من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
لابن نصر تعزية بعنز
كتب ابن نصر الكاتب يعزي بعنز ماتت عند الولادة: أحقّ الناس، أيها الحاجب، بالأنين من ألم محنته، وأخلقهم بفضل الحنين إلى نعمته، وأولاهم بالحزن الطويل، وأحراهم بالبكاء والعويل، وأشدّهم تصعيدا لأنفاسه، وأعذرهم في تناول أخدعه وراسه، من عجز بعد القدرة، وأترب بعد الثروة، وفارق السعة واليسار، ولابس الإضاقة والاقتار، وعدم ماله الزائد النامي، وفقد حرثه الرائع الزاكي. وبلغني مصابك بالعنز التي كانت لك من أعظم جاه وعزّ، وانها قبضت نفساء بمرأى عينيك، واعتبطت منقلبة
على صفحتي يديك، فقلقت بما طرقك قلق المساهم في الوجد بها، المهتم بتشعّث حالك من بعدها، العالم بعدم النظير لها. وأين لك مثلها في قناء الأنف وإنافته، وانتصاب القرن وصلابته، وحمرة اللون وكمتته، وزرقة العين واتساعها، وكبر الضروع وانسدالها، والدرّ الذي لا ينزف، والإتآم الذي لا يخلف. وكيف لا تكون كربتك لازمة، وحسرتك دائمة، وقد عدمت بها جاها عريضا، وذكرا مستفيضا، وجلاء للقلب والنظر، وقضاء للشهوة والوطر، ومادة معينة على الاتصال، وسببا ينصرك بأهل البذل والنوال، فألطافك منها مشتهاة محبوبة، وتحفك بها مستدعاة مطلوبة، وهداياك مشهورة على الأطباق، وتحاياك موصوفة بالقبول نصبتها نصب الدّبق، وجعلتها سلّم الرزق، فهي تستأذن لك إذا طرقت، وتؤمّنك التثقيل إذا أشفقت. فأنت بها صاحب سرّ الكيمياء، والظافر عنها بحصول الكفاف والثراء. لكنها الأيام ذات الألوان والتبدل، والحؤول والتنقّل، فالإنسان منها بعرضة المخاوف والأخطار، وعلى فرصة أحكام تجري وأقدار، لذّتها منقطعة زائلة، وسعودها غائرة آفلة، بينما ترضعه درّها مختارة طائعة، وتلبسه زينتها رائقة ناصعة، وتجنح إليه مساعدة موثرة، وتقبل عليه ضاحكة مستبشرة، حتى يمرّ مذاقها فلا يساغ، ويذهب رونقها فلا يراغ، وتجمح نافرة فلا ترجع، وتعرض مزورّة فلا تعطف، عادة جارية مستقرة، وسنّة ماضية مستمرة. فاسترجع أيها الحاجب- أيّدك الله- تذكّرا واستبصارا، واصطبر تفكّرا واعتبارا، وإن غلبتك الدموع فأجرها استرواحا، وإن هممت بالصلف فرفقا لا اعتسافا، فبماء العين تطفأ نار الوجد، وبصكّ الأخدعين يشفى غليل القلب. وكلّ ذاك حقير في جنب ما لحقك، ويسير في عظيم ما طرقك.
فماذا يصف الواصف من عنزك ونبلها، ويعدّد من خيرها وفضلها: أخلاقها الطيّبة أم آدابها المعجزة، أم ذكاءها عند الرجعة من الرعي، ووقوفها على بابك بالسكون والهدي، حتى إذا فتح لها ولجته ذاهبة إلى مربطها، منقادة لقائدها. فمهما تنس لا تنس أيها الحاجب لبأها المزعفر عند الولاد، ووطبها الملفّف في البجاد، والائتدام بلبنها إذا أعوز الإدام، ورواسلها العامرة للمنزل، وأنيابها المشيدة بذكرك في المحفل، وأمصالها المتناقلة بين الدور، وأبعارها الساجرة للتنّور. وكائن من عنز حاولت اللحاق بها فنكلت، ورامت المماثلة لها فعجزت؛ هذا وقد عدمت من فضلات ألبانها الوسيعة، وأثمان عنقها المبيعة، ما كان عدّتك في عامّة أمورك، ومادّتك في ملبسك وبخورك. وكم جدي لها أكرم عن الذبح، واستخلص للقراع والنّكح، قد نتج أولادا أنجابا يعرفون بك ويعزون إليك، ويحيلون بصريح نسبهم في التيوسة عليك، وهذه فضيلة مغفول عن ذكرها، ومنقبة يقصّر لسانك عن شكرها، وكأني بك متى لقيت من أسباطه نجيبا، وجارا لخصييه ينبّ نبيبا، خار صبرك وقلبك، وطار حلمك ولبّك، وتذكّرت ما يبكيك، ونسيت عند رؤيته ما كان يسليك، وحقّ لك، غير أنّ الثواب المكتسب أجلّ الأعواض عنها، والأجر المذخور خير لك منها، فلا مردّ للقضاء المحتوم فقد فقد الناس الأغنام، ومارسوا الضرورة والإعدام، ثم جبر الله المصائب، وعوّض عن الفائت الذاهب. فأحسن الله لك العزاء عن عنزك وجديك، وخفّف ثقل أسفك عليهما ووجدك، ودمل بالتسلّي خموش وجهك وخدّك، وربط على قلبك بالصبر عند مشاهدة مربطها، وآنسك بالسّلوة عن عطاسها وضرطها، ولا أخلاك من قرينة تسدّ مسدّها في عمارة خلّتك، وتقوم مقامها في مطاعمك وأغذيتك، وألحقها بالأغنام الشهداء، وجمع بينها وبين قرابين الأولياء، وحشرها مع الأضحيات، ورفعها إلى منازل الهدايا المشعرات، ووفّر أجرك عليها من متوفاة، ولا أجرى دمعك بعدها على شاة، إنه
على كلّ شيء قدير.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع