بشرى بعيدٍ أتى والنصْرُ يَقدُمُهُ
الشاعر: ابن فُركون · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة مدح
هذه القصيدة من شعر ابن فُركون، من المغرب والأندلس، وتقع في 63 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة مدح.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بشرى بعيدٍ أتى والنصْرُ يَقدُمُهُ ... ورائِدُ العزّ يَسْتدعيهِ مَقْدَمُهُ
عيدٌ يعود بما شاءَتْ عُلاكَ فقدْ ... سَما بعزّكَ للعلياءِ موسِمُهُ
فالنّصْرُ قد بهَرَ العَلياءَ مصنَعُهُ ... والصُنْعُ قد أبْهجَ الدُنيا مُتَمَّمُهُ
هذا هو الفتْحُ قد راقَتْ مطالِعُهُ ... واستَشْرَفَتْ من ثَنايا العزْمِ أنجُمُهُ
هذا هوَ الصُنْعُ قادَتْهُ العُلَى فَعلا ... بُيوسُفٍ ملِك الأمْلاكِ معْلَمُهُ
فانْهَضْ يُحيّيكَ أبْهاهُ وأبهَرُهُ ... سنىً وأوثَقَهُ عقْداً وأحْكَمُهُ
فالدّينُ سيْبُكَ مُجْديهِ وموجِدُهُ ... والكفْرُ سيفُكَ مُفْنيهِ ومُعْدِمُهُ
حُكْمٌ يجدّدُهُ القصْدُ الحَميدُ فَما ... يَبْلى على كَثرَةِ التّردادِ مُحْكَمُهُ
وإنّ مالَقَةَ الغرّاءَ حلّ بها ... موْلَى الخلائِفِ والأمْلاكُ تخدُمُهُ
لهُ وإن عَظُموا قدْرٌ تعظّمُهُ ... وصْـــــفٌ تُـــــقــــدّسُهُ ذِكْــــرٌ تُــــقــــدّمُهُ
ترْجو نَداهُ وتخْشى بأسَهُ فإذا ... ما جدّ في عزْمِهِ يُرْجى تكرُّمُهُ
فيقْبُضُ السيفَ حيثُ الرّزق يبسُطُهُ ... كبارِقِ السُحْبِ يُزْجيها تبَسُّمُهُ
كم مَقصَدٍ حينَ ضنّ الدّهْرُ جادَ به ... فعمّتِ المُنْعِمَ الوهّابَ أنعمُهُ
فــــكُــــلُّ مَلْكٍ وإن جلّتْ مواهِبُهُ ... يُمْناهُ كعْبَتُهُ رُحْماهُ زَمْزَمُهُ
مــــا رُدّ عــــن أمَــــلٍ إلا ولاذَ بــــهِ ... فالمَنْحُ يوجِدُهُ والمنْعُ يُعْدِمُهُ
يكْسوهُ ثوْبَ اعتِلاءٍ غيْرَ مُنتَهَجٍ ... حتّى يَروقَ على عِطْفَيْهِ مُعلَمُهُ
وسَبْتةٌ حلّ جُندُ الكافرينَ بها ... فأصْبَحتْ وأقاصِيها مُيمَّمُهُ
يا هلْ يُجدَّدُ عهْدٌ في معاهِدِها ... مضَى حَميداً وهلْ يَبْلى مُذمَّمُهُ
وهلْ لمَعْقِلِها إنْ لمْ تُلمَّ به ... رُجْعى وللشّركِ أحْزابٌ تُيمّمُهُ
نادَتْكَ يا ملِكَ الدّنيا لتوضِحَ ما ... ظلَّ العدوُّ قُبَيْلَ الفتْحِ يُبْهِمُهُ
واستَنْشَقَتْ منْكَ ريحَ النصْرِ حين غَدا ... مُسْتَقبَلُ الفتحِ يُهْديهِ تنَسُّمُهُ
هذي أحاديثُهُ وافَتْكَ من كثَبٍ ... لمَظْهَرِ الدّينِ تُعليهِ وتُعْلِمُهُ
حيثُ القبائلُ تدْعو منكَ ناصِرَها ... وتَرتجيكَ لشمْلِ الدّين تنظِمُهُ
للقُطْرِ تفتَحُهُ للأمْنِ تمْنَحُهُ ... للعزّ توفِدُهُ للنّصْرِ تُقدِمُهُ
