من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الفصل السادس نوادر التعازي والمراثي
- دخل أبو دلامة على أمّ سلمة يعزّيها بأبي العباس السفاح زوجها، فبكى وبكت، ثم قال:
ولقد أردت الصبر عنك فلم يكنجزعي ولا صبري عليك جميلا
يجدون أبدالا سواك وإننيلو عشت دهري ما أصبت بديلا
فقالت أمّ سلمة: ما أصيب به غيري وغيرك، فقال: لا والله ولا سواء رحمك الله، لك منه ولد وليس لي أنا منه ولد، فضحكت منه أمّ سلمة، ولم تكن ضحكت قبل ذلك، وقالت: لو حدّث الشيطان لأضحكه.
وكان ابن الجصّاص الموصوف باليسار مغفّلا، فعزّى رجلا عن بنت له ماتت فقال له: من أنت حتى لا تموت بنتك البظراء؟! قد ماتت عائشة بنت النبي ﷺ.
- وذكر محمد بن إبراهيم اليزيدي أنه كان عند أبي إسحاق الزجّاج النحوي يعزّيه عن أمه، وعنده جماعة من الوجوه والرؤساء، إذ دخل ابن الجصّاص ضاحكا وهو يقول: الحمد لله يا أبا إسحاق، قد والله سرّني، فدهش الزجاج ومن حضر، فقال له بعضهم: كيف سرّك ما غمّه وغمّنا له؟ قال:
ويحك بلغني أنه هو الذي، فلما صحّ عندي أنها هي التي، سرّني؛ فضحك الناس.
- أصيب إسحاق بن محمد بن الصباح الكندي بابن له فجزع عليه، فدخل أهل الكوفة يعزّونه وفيهم بهلول، فقال: أيسرّك أنه بقي وأنّه مثلي؟
قال: لا والله، وإنّها لتعزية.
- ماتت أمّ ابن عياش فأتاه سيفويه القاصّ معزّيا فقال: يا أبا محمد عظم الله مصيبتك، فتبسّم ابن عيّاش وقال: قد فعل، فقال: يا أبا محمد هل كان لأمك ولد؟ فقام ابن عيّاش عن مجلسه وضحك حتى استلقى على قفاه.
- أصيب الحجاج بصديق له وعنده رسول لعبد الملك شاميّ، فقال الحجاج: ليت إنسانا يعزّينا بأبيات، فقال الشامي: أقول؟ قال: قل، فقال:
كلّ خليل سوف يفارق خليله بموت أو بصلب أو وقوع من فوق البيت، أو وقوع البيت عليه، أو سقوط في بئر، أو يكون بشيء لا يعرفه. قال الحجاج:
قد سلّيتني عن مصيبتي بأعظم منها في أمير المؤمنين إذ يوجّه مثلك رسولا.
- صارت عجوز إلى قوم تعزّيهم في ميت، فرأت عندهم عليلا، فلما أرادت أن تقوم قالت: والحركة تغلظ عليّ في كلّ وقت، فأعظم الله أجركم في هذا العليل فلعلّه يموت.
- عزّى إنسان ابن الجصاص عن ميّت له وقال: لا تجزع واصبر، فقال: نحن قوم لم نتعوّد أن نموت.
- عبد الصمد بن المعذل يرثي بعض الطفيليين:
أحزان نفسي عنها غير منصرمهوأدمعي من جفوني الدهر منسجمه
على صديق ومولى لي فجعت بهما إن له في جميع الصالحين لمه
كم جفنة مثل جوف الحوض مترعةكوماء جاء بها طبّاخها رذمه
قد كلّلتها شحوم من قليّتهاومن سنام جزور عبطة سنمه
غيّبت عنها فلم تعرف لها خبرالهفي عليك وعولي يا أبا سلمه
ولو تكون لها حيّا لما بعدتعليك يوما ولو في جاحم حطمه
قد كنت أعلم أنّ الأكل يقتلهلكنني كنت أخشى ذاك من تخمه
إذا تعمّم في شبيله ثم أتىفإن حوزة من يأتيه مصطلمه
- أبو الشبل يرثي طبيبا:
قد بكاه بول المريض بدمعواكف فوق مقلتيه ذروف
ثم شقّت جيوبهنّ القوارير عليه ونحن نوح اللهيف
يا كساد الخيار شنبر والأقراص طرّا ويا كساد السفوف
- وكان لأبي الشبل كبش يعلفه ويسمّنه للأضحى، فأفلت يوما على قنديل له وسراج وقارورة للزيت فنطحه وكسره أجمع، فذبح الكبش قبل الأضحى، وقال يرثي سراجه:
يا عين بكّي لفقد مسرجةكانت عمود الضياء والنّور
كانت إذا ما الظلام ألبسنيمن حندس الليل ثوب ديجور
شقّت بنبراسها غياطلهشقّ دجى الليل بالتباشير
صينية الصين حين أبدعهامصوّر الحسن بالتصاوير
وقيل ذا بدعة أتيح لهامن عقب الدهر قرن يعفور
فإن تولّت عني لقد تركتذكرا سيبقى على الأعاصير
من ذا رأيت الزمان ياسرهفلم يشب يسره بتعسير
ومن أتاح الزمان صفوتهفلم يشب صفوه بتكدير
مسرجتي كم كشفت من ظلمجلّيت ظلماءها بتنوير
من لي إذا ما النديم دب إلى الندمان في ظلمة الدياجير
وقام هذا يبوس ذاك وذاينيك هذا بغير تقدير
وازدوج القوم في الظلام فمايسمع إلّا الرشاء في البير
إن كان أودى بك الزمان فقدأبقيت منك الحديث في الدور
دع ذكرها واهج قرن ناطحهاوانشر أحاديثه بتفسير
كان حديثي أني اشتريت فلا اشتريت كبشا سليل خنزير
فلم أزل بالنوى أسمنّهوالتبن والقتّ والأثاجير
أبرّد الماء في القلال لهوأتّقي فيه كلّ محذور
فلم يزل يغتذي السرور وما المحزون في عيشه كمسرور
حتى عدا طوره وحقّ لمنيكفر نعمى بقرب تغيير
فمدّ قرنيه نحو مسرجةتعدّ في صون كلّ مذخور
شدّ عليها بقرن ذي حنقمعوّد للنطاح مشهور
وليس يقوى بروقه جبلصلد من الشمّخ المناكير
فكيف يبقى عليه مسرجةأرقّ من جوهر القوارير
أديل منه فباكرته يدمن المنايا بحدّ مطرور
ومزّقته المدى فما تركتكفّ القرى منه غير تعشير
واغتاله بعد كسرها قدرصيّره نهزة السنانير
واختلسته الحداء خلسا مع الغربان لم يزدجر بتطيير
وصار حظ الكلاب أعظمهتهشم أنحاءها بتكسير
كم كاسر نحوه وكاسرةسلاحها في شغا المناقير
- كتب أحمد بن يوسف الكاتب إلى عمرو بن سعيد بن سلم يرثي ببغاء له ماتت:
عجبا للمنون كيف أتتهاوتخطّت عبد الحميد أخاكا
شملتنا المصيبتان جميعافقدنا هذه ورؤية ذاكا
- أبو بكر ابن العلاف من مرثيّة الهرّ المشهورة:
يا من لذيذ الفراخ أوقعهويحك هلّا قنعت بالغدد
أطعمك الغيّ لحمها فرأىقتلك أربابها من الرّشد
ولم تزل للحمام مرتصداحتى سقيت الحمام بالرّصد
ما كان أغناك عن تسلّقك البرج ولو كان جنّة الخلد
لم يرحموا صوتك الضعيف كمالم ترث منها لصوتها الغرد
أذاقك الموت من أذاق كماأذقت أطياره يدا بيد
لا بارك الله في الطعام إذاكان هلاك النفوس في المعد
عاقبة البغي لا تنام وإنتأخّرت مدّة من المدد
كم دخلت أكلة حشا شرهفأخرجت روحه من الجسد
إنّ الزمان استقاد منك ومنيظلم بعين الزمان يستقد
قيل لرجل: مات فلان، فقال: من لم تنفع حياته لم يجزع لوفاته:
فبعدا لا انقضاء له وسحقافغير مصابه الخطب العظيم
- وقف شاطر على قبر سارق فقال: رحمك الله فقد والله كنت أحمر الإزار، حادّ السكين، إن نقبت فجرذ، وإن تسلّقت فسنّور، وإن استلبت فحدأة، وإن ضربت فأرض، وإن شربت فحبّ؛ ولكنّك اليوم وقعت في زاوية سوء.
أصيب أحمد بن الخصيب بمصيبة، فخرج إلى الحاضرين لتعزيته وهو يعصر عينيه ويقول:
غيّضن من عبراتهنّ وقلن ليماذا لقيت من الهوى ولقينا
فقال أحدهم: ما هذا؟ فقال: لما رأيت النساء يبكون ويلطمون حضرني هذا البيت، فقيل له: هذا لجرير، فقال: لعله اتّفاق.
- سرق من أبي الشبل ثلث قرطاس فقال يرثيه:
فكر تعتري وحزن طويلوسقيم أنحى عليه النحول
ليس يبكي رسما ولا طللا محح كما تندب الربى والطّلول
إنما حزنه على ثلث كان لحاجاته فغالته غول
كان للسرّ والأمانة والكتمان إن باح بالحديث الرسول
كان مثل الوكيل في كلّ سوقإن تلكّا أو ملّ يوما وكيل
كان للهمّ إن تراكم في الصدر فلم يشف من غليل غليل
كان لا يتقي الحجاب من الحججاب إن قيل ليس فيها دخول
يقف الناس وهو أول من يدخله القصر غادة عطبول
فإذا أبرزته فاح به في القصر مسك وعنبر معلول
كان مع ذا عدل الشهادة مقبولا إذا عزّ شاهدا تعديل
وإذا ما التوى الهوى بالأليفين فلم يرع واصلا موصول
فهو الحاكم الذي قوله بين الأليفين جائز مقبول
مات ولد لأعرابيّ فصلّى عليه وقال: اللهمّ إن كنت تعلم أنه كريم الجدّين، سهل الخدّين، فاغفر له، وإلا فلا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع