكم سبَحن جيادُ الخيل فِي رَهَجٍ ... يومَ الجِلاد وأفنى السيفُ من عَدد

وكم رقَصن الخِفاف اليَعْمَلات بِهَا ... وكم نَصَبن خيامَ المجد بالعُمُد

وكم هززنَ قُدود السُّمرِ يوم وغىً ... يَمْرُقن بَيْنَ ضلوعِ البُهْم والسُّدُد

تِلْكَ المآثرُ تُنبِي عن مَفاخِرها ... وأنها مَا بِهَا وُفِّقتَ من أَوَدِ

فقُم وانظر الآثارَ إن لَهَا ... شأناً لقد يترك الأوهامَ فِي بَدَدِ

وإنها جنةٌ تَحْيَى الرُّفات بِهَا ... مَا فات عنها سوى الوِلدان والخُلُد

كَأَنَّ يوسفَ حينَ القبضِ أَطْلَقه ... عِزريلُ من قبضة فِي بِيضها الخُرُد

كَأَنَّما من وجوه البيض قَدْ طَلعت ... شمسُ الضُّحى والدُّجى من فَرْعها الجَعِد

كَأَنَّ أبطالها أُسْد الشَّرَى زَأَرت ... فِي الرَّوْعِ بَيْنَ قِلالِ الغَيل والوُهُد

