يا عَينُ بَكّي لِفَقدِ مِسرَجَةٍ
الشاعر: عاصِم البُرجُمي · البحر: المنسرح
هذه القصيدة من شعر عاصِم البُرجُمي، من العصر العباسي، وتقع في 51 بيتًا. نُظمت على بحر المنسرح، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا عَينُ بَكّي لِفَقدِ مِسرَجَةٍ ... كانَت عَمودَ الضِياءِ وَالنورِ
كانَت إِذا ما الظَلامُ أَلبَسَني ... مِن حِندِسِ اللَيلِ ثَوبَ دَيجورِ
شَقَّتـــ بِنيرانِها غَياطِلَه ... شَقّاً دَعا اللَيلَ بِالدَياجيرِ
صينِيَّةُ الحُسنِ حينَ أَبدَعَها ... مُصَوِّرُ الصينِ بِالتَصاويرِ
وَقَبلَ ذا بِدعَةٌ أُتيحَ لَها ... مِن قِبَلِ الدَهرِ قَرنُ يَعفورِ
وَصَكَّها صَكَّةً فَما لَبِثَت ... أَن وَرَدَت عَسكَرَ المَكاسيرِ
وَإِن تَوَلَّت فَقَد لَها تَرَكَت ... ذِكراً سَيَبقى عَلى الأَعاصيرِ
مَن ذا رَأَيتَ الزَمانَ يوسِرُهُ ... فَلَم يَشُب يُسرَهُ بِتَعسيرِ
وَمَــــن أَبــــاحَ الزَمــــانُ صَفَوَتَهُ ... فَلَم يَشُب صَفوَهُ بِتَكديرِ
مِسرَجَتي لَو فَديتِ ما بَخُلَت ... عَنكِ يَدُ الجودِ بِالدَنانيرِ
لَيسَ لَنا فيكَ ما نُقَدِّرُهُ ... لِكِنَّما الأَمرُ بِالمَقاديرِ
مِسرَجَتي كَم كَشَفتِ مِن ظُلمٍ ... جَلَّيتِ ظَلماءَها بِتَنويرِ
وَكَم غَزالٍ عَلى يَدَيكِ نَجا ... مِن دَقِّ خُصيَيهِ بِالطَواميرِ
مَن لي إِذا ما النَديمُ دَبَّ إِلى النَ ... دمانِ في ظُلمَةِ الدَياجيرِ
وَقـــــامَ هَـــــذا يَــــبــــوسُ ذاكَ وَذا ... يُعنِقُ هَذا بِغَيرِ تَقديرِ
وَاِزدَوَجَ القَومُ في الظَلامِ فَما ... تَسمَعُ إِلّا الرَشاءَ في البيرِ
فَما يُصَلّونَ عِندَ خَلوَتِهِم ... إِلّا صَلاةً بِغَيرِ تَطهيرِ
أَوحَشَتِ الدارُ مِن ضِيائِكِ وَالبَي ... تُ إِلى مَــــــطــــــبَــــــخٍ وَتَـــــنّـــــورِ
إِلى الرَواقَينِ فَالمَجالِسِ فَال ... مِربَدِ مُذ غِبتِ غَيرُ مَعمورِ
قَلبي حَزينٌ عَلَيكَ إِذا بَخُلَت ... عَلَيكِ بِالدَمعِ عَينُ تَنميرِ
إِن كانَ أَودى بِكِ الزَمانُ فَقَد ... أَبقَيتِ مِنكِ الحَديثَ في الدورِ
دَع ذِكرَها وَاِهجُ قَرنَ ناطِحِها ... وَاِسرُد أَحاديثَهُ بِتَفسيرِ
كانَ حَديثي أَنّي اِشتَرَيتُ فَما ... اِشتَرَيتُ كَبشاً سَليلَ خِنزيرِ
فَــــلَم أَزَل بِــــالنَــــوى أُسَــــمِّنــــُهُ ... وَالتِبنِ وَالقَتُّ وَالأَثاجيرِ
أُبَــــرِّدُ المــــاءَ في القِلالِ لَهُ ... وَأَتَّقــــي فــــيــــهِ كُــــلَّ مَــــحــــذورِ
تَــــخــــدِمُهُ طــــولُ كُــــلَّ لَيلَتِها ... خِدمَةَ عَبدٍ بِالذُلِّ مَأسورِ
وَهيَ مِنَ التيهِ ما تُكَلِّمُني ال ... فَصيحَ إِلّا مِن بَعدِ تَفكيرِ
شَمسٌ كَأَنَّ الظَلامَ أَلبَسَها ... ثَوباً مِنَ الزِفتِ أَو مِنَ القيرِ
مِن جِلدِها خُفُّها وَبُرقُعُها ... حَوراءُ في غَيرِ خِلقَةِ الحورِ
فَلَم يَزَل يَغتَذي السُرورَ وَما ال ... مَحزونُ في عيشَةٍ كَمَسرورِ
حَــــتّــــى عَدا طَورَهُ وَحُقَّ لِمَن ... يَكفُر نُعمى بِقُربِ تَغييرِ
فَمَدَّ قَرنَيهِ نَحوَ مِسرَجَةٍ ... تُــــعَدُّ في صَونِ كُلِّ مَذخورِ
شَدَّ عَلَيها بِقَرنِ ذي حَنَقٍ ... مُــــعَــــوَّدٍ لِلنِــــطــــاحِ مَــــشهورِ
وَلَيــــسَ بَــــقــــوى بِــــرَوقِهِ جَبَلٌ ... صَلدٌ مِنَ الشَمخِ المَذاكيرِ
فَكَيفَ تَقوى عَلَيهِ مِسرَجةٌ ... أَرَقُّ مِــــن جَــــوهَــــرِ القَوارايرِ
تَـــــكَـــــسَّرَت كَـــــســـــرَةً لَهــــا أَلَمٌ ... وَما صَحيحُ الهَوى كَمَكسورِ
فَأَدرَكَتهُ شَعوبُ فَاِنشَعَبَت ... بِالرَوعِ وَالشِلوُ غَيرُ مَقتورِ
أُديــــلَ مِنهُ فَأَدرَكَتهُ يَدٌ ... مِنَ المَنايا بِحَدِّ مَطرورِ
يَلتَهِبُ المَوتُ في ظُباهُ كَما ... تَلتَهِبُ النارُ في المَساعيرِ
وَمَزَّقَتهُ المُدى فَما تَرَكَت ... كَفُّ الفِرا مِنهُ غَيرَ تَعسيرِ
وَاِغتالَهُ بَعدَ كَسرِها قَدَرٌ ... صَــــيَّرَهُ نَهــــزَةَ السَــــنــــانــــيــــرِ
فَــــمَــــزَّقَــــت لَحمَهُ بَراثِنُها ... وَبَـــــذَّرَتـــــهُ أَشَـــــدَّ تَـــــبــــذيــــرِ
وَاِختَلَسَتهُ الحِداءُ خَلساً مِعَ ال ... غِربانِ لَم تَزدجِر لِتَكبيرِ
وَصــــارَ حَــــظَّ الكِــــلابِ أَعــــظُــــمُهُ ... تُهَشِّمُ أَنحاءَها بِتَكسيرِ
كَــــم كاسِرٍ نَحوَهُ وَكاسِرَةٍ ... سِلاحُها في شَفا المَناقيرِ
وَخــــامِــــعٍ نَــــحــــوَهُ وَخــــامِعَةٍ ... سِلاحُها في شَفا الأَظافيرِ
قَد جَعَلَت حَولَ شِلوِهِ عُرُساً ... بِلا اِفتِقارٍ إِلى مَزاميرِ
وَلا مُــــغَنٍّ سِوى هَماهِمِها ... إِذا تَــــمَــــطَّتــــ لِوارِدِ العــــيــــرِ
يا كَبشُ ذُق إِذ كَسَرتَ مِسرَجَتي ... لِمُديَةِ المَوتِ كَأسَ تَنحيرِ
بَغَيتَ ظُلماً وَالبَغيُ مَصرَعُ مَن ... بَغى عَلى أَهلِهِ بِتَغييرِ
أُضحِيَّةٌ ما أَظُنُّ صاحِبَها ... في قَسمِهِ لَحمَها بِمَأجورِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر المنسرح. بحر قليل الاستعمال، سُمّي منسرحًا لانسراحه أي سهولته على اللسان.
تفعيلاته: مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الصين: صين: الصين: بلد معروف. والصَّواني: الأَواني منسوبة إليه، وإليه ينسب الدار صيني، ودار صِيني. وصِينين: عِقِّيرٌ معروف. (لسان العرب)
- بنيرانها: يَرَنَ: اليَرُونُ: دِمَاغُ الْفِيلِ، وَقِيلَ هُوَ المَنِيُّ، وَفِي التَّهْذِيبِ: مَاءُ الْفَحْلِ وَهُوَ سُمٌّ، وَقِيلَ: هُوَ كُلُّ سَمّ؛ قَالَ النَّابِغَةُ: وأَنْتَ الغَيْثُ يَنْفَعُ مَا يَلِيهِ، ... وأَنْتَ السَّمُّ خال … (لسان العرب)
- تولت: تول: التُّوَلَة: الدَّاهِيَةُ، وَقِيلَ: هِيَ بِالْهَمْزِ، يُقَالُ: جَاءَنَا بتُولاته ودُولاته وَهِيَ الدَّوَاهِي. ابْنُ الأَعرابي: إِن فُلَانًا لَذُو تُولات إِذا كَانَ ذَا لُطْف وتَأَتٍّ حَتَّى كأَنه يَسْحَر صَاحِبَهُ. و … (لسان العرب)
- حندس: حندس: الحِنْدِسُ: الظُّلْمَة، وَفِي الصِّحَاحِ: اللَّيْلُ الشَّدِيدُ الظُّلْمَةِ؛ وَفِي حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ. كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ، ﷺ، فِي لَيْلَةٍ ظَلْماء حِنْدِسٍ أَي شَدِيدَةِ الظُّلْمَةِ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ الْح … (لسان العرب)