للمُلْكِ تنْجِدهُ للرّفْدِ توجِبُهُ ... للدّين توجِدُهُ للكفْرِ تُعْدِمُهُ
للأجْرِ تُحْرِزُهُ للوعْدِ تُنجزُهُ ... للجيْشِ تُنْهِدُهُ للرّشْدِ تُلْهِمُهُ
كم ردّها الكُفْرُ عنها حين تقْصدُها ... كالطّيرِ تُمْنَعُ عذْبَ الوِرْدِ حُوَّمُهُ
وما دَجى ليلُ خطْبٍ في معاهِدها ... إلا انجَلى بصباحِ العزْمِ مُظْلِمُهُ
رأيٌ تُصيبُ إذا الرّاياتُ قد نُشِرَتْ ... لديْــــكَ شاكِلةَ الأغْراضِ أسْهُمُهُ
قد أقسَمَ النّصْرُ أن يحْتلَّ أرْبُعَها ... والنّهْبُ لا يسَعُ الأيدي مُقسَّمُهُ
والبحْرُ من رهَجٍ يُبْدي تجهُّمَهُ ... والموْجُ عن ثَبَجٍ يفْترُّ مَبسِمُهُ
وبارقُ السّيفِ من يُمْنى يديْكَ إذا ... تجهّمَ الروْعُ يجْلوهُ تبسُّمُهُ
كم قائمٍ بجزيلِ النّصرِ قائِمُهُ ... ومُعْرِبٍ عن جميل الصُنْعِ أعجَمُهُ
يخْطو ليخْطُبَ في حفلِ العِدى عجباً ... ما راقَ أسْماعَهُمْ إلا مُصمِّمُهُ
هيْهاتَ يشمَخُ فيها بعْدَما أنِفَتْ ... للكُفْرِ أنفٌ وسيفُ النّصْرِ يرْغِمُهُ
وهلْ يقودُ وليَّ الكافرينَ سوى ... مُغْراهُ بالقدِّ في الهَيْجاءِ مُغرَمُهُ
إن ساقَ حزْبَ العِدى للحرْبِ غادَرَهُ ... نهْباً وقد راقَ في مغْناهُ مغنَمُهُ
وكيف لا يرْتَضي حُكْمَ الهوانِ وقدْ ... هَوى لهُ الأسْمَرُ الخطّي يَخْصُمُهُ
دارِكْ به رمَقَ الإسْلامِ فهو على ... شــــفاً وإنّ بهِ يُشْفَى تألُّمُهُ
كمْ عامِلٍ عمِلتْ أيْدي الكُماةِ به ... ما الدّهْرُ في صحُفِ العَلْياءِ يرْسُمُهُ
قامَتْ على ساقِها الحَرْبُ العَوانُ فما ... ثنَتْهُ لمّا انثَنى فيها مُقوَّمُهُ
ومُرْسَلٍ قيّدَ الأسْماعَ منْ طرَبٍ ... كــــأنّهُ طــــائِرٌ يُــــشْجي ترنُّمُهُ
تحلُّهُ القوْسُ عندَ الرّميِ أبْهَرَها ... كــــأنّ صَــــدراً بــــه ظــــنٌّ يُــــرجّــــمُهُ
وسابِقٍ في مجالِ الرّوْعِ مُتّئِدٍ ... يخْتالُ حيثُ العِدى زهْواً مُطهَّمُهُ
للبرْقِ في سرْعةٍ للنّارِ في لهَبٍ ... للرّيحِ في قوّةٍ يُعْزى مُجسَّمُهُ
إذا عَلا البَطلُ المرْهوبُ صهْوَتَهُ ... فجمعُهُمْ ظلّ يَثْنيهِ تقدُّمُهُ
أو جرّ من خلْفِهِ الخطّيَّ تحْسِبُهُ ... صِلّاً تقَدَّمَهُ في القفْرِ ضيغَمُهُ
نامَ العدوّ وليلُ الأمْنِ يكْنُفُهُ ... بها وقد راقَهُ فيها تلوّمُهُ
ولو تجلّى صباحُ العزْمِ منكَ إذاً ... لاستَيْقظَتْ بعْدَ هدْءٍ منه نُوَّمُهُ
وسوفَ يكْبو به طِرْفُ العزيمةِ إذْ ... يُجْريهِ في طلَقِ التّقْصيرِ مُجْرِمُهُ
إنّ الفِــــرارَ وإن سُــــدّتْ مــــذاهِــــبُهُ ... يُسْليهِ عن وطَنٍ بالرّغْمِ يُسْلِمُهُ
كأنْ به قبلَ أن يحتلَّ حِلَّتها ... يَثْنيهِ واهي القُوَى عنْها توهُّمُهُ
كأنْ بمَعْقلها يُلْقي ممنَّعُهُ ... يداً ويرْتاحُ بالبُشْرى منعَّمُهُ
ويُظْهرُ الدّهْرُ ما يُمْنايَ تكْتُبُهُ ... للفتْحِ عنك وكان الدّهْرُ يكتُمُهُ
تبُثُّها في أقاصي الخافقَيْنِ بما ... تخُطُّهُ يدُكَ العُليا وترْسُمُهُ
فانهَضْ وعزْمُكَ يثْني قصْدَ ساكنها ... مُخيباً حيثُ مَغناها مُخيَّمُهُ
لا يُضْمِرُ الدّهْرُ معْنَى الفتْحِ عنْكَ وقدْ ... توضّحَ الآن طوْعَ النّصْرِ مُبْهَمُهُ
وإنّ عبدَكَ يُبْدي الدُرَّ من كلِمٍ ... في مدْحِ عُلْياكَ أفكاري تُنظّمُهُ
لوْلا نَداكَ وما أوْلَيْتَ من نِعَمٍ ... مــــا راقَ منهُ فُراداهُ وتوْأمُهُ
فخُذْ حديقَةَ طرْسٍ والثّناءُ بها ... مِسْكٌ يُفَضُّ بأمْداحي مُخَتَّمُهُ
واهنأ به موسِماً جلّتْ مواهِبُهُ ... وراقَ في أفْقِ العَلْياءِ مِيسَمُهُ
لازالَ مُلْكُكَ للأمْلاكِ يُنْجِدُها ... في كُلّ ما أحْكَمَتْ عهْداً يُحكّمُهُ
ودامَ رأيُكَ للرّاياتِ يعْقِدُها ... والنّصْرُ لا يَنثَني عنْها مُحَتَّمُهُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الصنع: صنع: صَنَعَه يَصْنَعُه صُنْعاً، فَهُوَ مَصْنوعٌ وصُنْعٌ: عَمِلَه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ؛ قَالَ أَبو إِسحاق: الْقِرَاءَةُ بِالنَّصْبِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، فَمَنْ نَصَبَ فَعَلَى … (لسان العرب)
- بهر: بهر: البُهْرُ: مَا اتَّسَعَ مِنَ الأَرض. والبُهْرَةُ: الأَرضُ السَّهْلَةُ، وَقِيلَ هِيَ الأَرض الْوَاسِعَةُ بَيْنَ الأَجْبُلِ. وبُهْرَةُ الْوَادِي: سَرارَتُه وَخَيْرُهُ. وبُهْرَةُ كُلِّ شَيْءٍ: وسطُه. وبُهْرَةُ الرَّحْلِ … (لسان العرب)
- بيوسف: وسف: الوَسْف: تَشَقُّقٌ يبْدو فِي الْيَدِ وَفِي فَخِذِ الْبَعِيرَ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الوَسْف تَشَقُّقٌ يَبْدُو فِي مقدَّم فَخِذِ الْبَعِيرِ وَعَجُزِهِ عِنْدَ مؤخَّر السِّمَن والاكْتناز، ثُمَّ يَعُم جَسَدَهُ فيَتقشَّر … (لسان العرب)
- سيبك: سيب: السَّيْبُ: العَطاءُ، والعُرْفُ، والنافِلةُ. وَفِي حَدِيثِ الاستسقاءِ: واجْعَلْه سَيْباً نافِعاً أَي عَطاءً، وَيَجُوزُ أَن يُرِيدَ مَطَراً سَائِبًا أَي جَارِيًا. والسُّيُوبُ: الرِّكاز، لأَنها مِنْ سَيْبِ اللهِ وَعَطَ … (لسان العرب)
- سيفك: سيف: السَّيْفُ: الَّذِي يُضربُ بِهِ مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ أَسْيَافٌ وسُيُوفٌ وأَسْيُفٌ؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ؛ وأَنشد الأَزهري فِي جَمْعِ أَسْيُفٍ: كأَنهم أَسْيُفٌ بِيضٌ يَمانِيةٌ، ... عَضْبٌ مَضارِبُها باقٍ بِهَا الأُثُ … (لسان العرب)