كَأَنَّ حُمرَ المنايا فِي سيوفهمِ ... يَفْرِقن بَيْنَ الطلا والهام والجسد

كَأَنَّهم حية رَقْطاء إن حَضروا ... وإن خَلَوا فهمُ يَسْطون كالأُسد

لهم مساكنْ تخشى الجِنُّ وَطْأَتها ... هم يألفون بِهَا فِي الحِضْن والمُهُدِ

لهم جبال كمثل الشُّحْب شامخةٌ ... مَطْروزةٌ بنبات الشِّيحِ والمسَد

لهم جَداولُ تجري من مَنابعِها ... كَأَنَّها البحرُ لا تنفكُّ من مَدد

لهم بِهَا من نباتِ الأرضَ مأْكَلةٌ ... وقتَ الخريفِ لهم أَشْهَى من البَرد

لهم بِهَا مطرٌ يمتد والمهُ ... تسعين يوماً يُروِّي الأرضَ بالشُّهُد

يَا نِعْمَ من بلدٍ لو كنت أسكنُها ... بلغتُ منها بِهَا أُمنيَّتي بيدي

لكنما سوءُ حظي سوف أَقعدني ... والحظُّ إن أقعد الإنسانَ لَمْ يَسُد

محجوبةٌ مذ رأَتْها حقَّ رؤيتِها ... عينُ الخليفةِ مَدَّ الكف بالعَضُد

شوقاً لَهَا واجتهاداً فِي تَمدُّنِها ... فلا تزال ولا تنفكُّ فِي صَدد

حَتَّى تكونَ عروسَ الأرضِ قاطبةً ... فالملك يَزْدان بالتمهيد والعُدَد

والأرض لا بدَّ أن تأتي لَهَا حِقَبٌ ... تردُّ ما كَانَ أيام الصِّبا يَجِدِ

تموت حيناً ويأتي الآخرون كما ... كَانَ الأُولى كنظيرِ الأُم والوَلَد

كم من ملوكٍ ببطن الأرض قَدْ هَجَدوا ... كانوا عَلَيْهَا ملوكَ الدهرِ والأَبد

نمشي عَلَيْهِم فلا يَذْرون بِعْثَتَهم ... لجنةِ الخُلد أم للنارِ ذي الوَقَد

نُمسي ونُصبح والأطوارُ تنقلنا ... من نُطفةٍ من دم الأَصلابِ والغُدَدِ

لحكمةٍ نُودَعُ الأرحامَ إن لَنَا ... فِيهَا التطور نُغْذَى من دم الكبد

فلا نزال بأطوارِ التقلب فِي ... أرحام ضِيقٍ فلا نُبدي وَلَمْ نُعِد

من بعدِ مَا تمّ أحوالُ التطورِ فِي ... كنِّ البطونِ طلبنا الدار ذي الكَمَد

تأتي إليها نَجوس البطنَ فِي تعبٍ ... كما يجوس خلالَ الدار ذو رَمد

نُفضِي إِلَيْهَا بكُرهِ النفسِ تَدفعُنا ... ريحٌ تهبُّ من الأَحشاءِ والوُرُد

إِلَى فسيح بظهرِ الأرض نَمْلؤه ... وَقَدْ ملأنا الحَشَا بالغِلِّ والحَسَدِ

نُكابد العيشَ فِي همٍّ وَفِي حَزَن ... كذاك قَدْ خُلق الإنسانُ فِي كبَد

فلا نزال نُعاني الدهرَ فِي كدرٍ ... فهكذا الحالُ تطويراً إِلَى اللَّحَد

فهذه حالةُ الإنسان مَا فُطرتْ ... أيامُه قَدْ يُعاني حالة النَّكَد

فنشأةُ السكونِ تطوير وتَوْطئة ... كذاك من سَبَد قَدْ كَانَ أَوْ لَبَد

كَانَتْ ظفار عروساً بالملا مُلئت ... يرتادُها خطباءُ الملك بالعدد

فطافَها طائفُ التغيير فارْتَجعتْ ... محجوبةً لا تراها العينُ من بُعْد

تــــطوَّرت دُول طوراً بِهِ اتَّضَعتْ ... حَتَّى إذا ارتفعت طالتْ وَلَمْ تَعُدِ

بنظرةٍ من مليكٍ لا نظيرَ لَهُ ... يظَلُّ منه الدجى والصبحُ فِي سَهَد

تَبيت ترقُب عينَ النجم ساهرةً ... من بأسِ همتِه والأفقُ فِي رَصَد

يُقدِّر الأمرَ فِي التدبير لو نظرتْ ... فِيهِ المَشيمةُ لَمْ تنقصْ وَلَمْ تَزِد

يَظلُّ مفتضحاً مرُّ النسيمِ بِهِ ... كَأَنَّ أخلاقَه نَسْماءٌ من بَرَدِ

يكاد من لُطفها تَنْدو مَباسِمُه ... كَأَنَّما نُطْقه قَدْ شُجَّ من شُهُد

لم تصطحِبْ من وَقود النارِ رِفْقتُه ... تَكفِي مَلامحُه عن شُعلة الوَقَد

لو كَانَ فِي مَلأ كالرمل تعرفُه ... كالبدرِ بَيْنَ نجومِ الأفق فِي حَشَد

لو حلّ مَا فِي السما والأرضِ راحتَه ... أَفناه فِي يومه والشمسُ لَمْ تَكَد

أَوْ لو رأى درهماً فِي كَفِّ خازِنه ... مَا قَرَّ فِي كفه من يومه لغد

كَأَنَّما كفُّهـــ قالتْ لساعِدِهِ ... حكمتَ فاحكمْ بما قَدْ شئتَ فِي النَّقَدِ

هو الخِضَمُّ الْتَقِطْ من صَفْوِه دُرراً ... وإن يُهَج فاحذرِ الأمواجَ لا تَرِد

فصَفْوهُ ونسيمُ الروض مبتكر ... وكَدْره ذَلِكَ الْنّفّاثُ فِي العُقَد

بحرٌ مَواهِبُه غُرٌّ مَناقبُه ... إِذَا سَجى أَوْ طَمى فالسُّمُّ فِي الزَّبَد

لا يأمنُ المكرَ مَكّارٌ بِهِ ومتى ... رأى من البحر مَهْمَا جاء لَمْ يَجد

فَلْتَهنَ بالمَلكِ الميمونِ ظافرةً ... ظفارُ فَخْرها تختال بالبُرُد

وَلَمْ تزل فِي حِماه الدهرَ آمنةً ... من طالعِ النحسِ تَرْقَى طالعَ السَّعد

في كل آنٍ لَهَا فِي الطَّور مرتبةٌ ... فلم تزل ترتقي طَوْراً مدى الأَبد

وَلْيهنأ القطر مَا عينُ السُّها سَهِدت ... ونام شخصُ الدُّجى والأفقُ فِي رَصَدِ

وامتد باعُ الندى بالجسود متصلاً ... بكف تيمورَ ربِّ الفضل والمَدد

ودام فِي فَلك الإقبال طالعُه ... وحلَّ بدرُ العُلى فِي دارةِ الأَسد

وَلْيهنأ العيدُ مَا طالتْ يداك بِهِ ... بنَحْرك البُدْنَ والتعظيمِ للأحد

وبَسْطِك الجودَ حَتَّى قال قائلُه ... مادي السماحةُ والأخلاقُ من أَحد

واسلمْ ودُمْ مَا هَمَت عينُ السماءِ عَلَى ... خَدِّ البسيطةِ حَتَّى سال بالكُدُر

أرَّختُ لما سألتُ الله محتسِباً ... إياك أرجو وأنت الآن مُعتَمدي

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:

  • الجلاد: جَلَدَ: الجِلْدُ والجَلَد: المَسْك مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ مِثْلُ شِبْه وشَبَه؛ الأَخيرة عَنِ ابْنِ الأَعرابي، حَكَاهَا ابْنُ السِّكِّيتِ عَنْهُ؛ قَالَ: وَلَيْسَتْ بِالْمَشْهُورَةِ، وَالْجَمْعُ أَجلاد وجُلود والجِلْدَة … (لسان العرب)
  • المعاهد: عهد: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَا أَدري مَا الْعَهْدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: العَهْدُ كُلُّ مَا عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكلُّ مَا ب … (لسان العرب)
  • النعلين: نعل: النَّعْل والنَّعْلةُ: مَا وَقَيْت بِهِ القدَم مِنَ الأَرض، مُؤَنَّثَةٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَن رَجُلًا شَكَا إِليه رَجُلًا مِنَ الأَنصار فَقَالَ: يَا خيرَ مَنْ يَمْشي بنَعْلٍ فرْدِ قَالَ ابْنُ الأَثير: النَّعْل مُؤَن … (لسان العرب)
  • بالكمد: كمد: الكَمْدُ والكُمْدَةُ: تغيرُ اللونِ وذَهابُ صَفَائِهِ وبقاءُ أَثَرِه. وكَمَدَ لونُه إِذا تغيَّر، ورأَيتُه كامِدَ اللَّوْنِ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، رَضِيَ الله عَنْهَا: كَانَتْ إِحدانا تأْخُذُ الماءَ بِيَدِهَا فَتَص … (لسان العرب)
  • بغيتي: (بَغَيَ) الْبَاءُ وَالْغَيْنُ وَالْيَاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا طَلَبُ الشَّيْءِ، وَالثَّانِي جِنْسٌ مِنَ الْفَسَادِ. فَمِنَ الْأَوَّلِ بَغَيْتُ الشَّيْءَ أَبْغِيهِ: إِذَا طَلَبْتَهُ. وَيُقَالُ: بَغَيْتُكَ الشَّيْءَ: إِذ … (مقاييس اللغة)
  • جياد: جيد: الجِيدُ: الْعُنُقُ، وَقِيلَ: مُقَلَّده، وَقِيلَ: مقدَّمه، وَقَدْ غَلَبَ عَلَى عُنُقِ المرأَة؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: يَجُوزُ أَن يَكُونَ فِعلًا وفُعْلًا، كُسِرَتْ فِيهِ الْجِيمُ كَرَاهِيَةَ الياءِ بَعْدَ الضَّمَّةِ، فأَ … (لسان العرب)
  • رتعت: رتع: الرَّتْعُ: الأَكل وَالشُّرْبُ رَغَداً فِي الرِّيف، رَتَعَ يَرْتَعُ رَتْعاً ورُتوعاً ورِتاعاً، وَالِاسْمُ الرَّتْعةُ والرَّتَعةُ. يُقَالُ: خَرَجْنَا نَرْتَعُ ونَلْعب أَي نَنْعَم ونَلْهُو. وَفِي حَدِيثِ أُمّ زَرْع: فِ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • هَمِّي أتى من هِمَمِي
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة